رهين المحبسين أبي العلاء المعري ورسالة (مَلْقَى السبيل)الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2019-10-03 14:16:18

حسين أحمد المحمد

سوريا

ربما  يحدث كثيرًا, أن يطغى أثر لمؤلف على جميع ما ألف من آثار, قد أنتجتها قريحة المؤلف ذاته وهذا محصل لأثر نفيس من آثار أدبنا العربي, نقصد رسالة ملقى السبيل, لفيلسوف المعرة  أبي العلاء المعري أحمد بن عبد الله بن سليمان القضاعي التنوخي المعري، وهو الشاعر, والأديب , واللغوي, والفيلسوف العربي، اشتهر في عصر الدولة العباسية، وولد في عام 973م/363هـ في مدينة معرة النعمان الواقعة في الجهة الشمالية من سورية، ويطلق عليه لقب رهين المحبسين؛ بمعنى محبس البيت ومحبس العمى؛ لأنه اعتزل الناس بعد أن عاد من مدينة بغداد حتى مماته. لقد طغت مؤلفاته العديدة, (رسالة الغفران, وديوان سقط الزند, واللزوميات) التي عكف النقاد والدارسون على تقليبها على كل الوجوه, لدراستها علّهم يعثرون من خلالها, على موقفه من الحياة, وفلسفته, والقضايا الكبرى في حياته. لكن ما يهمنا في هذا المقال هو ما جادة به قريحة عبقري المعرة في آخر حياته, وهي رسالة (ملقى السبيل), التي  ظلت أمدًا  طويلاً قابعة على رفوف النسيان. حتى قيض الله لها العلامة, التونسي حسن حسني عبدالوهاب أحد أعلام النهضة التونسية, على الخصوص, والعربية على العموم, في اللغة, والأدب حيث  قام بتحقيقها, ونشرها, والتقديم لها, ثم زادها تعريفًا, وانتشارًا, عندما اختارها العلامة السوري  محمد كرد علي  ضمن ما انتقاه من عيون النثر العربي البليغ, في كتابه الجامع رسائل البلغاء. وحسبها أن  عارضها, الحافظ أبا ربيع الكلاعي الأندلسي بتأليف سماه (مفاوضة القلب العليل ومنابذة الأمل الطويل بطريقة المعري في ملقى السبيل), وأيضًا معارضة أبي عبد الله محمد بن أبي الخصال, وزير يوسف ابن تاشفين سلطان المرابطين فما هي هذه الرسالة؟؟

يستنتج محقق رسالة (ملقى السبيل) أن المعري قام بتأليفها في الطور الأخير من حياته, زمن  عزلته, وانقطاعه - أربعمائة وثلاثين من الهجرة تقريبًا -  وقد زهد بالدنيا لكبره, واقتراب أجله, فكأنما أراد الرجوع للمبادئ الدينية, فسلك طريق الوعظ والتمسك بالاعتقاد, وذلك من خلال آراء المعري في هذه الرسالة نثرًا, وشعرًا, والتي تخالف المعهود من سابق آرائه, في المصنفات السابقة, كالموت, والحياة, والبعث, والموقف من الأديان, وحرية العقل, فأين هو من قوله عندما كان في عنفوان الشباب:

 ضحكنا وكان الضحك منا سفاهة

                         وحق لساكن البرية أن يبكوا

يحـطـمـنـا  ريب  الزمان  كأنــنا

                        زجاج  ولكن لا يعاد له سبك !

(وقد أخذ الشارحون من هذا البيت عدم إيمان المعري بالبعث بعد الموت)

وكذلك قوله:

قــد  ترامــت  إلى  الفـسـاد  البرايا 

                                  واستوت في الضلالة الأديان

أنا  أعمى, فكيف أهدي إلى المنهج

                                   والــنــاس  كلــهــم  عـمـيــان؟

فكيف يتفق  ذلك النهج, من نهجه الجديد, الذي يذكر فيه: (وفي الآخرة يكون المجمع), وقوله: (عند الباري تكون الزلف) وهكذا..

النهج المتميز

لقد اختط المعري في هذه الرسالة, نهجًا متميزًا, لم يسبق إليه أحد .إذ اعتمد في التأليف بحسب الحروف الهجائية, بحيث يجعل لكل حرف قافية , للعظة , أو حكمةً يصوغها , في  قالبين من النثر, والشعر على التوالي, من حرف الألف, إلى الياء, لتنتهي في صنعة, شعرية, متينة السبك, محكمة الصنعة, تضم في كلماته القليلة ,عصارة حكمته, وتجربته, وموقفه من الشك والإيمان, ورحلته , بين الدنيا, والآخرة, في أسلوب, نابض بالتهكم, والسخرية.

ويستوقفنا عنوان الرسالة (ملقى السبيل ) والملقى بفتح الميم, مكان اللقاء وجمعه (ملاقي) أو هو أعلى الجبل يؤوى إليه, ويلاذ به, والملقى بضم الميم هو اللقاء في الخير, أو الشر, وهو أيضًا المكان الذي يلقى فيه الشيء, ومن الواضح أنه قصد المكان, واللواذ به, والسبيل هنا هو سبيل الرشاد. ولقد سلك الأديب الزاهد سلوك زهاد العرب في الجاهلية كقس ابن ساعدة الأيادي.

يقول المعري من قافية (الهمزة): كم يجني الرجل ويخطئ, ويعلم أن حتفه لا يخطئ

ثم نظم ذلك شعرًا فقال :

إن  الأنــام  لـــيخـطــئــون            ويغفر الله الخطيئة

 كم يبطئون عن الجميل            وما  مناياهم بطيئة

وهكذا يمضي بك في رسالته حتى وكأنك تقرأ إعلان توبته عن كل تلكم الآراء التي سببت له المتاعب الكثيرة.            

يبقى أن نؤكد أن رسالة (ملقى السبيل) - النثرية الشعرية- تفتح الباب لتعديل كثير من الأفكار المعروفة عن المعري والتي يبدو فيها المعري صوت رفض واحتجاج  أكثر منه صوت للإيمان وعودة لليقين.


عدد القراء: 133

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-