رولان بارت .. المسيرة والانشغالات المعرفية والمآلاتالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2019-10-03 14:29:29

د. مصطفى عطية جمعة

أكاديمي، وناقد أدبي

من خلال تتبع مسيرة رولان بارت النقدية، نكتشف أنه ناقدٌ أدبي، تطور وتغيّر، وتقلّب في الكثير من المناهج النقدية، بدءًا من النقد المضموني/الموضوعي، وانتهاء بما بعد البنيوية، ومرورًا بالسيميولوجيا والبنيوية. فلم يلتزم نهجًا واحدًا، ولم يثبت عند إيديولوجيا بعينها، وإنما وظف روافده المعرفية والفكرية وتطبيقاته النقدية في تطوير فكره النقدي على المستوى النظري من ناحية، وفي دعم آليات وإجراءات نهوجه التطبيقية من ناحية ثانية. فمن الخطأ نعته بمذهب نقدي ما، أو أنه غير وبدّل وانقلب (كفر) بما كان يؤمن به من قبل، في قراءتنا لتحولاته النقدية واتجاهاته المتغيرة. فهو ناقد فذ، موهوب، جعل النقد كالمرآة، يعبر بها عن تبدلاته الفكرية، وتغيّر قناعاته، وتطور أدواته البحثية التطبيقية.

فلم يكن بارت "منظرًا تجريديًا أو باحثًا منغلقًا داخل إشكالية بحثه، إذ أن حضور النص حسيًا، ولذته وفرادته، وتمرّده على الاختزالات النظرية، والتفجر المستمر لاشتغال دلالاته؛ لم يغب أبدا عن اهتمامه، فهو يعتبر نفسه قبل كل شيء كاتبًا بالمعنى الذي كان يحب أن يعطيه لهذه الكلمة وهي كتابة متحررة "(1)

لقد تعامل رولان بارت مع النصوص مباشرة، منها انطلق، وإليها رجع، لم يغرق في تنظيرات قد تتراكم فتحجب معاني النصوص، وتشغل الناقد بالانتصار للنظرية على حساب جوهر النص، وإنما نظر دومًا في النصوص، وتعمّق فيها، ومن خلال ثناياها اختبر تنظيراته أولاً، ومن ثم عدّل منهجه النقدي ثانيًا.

فمن المعلوم أن رؤية بارت النصية، تعاملت معه بوصفه نسقا، أي مجموعة الإحالات والاقتباسات وقواعد المقروئية والبناء الرمزي والمناخ الإيديولوجي فيما يطلق عليه الـ "ما سلف"؛ التي تمنح النص مظهر الانسجام والاتساق، وهو أيضًا منطلق من بنيات ونصوص أخرى، وفق منهجية التناص، التي تتسع عند بارت لتشمل كينونة النص ذاته. فيجب على الناقد المحلل البحث عن البنينة أي تلك الحركة الدائبة التي تكوّن النص وتفتحه على تفاعل مستمر مع النصوص الأخرى ومع الأنساق الثقافية. ويسمى بحركة حركة النص "الدلالية" (2).

فإذا كان النص نسيجًا يحوي الـ"ما سلف" ويتقاطع مع غيره من النصوص، فهذا يعني أنه يحتاج إلى تحليل معمق، يتخذ من "بنينة" النص هدفا وخطة من أجل الوصول إلى الدلالية النصية، وهذا يعني ببساطة أنه لا ينظر إلى الأداة المنهجية بقدر ما يتوجه إلى البحث عن المكاني الكامنة في النص آملاً الفوز بها.

فـ"بارت" يرى أن العملية النقدية إبداع في حد ذاتها، والإبداع تمرد على القوالب، وتلك قناعته التي جعلته يتنقل بين عدد من المذاهب والمنهجيات النقدية التي بدأت بمرحلة النقد السوسيولوجي، المستند إلى الثقافة السائدة في بداية الخمسينيات على الساحة الفرنسية، وهي الوجودية والماركسية المؤمنتان بالالتزام. لكن النقد كان مايزال جامعيًا "كلاسيًا" ومن هنا، محاولة بارت البحث عن تقييم نقدي جديد للكمّ المتراكم في الثقافة الفرنسية يضع في اعتباره تأصيل البعد التاريخي للحدث الاجتماعي والسياسي، وذلك بإسقاط أقنعة الشمولية عن المستجدّات الخاصة واستنباط ماوراء الكلام، عبر نشر لغة نقدية جديدة تستلهم شروطها من الوجودية والفرويدية والماركسية، وتتناقض مع الثوابت النقدية والموروث الكلاسي. وقد وضع بارت في هذه المرحلة كتابه "درجة الصفر في الكتابة" (1953م)، والذي يعتبر البيان "المانيفستو السوسيولوجي" له، لأنه يدين فيه الكتابة الكلاسية التي تجعل الكاتب منغرسًا في مجتمع سياسي خاص، مما يعني الحديث عن ممارسة الكاتب للسلطة وارتباطه بها مما يعني انغلاق الكتابة وازدواجيتها وتخليها عن النقاء المفترض في كتابة ثورية نابعة من ثوة عظيمة مثل الثورة الفرنسية، ونفس الأمر مع الكتابة الماركسية التي هي في النهاية أحادية الاتجاه، لأنها مخصصة لإقامة التناسق في رؤية فلسفية ما، وأن الهوية المعجمية لتلك الكتابة تتيح لها أن تفرض استقرار الشروح واستمرار المنهج. وهذا ما يفسر كون الكتابة الثورية الفرنسية إطنابية أما الكتابة الماركسية فهي مبتسرة ؛ فكل مفردة فيها هي إحالة إلى مفاهيم ماركسية (3). لذا، فإن بارت يدعو إلى كتابة شفافة متحررة من الهيمنة الطاغية للسلطة والفلسفة. وكانت المرحلة الثانية لبارت هي مرحلة النقد البنيوي الذي جعله يضع نفسه داخل عالم الشاعر راسين، كاشفًا عن الأبنية والعلاقات في بنية أشعاره، متخليًا عن المؤثرات الخارجية الفلسفية، مؤكد أن الهدف من البنيوية تخلص الكاتب من أهوائه وانطباعاته ومعتقداته لصالح علمية النهج النقدي(4).

ومن هنا، فإن تحوله اللافت من البنيوية إلى ما بعدها، كان تطورًا فكريًا ونقديًا شفافًا، دون تأثرات سادت في عصره، وإنما هي ناتجة عن التجريب والممارسة النقدية الدائمة: تنظيرًا وتطبيقًا، فما بعد البنيوية كانت جزءًا أصيلاً من فكره النقدي وليست دخيلة عليه، وإذا كانت هناك تشابهات فكرية بينه وبين نقاد آخرين في عصره، فهذا أمر متوقع وبدهي، فالسياق التاريخي والثقافي والاجتماعي والسياسي واحد، وحركة النقاش جادة في الساحة الثقافية الغربية عامة، والفرنسية بالأخص، ولاشك أن بارت – المتحرر في بداية حياته من الأكاديمية المغلقة، وإن تولى بعد ذلك منصب أستاذ في الكوليج دي فرانس – وقد كان جزءًا من المشهد الثقافي المحتدم في الستينيات، مع ثورة الطلاب، والحرب الباردة، وجمود مناهج نقدية مع أصحابها النقاد أنفسهم، وهو شخص لا يعرف الجمود، بل يتخذه عدوًا لدودًا له طيلة حياته، كي يكون غير مؤطر في اتجاه. فما أجمل أن يقول النظرية، ويقود المنهج، ويمارس التطبيق، ثم ينقلب إلى غيره المضاد له، لينقض ما بدأه ، بعدما استقر هذا عنه، بل ونال بارت شهرة به في الحياة الأدبية الفرنسية.

لذا، فإن البعض يفسر ما ختم به حياته بأنها مرحلة "النقد الحر" الذي تحرر فيه من المناهج النقدية التي خاض غمارها: الماركسية، الوجودية، البنيوية، النفسية، السيمائية ...، وأبدع فيها وأضاف، ومن ثم انطلق يمارس حريته في عدد من الكتب التي تتعامل مع النص بوصفه يصنع لذة في القراءة، ومع النقد بوصفه إبداعا على إبداع، فقد رأي أن السيميولوجيا تجعل النقد محصورًا بآفاق الدلالة، سعى إلى تجاوزها إلى ما يسمى "النقد الحر" الذي ينطلق فيه الناقد، كما الأديب المبدع، في إبداع نصوص قديمة جديدة توازي النصوص المنقودة (5). 

ونحن نتحفظ على مفهوم "النقد الحر"، فلابد من وجود منهجية لدى الناقد في قراءته للنصوص، لا أن يترك العنان لما يتداعى في أعماقه من خواطر وأفكار بعد قراءته للنص، فهنا سيصبح الأمر أقرب إلى النقد الانطباعي الذي تنثال كلماته في خواطر، دون وجود معايير واضحة يستند إليها الناقد. ولكن يمكن القول، إن بارت فضّل كتابة نصوص أدبية راقية، كما نرى في كتابه "شذرات من كتاب العشق"، والذي جمع فيه نصوصًا عديدة في توليفة واحدة، عنوانها العشق والوله، وقد انتقى فيها عشرات النصوص من أفلاطون إلى نيتشة ومؤلفات المتصوفة والبوذية وكتب علم النفس ومداولاته مع أصدقائه ومقاطع شعرية، بجانب إشاراته إلى لوحات تشكيلية ومقاطع موسيقية، وذلك عبر ثلاث مراحل في كتابه: الافتتان والتوله المفاجئ، ثم مرحلة الزمن السعيد، وأخيرًا مرحلة التعاسة بكل آلامها (6). وكما يشير بارت بنفسه في مقدمة الكتاب بأنه: عرض صورًا من خطاب العشق كما هي، دون تحليل أو نقد أو وصف، وأعاد لخطاب العشق شخصيته الأساسية وهي عرض النص وليس الفعل، عرض أنا العاشق كما عبر عنها وليس تحليل ما قاله العاشق، في مقابل المعشوق الذي لا يتكلم ولكنه حاضر في مخيلة القارئ(7).

ذلك أن القراءة هي عمل شهواني أيضًا، وهي حركة للرغبة، اتصال خفي بين ذات وذات، ذات العاشق وذات المعشوق وذات القارئ أيضًا، وهنا يتحول من دور الناقد ذي المنهجية التحليلية إلى الناقد الذي يبحث عن اللذة لقارئه، الذي يعيد تقديم النصوص المدهشة الباعثة على اللذة إلى قرائه، كما هي أو ضمن توليفة ما، كي يتأملها القارئ من جديد، ويشعر بمتعة ولذة استشعرها الناقد، وفضّل أن يطرح النص كما هو بدون تحليل أو وصف ، وترك للقارئ حرية التلقي.

  لذا، عدّ النقاد "شذرات من خطاب العشق" كتابًا بلاغيًا، شهد انتشارًا واسعًا، وتحول إلى عمل مسرحي، حيث رآه كثيرون مناديًا بحث القارئ في الحصول على متعة القراءة بطريقة فريدة تخصه وحده، فيقف بارت في صف القارئ، مدافعًا عن حقه في الحصول على دور فعال وخلاّق في القراءة دون وصاية نقدية (8).

وقد أشار "بارت" لمثل هذا في كتابه: "لذة النص"، حيث دعا "بأن  نفكر في حصاد دلالي هائل، سنجمع فيه كل النصوص التي حصل أن أحدثت لذة لشخص ما، بغض النظر عن مصدر هذه النصوص، وسنُظهِر هذا الجسد النصي، إنه مدونة وهذا تعبير جيد .. وإن تنفيذه تنفيذًا موجزًا، وفي عزلة، سيكون أفضل من تنفيذه تنفيذًا جماعيًا ..، وأنه من الأفضل أن نتخلى عن المرور من القيمة، التي هي أساس التأكيد، إلى القيم التي هي آثار ثقافية" (9).

وربما يكون هذا التوجه جزءًا جديدًا من عمل الناقد، يتمثل في إعادة تسليط الضوء على نصوص رائعة، طواها النسيان أو اختفت وراء تراكمات من كتابات ونصوص أخرى، فالأفضل بعثها ضمن سياقات جديدة، وترك الحرية كاملة للقارئ في مشاركة الناقد اللذة إن شاء، وإعادة التأمل فيها دون تحليل أو توجيه نقدي.

في ضوء ذلك، فمن المهم قراءة "بارت" في تطوره الفكري النقدي، لنتوقف عند أبرز المفاهيم التي انطلق منها، والفلسفات المرجعية التي اتخذها، ومن ثم تمرّد عليها أو على الأقل تجاوزها إلى غيرها من الإبداعات النقدية والأدبية. ولنا في مؤلفاته وما كتب عنه مندوحة في الاستشهاد والتحليل والتعليل؛ لناقد استطاع أن يشكل تيارا وأن يكون رافدًا في الحركة النقدية المعاصرة بتقلباتها المختلفة، وإن ظل محافظًا على تميزه، وهذا سبب لإضافاته الفكرية الدائمة.

إن بارت ناقد يأبى التصنيف، ولا يمكن بالتبعية تأطيره، فقد حرص على تطوير ذاته، عبر التعاطي الإيجابي مع المنهجيات النقدية في عصره، وأيضًا على اختبار هذه المنهجيات في دراساته ومقالاته الكثيرة، ومن ثم النظر في مدى إجابتها عن أسئلته. 

ويمكن فهم تحولات بارت المنهجية في ضوء إيمانه المطلق بحرية الكاتب المبدع من ناحية، وحرية القارئ في التفاعل الخلاق مع النص من ناحية أخرى، بجانب الانتصار للنص ودوره في بناء الدلالة، وأنه المرجع الأساس لكل من القارئ والناقد والمؤرخ الأدبي.

وجدير بالذكر أن بارت لم يشر لفظًا إلى مرحلة ما بعد البنيوية كمصطلح ومفهوم في كتاباته مطلقًا، وربما لأن وفاته جاءت مبكرة على ظهور المصطلح في أواخر الثمانينيات من القرن العشرين، عندما توازت ما بعد البنيوية مع حركات عديدة حملت اسم "ما بعد"، وعندما نضجت المناهج النقدية التي تمردت على البنيوية وبات لها أتباع عديدون مثل التفكيك والسيميولوجيا وغيرها.

 

الهوامش والإحالات:

1 - من تقديم عبدالكبير الشرقاوي، في ترجمته لكتاب: التحليل البنيوي للنصوص: تطبيقات على نصوص من الإنجيل والتوراة والقصة القصيرة "، رولان بارت، دار التكوين، دمشق، 2009م، ص5 ، 6

2 - السابق، ص14 ، 15

3 - الكتابة في درجة صفر، رولان بارت، ترجمة: د. محمد نديم خشفة، ط1، 2002م، ص29 ، وأيضًا ص32

4 - النقد الحر عند رولان بارت، محمد عزّام، مجلة الموقف الأدبي، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، العدد (350)، يونيو 2000م، ص104.

5 - السابق، ص105  ومصطلح النقد الحر من اجتهاد الباحث محمد عزام.

6 - شذرات من خطاب العشق، رولان بارت، ترجمة: د. إلهام سليم حطيط، حبيب حطيط، سلسلة إبداعات عالمية، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2001 م. انظر النص إجمالاً، وصفحات عديدة متناثرة.

7 - السابق، ص14

8 - رولان بارت: مقدمة قصيرة جدًا، جوناثان كولر، ترجمة: سامح سمير فرج، مؤسسة هنداوي للنشر، القاهرة، ط1، 2016م، ص9 ، 10.

9 - لذة النص، رولان بارت، ترجمة: منذر عياشي، مركز الإنماء الحضاري، بيروت، ط1، 1992م، ص66 ، 67


عدد القراء: 256

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-