رحلات الصيد في الجزيرة العربية بعيون الرحالة الغربيينالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2019-10-03 14:12:14

د. علي عفيفي علي غازي

أكاديمي وصحفي

يُشكّل الصيد بالصقور، منذ أقدم العصور، رياضة الملوك، ويعتقد بعض المؤرخين أنها دخلت أوروبا عن طريق شبه الجزيرة العربية مع بدايات الحروب الصليبية، لكن المؤكد أن الأسبان مارسوها مع الفاتحين العرب، وانتشرت في بلاد فارس مع انتشار الإسلام، الذي امتد حتى أقاصي الصين. وممارسة الصيد بأنواعه، من هوايات الرجال المفضلة، وينظر إليه كبار القوم وأثريائهم باعتباره وسيلة محببة للترويح عن النفس، وأدلة لإظهار شجاعتهم وترفهم وبذخهم. فمنذ الملك نمرود، الذي كان يصطاد أمام الإله، اتخذ معظم الملوك في جميع العصور، من الصيد تسليتهم المفضلة ورمزًا لبطولتهم وقوتهم1. وقد ورد الصيد باستخدام الصقور في التاريخ العربي منذ أقدم العصور، وهناك العديد من القصص والحكايات، التي تدور حول الصيد بالطيور الجارحة مثل الصقور، وكيف أن الحكام القدماء كانوا يربونها ويعتنون بها. ويُشير الرحالة البريطاني ديكسون  Dickson إلى أن "الحكام القدماء من عائلة العريعر، الذين هم ورثة شيوخ بني خالد في الحسا ونجد كانوا يقيمون سنويًا مهرجانات ومباريات للصيد بواسطة الصقور بهدف تعميم تلك الرياضة والاهتمام بها"2.

يمثل الصيد عصب الحياة البدوية في العراق والجزيرة العربية، إذ يعتمد البدو على الصيد في غذائهم ولباسهم، حيث يصنعون من جلود بعض الطرائد لباسهم وبيوتهم، إضافة إلى شعر الماعز ووبر الإبل، وذلك بالرغم من أن الرحالة الدنمركي باركلي رونكيير  Barkley Ronekier يذكر أن "الصيد يُشكّل جزءًا صغيرًا فقط من طعام سكان الجزيرة، ولا يوجد حيوانات كثيرة للصيد ما عدا الغزال، وهو عادة يصطاد للتسلية، وتُستخدم طيور الصقور بكثرة في صيده"3. والصيد وشن الغارات، هي أهم ما يشغل البدوي، وهما العمل الوحيد الذي يجدر بالرجل البدوي أن يقوم به، ويشكل الصيد، هواياته المحببة. ويقضي الرجال البدو، كما يذكر الرحالة الإنجليزي ريتشارد بيرتون Richard Burton "وقتهم بصفة رئيسة في الصيد بالصقور، وفي ضرب النار، وركوب الخيل"4. ويعتبر الصيد التسلية الرئيسة أثناء زيارة شيوخ القبائل للأمراء5.

يُشير جُل الرحالة الغربيين إلى أن الخروج في رحلات للصيد هو هواية الأمراء وشيوخ القبائل والعشائر وكبار أعيان القبيلة، لإرتفاع أسعار الصقور، وصعوبة العناية والاهتمام بها، ولأن العناية بها تقتضي تكاليف عالية، وهو ما لا يقوى عليه الكثير من أفراد القبيلة، ويأخذ الصقر مكانه في الخيمة على حاملة أفقية في قسم الرجال. ويشير الرحالة البريطاني تايلور Taylor إلى أن "العرب مولعون جدًا بالصيد؛ بواسطة الطيور، وهم ماهرون للغاية في هذا الميدان"6. وتذكر الرحالة البريطانية الليدي درور، أو  أثل ستيفانا ستيفنس Ethel Stefana Stevens، أن "لشيوخ العرب ولع خاص باستخدام الصقور في الصيد، وكثيرًا ما يشاهد المرء صقورًا شد على عينيها بقطعة جلدية، ووقفت على ساعد أتباع أحد الشيوخ"7. وتظل رحلات الصيد من هوايات أهل منطقة الخليج العربي، إذ يذكر جون بولوك، الذي ألف كتابه في ثمانينات القرن العشرين، أن رياضة الصيد بالصقور "بالنسبة للأغنياء من أبناء الخليج أصبحت... رمزًا لرفعة المقام، علاوة على كونها مصدرًا كبيرًا للمتعة"8.

يذكر الرحالة البريطاني ديكسون أنه كثيرًا ما يتفق بعض الشباب للخروج للصيد، فقد يخرج اثنان أو ثلاثة ومع كل منهم كلبه، وفور وصولهم إلى المناطق التي يُحتمل وجود الأرانب فيها ينفصلون عن بعضهم ويسيرون على جبهة يبعد الواحد عن الآخر بحوالي ثلاثين ياردة، ويكون كلبه أمامه، ويُتابع كل منهم كلبه ويُراقبه أينما اتجه، وما إن تظهر إحدى الطرائد من الأرانب حتى تُلاحقها كلاب الصيد، وقد تتملص الطريدة من ملاحقيها لاسيما إذا كانت كلاب الصيد حديثة العهد بالصيد، ومن النادر أن كلبًا مُدربًا يفقد طريدته، فإذا ما طارد كلب سلوقي غزالاً، فلن يتوقف قبل الوصول إليه، واصطياده بعد معركة قصيرة طبقًا لنظرية حب البقاء، ثم ينتظر الكلب قدوم سيده، الذي يكون غالبًا قريبًا منه، وقد يُراقب تلك المعركة عن قرب من على ظهر جمله، وما إن يصل إلى مكان الطريدة، حتى يترجل من على ذلوله ويذبحه، وفي بعض الأحيان قد يضل الصياد طريقه أثناء ملاحقة الطريدة، فيقوم كلبه المدرب بالعواء لإرشاد صاحبه إلى مكان وجوده. أما في حال صيد الغزلان فالأمر أعقد قليلا، إذ يجري عادة على ظهور الجمال، وهذا ما يعطي الصياد مجالا لحقل رؤية أوسع، وبالتالي يسمح للصياد بملاحقة الطريدة بشكل أسهل، كما يستطيع الصياد ملاحقة كلابه عن قرب، ويتابع معها ملاحقة الطريدة، مما يشجع كلابه على المتابعة، وبالتالي يزداد حماسها ويقل احتمال نجاة الطريدة9. ويضيف جوهن جاكوب هيس أن الرجل البدوي إذا ما أراد الخروج في رحلة صيد، فإنه يلبس تحت غطاء الرأس، أو أيضًا كغطاء رأس، قبعة لامتصاص العرق، دائرية الشكل تُسمى "قبع الجمع قبيع"، وعند السكان المستقرين تسمى "عراجية"10.

يصف الرحالة الألماني ماكس أوبنهايم عملية الصيد، كما شاهدها، فيذكر أن "الصيد يتم عادة عن طريق التربص بالحيوانات، خاصة الغزلان، عند مواقع ورودها ورميها من المخبأ، وفي كثير من الأحيان تصنع لهذا الغرض مواقع للرماية باستعمال الحجارة، التي يختبئ وراءها الصياد...، ويقتربون في حذر من الحيوانات البرية، وتطارد الأرنب البرية والداجنة باستعمال السلوقي، أو تصطاد بعصا الرماية، التي يُحسن الشبان استعمالها في صيد القطا والحجل والدرَّج، التي يعثرون عليها عند مواقع المياه...، ويستخدم رجال قبائل شمر الصقور في صيد الحيوانات الكبيرة والغزلان والحباري أيضًا...، ولا يمارس الصيد بالصقور إلا في الصباح الباكر، لأن هذه الطيور يصيبها الإرهاق في النهار بسبب حرارة الشمس، فتصبح فريسة سهلة للنسور والعقبان، ويرسل الصقر إثر الغزلان أيضًا، إلا أنه يستعان في ذلك بالسلوقي لأن الصقر لا يملك من القوة ما يستطيع به طرح الفريسة أرضًا"11.

يخرج كثير من الرحالة في رحلات صيد مرافقين لشيوخ القبائل والعشائر. إذ يقضي الرحالة البريطاني الأيرلندي جيمس ريموند ولستيد James Raymond Wellsted "، الذي قام برحلة إلى العراق في عام 1830، "وقتًا ممتعًا في الصيد"12. وفي السويق (1835) بسلطنة عمان خرج  غير مصحوب بأحد ممتطيًا جواده يحمل بندقيته ليمارس الصيد في تلك المنطقة برغم أن المواطنين نصحوه بألا أقوم بذلك13. وقبل أن ينطلق لويس بيلي في رحلته إلى الرياض، ذهب أولاً إلى الكويت، في أوائل عام 1860، وهناك ينتظر الحصول على سماح له بالتوجه نحو الرياض، وخلال فترة انتظاره، شغل وقته بالتحدث والقيام بسفرات الصيد مع علية القوم الذين شبههم بالنبلاء الإنجليز، لطبيعة خلقهم وكرمهم14.

تمارس الرحالة البريطانية آن بلنت Ann Bulant، والتي قامت برحلتها إلى نجد في عام 1878، "شيئًا من رياضة الصيد". وتمكنت باستخدام الصقر من اصطياد أرانب برية كانت تجري في الخلاء15.. وتضيف "إنه شيء رائع أن ترى هذه الصقور تجثم زوجيًا على كفل فرس سيدها، وربما على هودج زوجته، وهي تحافظ على توازنها بمد أجنحتها، بينما انهمكت الكلاب السلوقية في عمل دائم طاردت فيه الثعالب والغزلان"16.

يُغادر تشارلز داوتي Charles Doughty، مع رجال من عشيرة الفقراء "مدائن صالح" في عام 1878 متوجهين نحو تيماء، فيشاهد صقورًا كثيرة يحملها أصحابها الراكبون على ذللهم، وكانوا قد اشتروها من عرب البوابة، وحمل شيوخ من البدو كذلك كلاب صيدهم على جمالهم لكي لا تحرق الرمال الحارة أقدامها اللينة. وفي الطريق من تيماء إلى حائل أمطرت السماء، وعندما وقف المطر "ذهب بشر يصطاد بصقره، وقد حمل اثنان أو ثلاثة في رفقته صقورهم معهم راكبة على مقدمة السروج أو جالسة على قبضة يد صاحبها. وكانت الصقور تطلق تجاه الأرانب الصغيرة الفزعة القليلة في الصحراء. فتبلل أجنحتها بقايا المطر. وكانت تطير في تكاسل وتدور على ارتفاع منخفض، وبعد دوره أو دورتين يجري صاحبها ليمسك بالصيد المسكين"17.

يتمكن أحد مرافقي يوليوس أوتينج Julius Euting ، الذي ارتحل في الجزيرة العربية بين عامي (1883-1884) يرافقه الرحالة الفرنسي تشارلز هوبر Charles Huber، من اصطياد طائر ذي لونين رمادي وأصفر، ومسح بدمه وريشه بندقيته دليلًا على توفيقه في الصيد، ثم قام بشويه حتى تفحم18.

يُمارس الطبيب الأمريكي شارون توماس، صيد الغزلان في إمارة الشارقة عام 1902، ببندقية كان يحتفظ بها أحد البحارة كتحفة نادرة، "وبالرغم من أنني شاهدت الكثير من الغزلان الجميلة إلا إنني لم أصطد واحدًا منها، وذلك لأنني تذكرت اعتراضات البعض على أعضاء الإرسالية المبشرين، وأنا أحدهم بالطبع، لذبحهم الحيوانات بشكل وحشي، ولذلك تمتعت بجولة الصيد والركض وراء الغزلان، ولم يفسد هذه المتعة سوى تذكر هؤلاء المعارضين لقتل الحيوانات"19.

يدُعيَّ الرحالة الأسباني لويس دي مورس، الذي قام برحلة إلى وسط الجزيرة العربية في عام 1905، "لرحلة قنص" إلا أنه رفض ممارسة تلك "الهواية المُغوية، التي أودت بحياة المُستكشفين الذين خرجوا وحدهم مُعرضين أنفسهم لأخطار ذوي السطوة الطامعين"20.

يقوم الرحالة التشيكي ألويز موزيل Alois Musil، بالترحال في شمال الجزيرة العربية بين عامي (1908-1915)  ويخرج مع أمير حائل في رحلة صيد، وما إن خرجوا إلى الفلا حتى ظهر أمامهم أرنب، "وانطلق كلب الأمير في إثره، وقام الأمير فورًا بنزع برقع رأس الصقر، وحل قيده من السير الجلدي، وأرسل الطير في الفضاء. فدار الصقر دورة، وأبصر السلوقي والأرنب، فانقض عليه ونقره بمنسره وارتفع في السماء، ثم انقض عليه ثانية فوقعت الطريدة دون حراك، فأسرع الأمير على ظهر جمله إلى الأرنب وطرد الكلب عنه وذبحه، ثم لوح بيده في الهواء محاولا استعادة الصقر. ولكن الصقر تابع التحليق برهة، ثم عاد إلى الأمير وحط على يده منتظرًا منه تقييده ووضع القلنسوة على رأسه. وبعد برهة كان صقر نواف قد اقتنص بدوره أرنبًا فقدمه إلي، ولكنني رددت الهدية وسألته أن يأمر بطهيه لأتناوله ضيفًا عليه في العشاء"21.

يرافق الرحالة البريطاني ويلفرد ثيسجر الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، في رحلاته للصيد في مجاورات البريمي، في الفترة بين نوفمبر 1948 وأبريل 1949، حيث ربطت بينهما الصداقة22.

 

المراجع:

1 - أميرة جبر: الرحالة الفرنسيون في موطن الأرز، دراسات وانطباعات عبر القرن التاسع عشر (1798-1918)، (بيروت: مؤسسة خليفة للطباعة، 1993)، ص 221.

2 - ديكسون: عرب الصحراء، (بيروت: دار الفكر المعاصر، 1996)، ص 340.

3 - باركلي رونكيير: عبر الجزيرة العربية على ظهر جمل، منصور محمد الخريجي (ترجمة)، (الرياض: مكتبة العبيكان، 1999)، ص 208.

4 - أحمد عبد الرحيم نصر: التراث الشعبي في أدب الرحلات، (الدوحة: مركز التراث الشعبي، 1995)، ص 41.

5 - ماكس فون أوبنهايم: من البحر المتوسط إلى الخليج: لبنان وسوريا، محمود كبيبو (ترجمة)، (لندن: دار الوراق للنشر المحدودة، 2008)، ص 160.

6 - تايلر: "رحلة تايلر إلى العراق"، بطرس حداد (ترجمة)، في كتاب رحالة أوروبيون في العراق، (لندن: دار الوراق للنشر المحدود، 2007)، ص 83.

7 - الليدي درور: على ضفاف دجلة والفرات، فؤاد جميل (ترجمة)، (لندن: شركة الوراق للنشر المحدودة، 2008)، ص 350.

8 - جون بولوك: الخليج، دهام موسى العطاونة (ترجمة)، (لندن: مطبوعات دهام موسى العطاونة، 1988)، ص 167.

9 - ديكسون: مرجع سابق، ص 349، 350.

10 - جوهن جاكوب هيس: بدو  وسط الجزيرة (عادات– تقاليد- حكايات وأغان)، محمود كبيبو (ترجمة)، محمد سلطان العتيبي (تقديم)، (بغداد: دار الوراق للنشر المحدودة، 2010)، 242.

11 - ماكس أوبنهايم: رحلة إلى ديار شمر  وبلاد شمال الجزيرة، محمود كبيبو (ترجمة)، (بغداد: دار الوراق للنشر، 2007)، ص 122، 123.

12 - جيمس ريموند ولستيد: رحلتي إلى بغداد في عهد الوالي داود باشا، سليم طه التكريتي (ترجمة)، (بغداد: مطبعة ثويني، 1984)، ، ص 37.

13 - جيمس ريموند ولستد: تاريخ عمان، رحلة في شبه الجزيرة العربية، عبد العزيز عبد الغني إبراهيم (ترجمة)، (بيروت: دار الساقي، 2002)، ص 194.

14 - روبن بدول: الرحالة الغربيون في الجزيرة العربية، عبد الله أدم نصيف (ترجمة)، (الرياض: المترجم، 1989)، ص 133.

15 - ليدي آن بلنت: رحلة إلى نجد مهد العشائر العربية، أحمد إيبش (ترجمة)، (دمشق: دار المدى للثقافة والنشر، 2005)، ص 321، 330.

16-  Lady Anne Blunt: Bedouin Tribes of the Euphrates, (New York: Harpers & Brothers Publisher, 1879), P.307.

17 - أحمد عبد الرحيم نصر: مرجع سابق، ص 124.

18 - يوليوس أوتينج: رحلة داخل الجزيرة العربية، سعيد بن فايز السعيد (ترجمة)، (الرياض: دارة الملك عبد العزيز، 1999)، ص 29، 30.

19 - خالد البسام: القوافل، (المنامة: مؤسسة الأيام للصحافة والنشر، 1993)، ص 37.

20 - لويس اثبيتيا دي مورس: البحث عن الحصان العربي، مأمورية إلى الشرق: تركيا.. سورية.. العراق.. فلسطين، عبد الله بن إبراهيم العمير (ترجمة)، (الرياض: دارة الملك عبد العزيز، 1428)، ص 172.

21 - ألويز موزيل: في الصحراء العربية، رحلات ومغامرات في شمال جزيرة العرب 1908-1915، عبد الإله الملاح (ترجمة)، (أبو ظبي: هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، 2010)، ص 100.

22 - هلال الحجري: "مدخل إلى أدب الرحلات في عمان، دراسة وصفية للرحالة البريطانيين 1626-1970"، مجلة نزوى، العدد 35، (يوليو 2003).


عدد القراء: 167

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-