وقفة مع كتاب «الاتـجاه البدوي في الشعر الأندلسي» للدكتورة فوزية العقيليالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2019-10-03 16:52:47

د. محمد سيف الإسلام بوفـلاقـة

كلية الآداب - جامعة عنابة - الجزائر

الكتاب: "الاتجاه البدوي في الشعر الأندلسي"

المؤلف: د. فوزية عبد الله العقيلي

الناشر: مكتبة وهبة

سنة النشر: 2012

تنطلق الباحثة الدكتورة فوزية عبد الله العقيلي في دراستها للاتجاه البدوي في الشعر الأندلسي من التأكيد على أن التيار البدوي قد اجتاح الشعر الأندلسي من أول الوجود العربي في الأندلس إلى آخره في قصور الحمراء ومعاقل الدولة النصرية، وقد اختلف تناول البداوة في الشعر الأندلسي وفقاً للشاعر ورؤيته، لا وفقًا للتقادم والبعد التاريخي أو الجغرافي عن أرض الأجداد، «فهذا العرق البدوي ظل نابضًا حيًا في قلب الشعر الأندلسي، وقد يخفت صوته، كما قد يرتفع رنينه، تبعًا للتوهج الحنيني الذي يعتمل في قلب الشاعر، فينعكس على أخيلته وصوره، فقد يطغى العنصر البدوي على الواقع الحضري، فتتكثف صور البداوة في الشعر، وتكثر التشبيهات والعناصر الصحراوية التي زخر بها الشعر الجاهلي البدوي، كما قد يحدث العكس فتتوارى الصور البدوية خلف الواقع الحضري المعيش، فتظهر البداوة كتلميحات وإشارات، وكان هذا الظهور البدوي اللافت في الشعر الأندلسي، دالاً على عمق الانتماء العربي والإعجاب بالقديم، وكيف لا يعجب الشعراء الأندلسيون بعالمهم القديم، الذي تعبق ذكراه بفطرة البدايات، فقد احتضنت البادية الشعر العربي، وفي صحرائها نما، وامتدت جذوره الضاربة في العمق» (1).

وتنبه الباحثة فوزية العقيلي إلى أن السمات البدوية-في معظم الشعر الأندلسي-ليست تقليدًا للشعر المشرقي، بقدر ما هي تعبر على التشبع بأجواء العروبة، وديارها، وقديمها، وتراثها، وثقافتها، ولغتها، فقد «كان الموروث البدوي يمد الشعر الأندلسي بأجنحة غير مرئية، تحلق به في فضاء شعري أوسع وأرحب، لأن الثقافة والموروث هما اللذان يعطيان الوقود للموهبة الشعرية، مما يسمح لها بالتوقد والتوهج، وقد كان الحنين والإلف الذي يسكن الشعر البدوي، وما تحمله معطيات البداوة البسيطة من تألق مشع يدل ولا يكشف، يجعل الشعر الأندلسي ينحاز إليها، ويختلس من توهجاتها الحميمية الدافئة، وقد كان الشعراء الأندلسيون يعتزون بتأثرهم بسابقيهم والوفاء لتراثهم، كما أشار إلى ذلك ابن خفاجة في خطبة ديوانه، عندما ذكر تأثره بشعر الرضي ومهيار الديلمي، وعبدالمحسن الصوري، والمتنبي-وما حذا حذوه وأخذ مأخذه-وهو في معظمه شعر بدوي.

والشعر كله مبني على التأثر بالقديم، والأفضلية كانت في قدرة الشاعر على أن يصوغ المعنى القديم أو المتداول صياغة جيدة، ينفخ فيها من روحه، ولا يحول دون التأثر بالسابق أو حبه، زمن أو نظر أو غيره، فقد تقصر المسافات، ويحضر المتخيل، وقد كانت الصور البدوية، والعناصر البدوية، والحياة البدوية، متغلغلة في اللاشعور الثقافي العربي لدى شعراء الأندلس.

ولذا، كانت البداوة اتجاهًا وفيضًا غزيرًا ممتدًا في معظم الشعر الأندلسي، زهي إما أن تأتي ظاهرة وحاضرة بقوة لا فتة لهذا الحضور، بعمق التوغل في الصور البدوية، وإما أن تأتي خافتة الصوت من خلال ألفاظ، أو عبارات، أو إشارات بدوية، وإما أن تأتي متداخلة تداخلاً ثريًا غنيًا في الصور الشعرية الأندلسية، يعبر فيها الشاعر عن شخصية أندلسية، كونتها البداوة، وعاش صاحبها في كنف الحضارة»(2).

وقد كان الجمع بين الموروث والمعيش حالة خاصة في الشعر الأندلسي، وهي تدل على الانتماء الوطيد إلى التليد، واستحقاقه هذا الانتماء«لأنه يدل على حياتين، ويرسم صورتين من أحوال العربي، فبينما ترى الشاعر يصبو إلى ذكر بلاده الأولى من حياته البدوية، تجده يذكر الرياض، والبساتين، والأزهار، والأنهار، والمياه الجارية، وظلال الأشجار، والنسيم العليل، والآراء العامة والخاصة، وأحوال الاجتماع والعادات، هذا العقل المزدوج من البدو والحضر ظهر فيه جمال الفطرة ونضارة الحضارة، وظهر هذا كله في الشعر»(3).

1 - النسيب البدوي:

في دراستها للنسيب البدوي رصدت الباحثة فوزية العقيلي «صورة المرأة في النسيب الأندلسي»، ورأت أن الأوصاف المادية للمرأة في النسيب الأندلسي ظلت تدور في فلك الشعر العربي الذي لا تختلف المقاييس والمعايير التي تتعلق بالجمال الأنثوي فيه عن مقاييس هذا الجمال لدى الشاعر البدوي إلا في القليل، فمواصفات الجمال البدوية القديمة ظلت ثابتة، ولم يخالف الشاعر الأندلسي في استدعائه لصور ومواصفات المرأة  سنن أسلافه من الشعراء القدماء، وقد قدمت الباحثة العقيلي مجموعة من الأشعار التي تُبرز ظهور النزعة البدوية في الشعر الأندلسي، من بينها قول ابن زيدون:

وليـلـةَ  وافَـتْــنَا  الكـثـيبَ  لموعـــد

                         كما  رِيْعَ  وسنانُ  العشيَّات خاذلُ

تهادى انسياب الأيمِ يعفُو أُثُورها

                        من الوشْيِ مرقومُ العِطافيْن ذَابلُ

فابن زيدون صاغ صورة موغلة في البداوة للمرأة، مشبهاً نظرتها بالظبية الخذول «فمما نعتوا به النظرة التشبيه الدائر بعين المهاة والغزالة الخذول، وهذا يراد به التنبيه على مكان اللطف والرقة والحنين، وعمق اللوعة عند المرأة، وزاد بأن وصفها بـ(وسنان العشيات)، وهو من الوصف الدائر بالنعاس، وهذا فيه إشعار بمناغاة الحب ودلاله، وإدلاله وتفتيره ورغباته، فجمع في وصف هذه النظرة بين الرقة واللوعة، والدلال والأنوثة.

وكلمة خذول، وهي الظبية التي تخلفت وحدها عن بقية الظبيات كلمة واقعة موقعها، لأن المحبوبة هي التي وافته مرتاعة خائفة، كما ترتاع الظبية التي تخلفت عن السّرب، وهو حين شبه مشيتها بالحية في الرمل، دل ذلك على حرص المحبوبة الزائرة على الخفاء، وعلى ألا تُرى، ففي انسيابها حذر وتستر وتكتم، وقد دل على هذا المعنى قوله (ريع)، (خاذل)، (يعفو)، وكلمة يعفو أراد بها حرصها أكثر على الخفاء، وعلى ألا تُرى، وابن زيدون جعلها طالبة، وجعلها مرتاعة، وجعلها حية، واختار تشبيه مشيها بالأيم لأن (الأيم الحيّة الذكر يشبهون به الزمام، وربما شبهوا الجارية المجدولة الخميصة الخواصر في مشيها بالأيم، لأن الحية الذكر ليس له غبب، وموضع بطنه مجدول غير متراخٍ)»(4). 

وأرجعت الباحثة العقيلي هذا الأمر إلى الاعتزاز والحنين والتوق إلى الماضي بكل ما فيه من صور وجمال رموز بدوية تؤكد التمسك بالاتجاه البدوي العربي فالشاعر الأندلسي لم يترك  مذهب أسلافه في النسيب البدوي، فوصف المرأة بصفات كثيراً ما تكررت عند قدماء الشعراء، واتخذت عناصرها من عالم البادية وصحرائها.

لاحظت الدكتورة فوزية العقيلي في متابعتها للشعر الأندلسي بروز مشاهد اقتحام الخدر، حيث تقول في هذا الشأن «نلاحظ في لوحة الشعر الأندلسي، التي يتناول فيها الشاعر صورة المرأة ووصف علاقته بها، مشاهد يصور فيها اقتحام الخدر وتجاوز الأهوال والمعشر، وكيف أتى والحي نيام ليقتنص فرصة لقاء المحبوبة، وكيف تراع منه وعليه، وما إلى ذلك من تفصيلات يقتضيها هذا المشهد، والشاعر الأندلسي يحتذي دون قصد منه، أو بقصد، طريقة البدوي في رسم هذه اللوحة، وظلالها ومغزاها أيضًا، ومن أهم عناصر هذا المشهد: أن المحبوبة ممنعة من قوم أشداء يحمونها، ويخافون عليها، ويقومون على حراستها، وهي سنة منحدرة في الشعر من قول امرئ القيس (وبيضة خدر لا يُرام خباؤها)، وقوله أيضًا (تجاوزت أحراسًا إليها ومعشرا)، وقد أخذ الشعراء الأندلسيون هذا المعنى في صورة الخدر من امرئ القيس ومن بعده من الشعراء، وأكثروا من وصف تفاصيل هذه الصورة، وبالغوا، فجعلوا دون المحبوبة أهوالاً ومهالك، كل هذا لمغزى في الشعر...

لقد وجدنا الشاعر الأندلسي، وصف ما وصفه امرؤ القيس، وبالغ، حتى جعل حول المحبوبة جيشًا جرارًا، وعتادًا وعدة، ومن وراء حراسها حراسًا آخرين، فهو هول دونه أهوال، وقد يكون منهم الصعاليك والجن الصلادم، والأهل الغيارى، يشركهم في الغيرة البرق والنجم، وقد يكونون أعداءً للشاعر مما يزيدهم غيظًا منه، هذه الصور وغيرها حشد معظمها الشاعر الأندلسي تعزيزًا منه لصورة هذه المنعة ومعناها، وهو أنه يريد أن يدل بالتالي على قدرته هو على خوض الغمرة والظفر بما يُريد» (5).

وقد تغنى الشعراء الأندلسيون بقدرتهم على خوض الغمرات لاقتحام الخدور، فظلال عمر بن أبي ربيعة تتضح في الكثير من الأشعار الأندلسية، من بينها قول ابن خفاجة:

لقد  جُبْتُ  دون  الحيَّ  كل  ثنية

                           يحُومُ  بها  نسرُ  السماء  على وكرِ

وخضتُ ظلام الليل يسودُ فحمةً

                          ودُستُ عرين اللَّيث ينظرُ عن جَمْرِ

وجئتُ ديارَ الحيِّ واللَّيل مطرقٌ

                         منمنمُ  ثوبِ الأفقٍ  بالأنجُم الزهر

كما أن وصف اقتحام الخدر لا يقتصر على مجموعة من المعاني السطحية في الشعر الأندلسي، فقد تلفي في بعض الأحيان الشاعر الأندلسي يتجاوز الأهوال، وهذا يدل على أنه لا يقتصر فقط على لقاء المحبوبة، وتخطي الصعاب من أجلها، بل يتجاوز هذا الأمر إلى «معنى قدرته على تخطي صعاب الحياة، ومواجهته كل ما فيها من أهوال، ليصل إلى هوى النفس ومناها، فأمر الشعر لا يُفسر- في معظمه-على الوجه الظاهر فقط، ولا يعني الشاعر بتصوير اقتحام الخدر انتهاك الحرمات والأعراف، ولعلنا لا نغلو إذا قلنا إن إلحاح بعض الشعراء أحيانًا على تصوير مغامراتهم، وتصوير ما يتعرضون له من أخطار في سبيل الوصول لم يكن في معظمه إلا انطلاقًا من افتخارهم   بضروب شجاعتهم، وفتوتهم، واعتزازهم بعنفوان شبابهم، أكثر منه تعبيرًا عن الخروج عن العفة، وخرق الأعراف، وهتك الحرمات»(6).

وكثيرًا ما يتغنى شعراء الأندلس بالمعاني العذرية، مثل قول ابن حمديس الصقلي:

 لا  تتَّهمني  في  الــوفـــاء  فإنني

                       كتمت سرك والدموع تذيعُه

نقل الهوى قلبي إلى عيني التي

                     منها  تفـجَّــر  بالبكا  ينبوعُهُ

أبكـيـتــني  فــأذعــــتُ  ســــــرّكِ

                   فـعـلام  تعذلني  وأنت  تذيعُه

وقد أكدت الباحثة فوزية العقيلي على ذلك الارتباط الوثيق بين شعراء الأندلس والموروث التاريخي والثقافي والعاطفي، وأشارت إلى تداخل عالم البادية الساحر، ومعاني الهوى العذري بكل ما فيه مع النفس الأندلسية الشاعرة، فتعانقا، وتلاحما في محراب عشق روحي.

2 - الوصف:

خصصت الباحثة الدكتورة فوزية العقيلي جزءًا كبيرًا من دراستها للحديث عن الوصف وتجلياته في الشعر الأندلسي، وقدمت أربعة مباحث تندرج في هذا الإطار:

فقد درست في البدء وصف الطلل، واستخلصت جملة من النتائج الهامة في بحثها عن تجليات وصف الطلل في الشعر الأندلسي فقد «تناول الشعراء الأندلسيون وصف الطلل ورموزه في قصائدهم، واستوعبوا مشاهده في خيالهم، واستخدموها في أخيلتهم، ففي هذه القصائد أدركنا أن الأطلال قناع نفسي وفني، واتخذها الشاعر تعلة ومركبًا ليطوي من خلالها مسافات الأمور التي تشغله وتؤرقه، ويسجل عليها الإحساسات التي تعاوده والمشاعر التي تراوده...، فصور الشاعر ومعاني الشاعر وطريقته، ليست محصورة في العالم الذي يعيشه جسديًا فقط، وإنما هي موجودة في العالم الذي يعيشه قراءة وفكرًا، وروحًا وتاريخًا، وامتدت هذه السنة الفنية بعناصرها الموروثة، دون أن يلتزم الشاعر الأندلسي التزامًا كاملاً فيها بجميع هذه العناصر، التي تختلف درجة ظهورها في القصيدة، وتختلف كثرتها أو قلتها في هذا الوصف، فقد يُحدِّث الشاعر الأندلسي عن الطلل البدوي حديث الجاهليين، فيكثف العناصر البدوية في الصورة، وتتوارى  معالم الحضارة، كما قد يحدِّث الشاعر الأندلسي عن الطلل البدوي حديث الأندلسيين، فتصبح الصورة  حضرية داخلتها رموز البداوة، وما إلى ذلك مما يختلف فيه الشعراء، ويختلف أيضًا عند الشاعر الواحد، تبعًا لانفعاله، وجيشان عواطفه، أو أسلوبه وطريقته، فلكل شاعر تجربته، وذكرياته، وبالتالي أسلوبه وما إلى ذلك مما جعله الله في البشر، فالتفاصيل الطللية لم تغب عن الذاكرة الشعرية العربية الأندلسية، فكان وصفها في القصيدة بمثابة حبل سري يشد الابن إلى أمه، ويعلَّق الشعر بأسبابه، وهذا الوصف بكل ما فيه دليل قوي في الشعر الأندلسي على شدة الارتباط بالجذور، فكما كان الشاعر البدوي يقف على الطلل بعد سنين وأعوام طويلة، فينكرها، ويكاد لا يعرفها، وقف الشاعر الأندلسي على الطلل البالي، أو الدار الخربة بعد زمن غير المعالم وعفى الأثر، فوجد في الطلل نفسه الماضية، وفي ذهاب معالم الدار شيخوخته ووهنه»(7)، وفي بعض الأحيان كان وقوف شعراء الأندلس وقوفاً حقيقيًا، وهذا يرجع إلى أن عددًا كبيرًا من المدن الأندلسية قد خرب، وزال، فقد كان الطلل تجسيدًا لمعاني الذهاب والزوال.

أما وصف الرحلة فقد تجلى بشكل كبير في الشعر الأندلسي، وتنوع على نحو لافت مثل: الرحلة إلى الديار الحجازية، والرحلة إلى الحج، ولزيارة قبر الرسول محمد-صلى الله عليه وسلم-، والرحلة إلى الممدوح وهي التي اتخذها الكثير من  شعراء الأندلس  تقليدًا شعريًا لبيان العناء والمشقة، ومن بينها كذلك رحلة الصاحبة التي تشتمل على صورة الظعائن في وصف الرحيل، وقد اتخذت الرحلة دلالات متعددة، و كثيرًا ما يوغل شعراء الأندلس في وصف الصحراء، حيث تجلت الصحراء في الشعر الأندلسي بأشكال متنوعة «ولم تكن الصور البدوية للصحراء-التي ترددت في الشعر الأندلسي- كلها هي ذات الصور القديمة، أو مجرد محاكاة لها فقط، فقد طرأ تغيير وتحوير-أحيانًا- في بعض عناصرها مما اقتضاه الواقع المعيش، والبيئة المختلفة للشاعر الأندلسي، فلو سلمنا بأن الصحاري واحدة، فإنه يظل الانفعال بالمشاهد المرئية أو المختزنة في الذاكرة مختلفًا، وتظل للشاعر قدرته على إلباس الصورة الشعرية من ذاته، وتحوير بعض دلالاتها وعناصرها بما يتفق مع رؤيته.

وقد وجدنا أن الشعر الأندلسي قد استوعب صور الصحراء البدوية القديمة بعناصرها الكثيرة، مع تغليب واهتمام بعناصر دون أخرى، أو تغييب لبعضها...، وقد تجسدت الصحراء في الشعر الأندلسي بأهم ما كان الشعراء البدو القدماء يصفونها به في الشعر، وما كانت عليه من حال، أو ما حفَّ بالمشهد الشعري من مبالغات، وأهم هذه العناصر هي:

- وصف سعتها وامتدادها، وصعوبة قطعها، حتى أنها يضلُّ بها الهادي.

- وصف قلة الماء والطعام التي يتعرض لها الركب وهي من المهلكات التي قد لا ينجو منها.

- وصف ظلمتها ووحشتها والأصوات التي يسمعها المدلج أو يتخيلها للوحش والجن.

- وصف الظلمة المطبقة والليل المدلهم.

- ووصف الحرّ، ووهج الشمس، ولمع السراب.

- ووصف الحيوانات فيها، من الإبل والوحش وغيرها، ووصف بعض تضاريسها من كثبان وجبال، ونباتات البادية بها»(8).

وقد درست الدكتورة فوزية العقيلي وصف الحيوان في الشعر الأندلسي، ولفت انتباهها أن صور الإبل قد انتقلت إلى الأندلس، وقد حاول الأندلسيون أن يُلموا في شعرهم بنعوت الجاهليين لها، وقد أكثروا من التبدي والتغني بالناقة، وقد جاءت في الشعر الأندلسي كدلالة على عمق التوغل في الجذور، لأن وصف الناقة في القصيدة الجاهلية كان أشد مناطقها أو أجزائها وعورة، وهو دليل كذلك على الاحتفاظ بالشخصية البدوية، وببداوة القلب والروح والفكر، وقد أسبغوا عليها صفات القوة، «ولا يكثر الشعراء الأندلسيون-غالبًا- من حشد الأوصاف البدوية للإبل في مقطوعاتهم، أو قصائدهم، فقد يأتي الوصف عندهم مجتزءًا دون إسهاب أو تقص في أبيات قليلة، أو قد يأخذ وصف الإبل مقطوعة كاملة، يقتصر فيها الشاعر على أوصاف معينة، دون استقصاء لمعظم ما في الإبل من نعوت، وشبه الشعراء الأندلسيون الناقة بعير الوحش في السرعة والنشاط وسموها (عيرانة)، وشبهوها بالجراد في السرعة، وقد كثر في الشعر الأندلسي وصف ألوان الخيل، وقد استقوا من معجم البداوة، والبيئة البدوية في وصف الخيل، كما استلهموا كثيرًا من وصفه عند امرئ القيس-شأنهم في ذلك شأن معظم الشعراء العرب-وجاءت تشبيهاتهم مستمدة من كثيرِ مما في المعلقة من تشبيهات الخيل، وصفاته، فالخيل في شعر امرئ القيس لا خيل أفضل منها، لأنه وصفها بأجمل ما تنعت به الخيول من القوة والسرعة والجمال، كما كثر التشبيه بالأسد في سياق المدح أو الفخر أو غيره»(9).

3 - المديح:

سعت الباحثة فوزية العقيلي إلى تجلية مظاهر البداوة في مقدمات المديح الأندلسية، ورصدت خصائص وسمات المديح النبوي، وتبين لها في دراستها أن الرحلة تأتي في مقدمة المدح باعتبارها «بابًا من أبواب التمدح بالذات وقدرتها على تجشم الصعوبات والأهوال، يلج منه الشاعر إلى التغني بالممدوح، وسواء اقتحم الشاعر أهوال الرحلة حقيقة أو مجازاً، وكان يطلب بها الشاعر مالاً أو منصباً وجاهاً، فإن الرحلة البدوية أصبحت-في معظم شعر المديح الأندلسي-من عناصره التي يعطي بها الشاعر لنفسه أولاً قبل الممدوح أسبابًا للطلب ويتلطف بها في اتخاذ الوسيلة المهذبة لاستحقاق الرفد، كما أنها قد تكون بما دلت عليه من فخر طريقة كريمة يجعل فيها الشاعر نفسه موازية للممدوح في الصفات التي سيخلعها عليه من شجاعة وبأس»(10).

وبالنسبة إلى المديح النبوي فقد كانت الأشواق إلى الرسول الكريم عليه أزكى الصلوات والتسليم، والشعور بالحاجة إلى فيضه الروحي باعثاً أدى إلى غزارة شعراء الأندلس في قصائد المدح النبوية، وتُرجع الدكتورة فوزية العقيلي هذا الأمر إلى البعد الذي يؤجج الأشواق، ومن أهم ما ميز المدائح النبوية: التهويم بوصف الأشواق والوجد والحب، ولواعج الهوى، وإبراز ما يُكابده العاشق العذري في شوقه إلى الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، وقد ارتقت معاني القصائد إلى أبعاد روحية سامية، وامتزجت بوصف العشق البدوي وحملت المقدمات الكثير من العناصر البدوية المتنوعة، كما اتخذ الشعراء من وصف الطلل البدوي، والرحلة البدوية، والنسيب البدوي طريقًا وصفوا من خلالها أشواقهم إلى الرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم)، كما عبروا في قصائدهم عن أملهم في مغفرة الذنوب والخطايا، «وأهم ما يميز هذه المدائح، أنها قد تخلو من مدح فعلي للرسول (صلى الله عليه وسلم)، وتكتفي بوصف المشاعر الروحية تجاهه عليه الصلاة والسلام، كما أنه يكثر فيها إضافة إلى حشد أسماء أمكنة بدوية، مخاطبةُ الحادي مما قد يكون بديلاً عن خطاب الصاحب في المقدمة الطللية الجاهلية، ووصف الانتشاء الروحي، وتوجيه النسيب لغاية أسمى من عذريته المعروفة، ووصف الرحلة وصفاً يبعد بها عن الأوصاب والمخاوف.

فجاءت الرحلة مجللة بالروحانية، والنورانية، والعواطف السامية، التي تجعلها رحلة أرواح مشتاقة إلى الخير والإيمان والنور الذي يمثله الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وقد كثرت هذه المدائح في الأندلس، مع تزايد الخطر النصراني، وجاءت في هذا الشعر على صورة توق بدوية لعام طاهر صافٍ نقي، كان في الرسول (صلى الله عليه وسلم)،- الذي قُدر على يديه الخروج من الظلمات إلى النور-خلاص أهله، وأراد الشعراء الأندلسيون بهذا المديح له عليه الصلاة والسلام، أن ينشدوا منه نوراً روحانياً هادياً، يعود بهم إلى صفاء البدايات»(11).

 4 - الصورة الشعرية:

ركزت الباحثة الدكتورة فوزية العقيلي على تحديد مصادر الصورة البدوية في الشعر الأندلسي، وأوضحت أنها استمدت من جملة من المصادر من بينها العادات والتقاليد والشمائل العربية،ومما يدل على عمق التأثر بالبداوة في الأندلس ارتباط شعراء الأندلس بأخلاق البداوة والشمائل الكريمة، مثل (شب نيران القرى) للضيوف في البادية، حتى يراها المرتحلون فيطعمهم المضيف، ويهتم بهم، ويُحسن ضيافتهم، وهذا الأمر معروف لدى العرب، وهم يفخرون به،

وكثيرًا ما كان يمدح في الشعر الأندلسي بشب نار القرى في البوادي، وقد ترددت في الشعر الأندلسي رغم خلو البيئة من هذه الصفة الغالبة في الصحراء، كما استلهم شعراء الأندلس صورهم من المعتقدات والعادات البدوية والأخلاق العربية «وعلى موروثات اعتقادية قديمة كان توظيفها في الصورة يخدم السياق والغرض المراد، ودل تداخلها في هذا الشعر على عمق التأثر الأندلسي بالموروث البدوي القديم، ومن أهم مصادر الصورة في الشعر الأندلسي الموروث الشعري الجاهلي والبدوي القديم، الذي استلهم منه الشعراء الأندلسيون كثيراً، وتداولوا معانيه، ونهلوا من أخيلته وصوره وصيغه، مما كان ظاهراً في وجود مواضيع تناولها الشعر الأندلسي، ولم تكن تحظى بها-غالبًا-البيئة الأندلسية، من وصف الصحراء ومهالكها، وما يتعرض له الركب المرتحلون في مجاهلها من مشاق وأخطار، ووصف الأطلال والوقوف عليها، ووصف الإبل والظعائن والحمول، ومشهد تقويض الخيام...وغيرها.

وكان ظاهرًا هذا التأثر أيضًا في وجود عناصر صحراوية كثيرة، تداخلت في الخيال الشعري الأندلسي، فظهرت من خلال الصور في سياقات متعددة...، ومن المصادر الكثيرة للصورة الشعرية في الأندلس، الموروث التاريخي القديم، فقد استلهم الشعراء الأندلسيون في شعرهم-شأن غيرهم من الشعراء-من تاريخ الأمم البائدة»(12).

 

الهوامش:

(1) د. فوزية عبد الله العقيلي: الاتجاه البدوي في الشعر الأندلسي، مكتبة وهبة، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى،1433هـ/2012م، ص: 8-9.

(2) د.فوزية عبدالله العقيلي: الاتجاه البدوي في الشعر الأندلسي، ص:13 و14 و18.

(3) د. أحمد ضيف: بلاغة العرب في الأندلس، ص:48.

(4) د.فوزية عبدالله العقيلي: الاتجاه البدوي في الشعر الأندلسي، ص:45.

(5) المرجع نفسه، ص:81.

(6) المرجع نفسه، ص:97.

(7) المرجع نفسه، ص:244 و270.

(8) المرجع نفسه، ص:357.

(9) المرجع نفسه، ص:400،و466.

(10) المرجع نفسه، ص:632 و660 و665.

(11) المرجع نفسه، ص:703.

(12) المرجع نفسه، ص: 759.


عدد القراء: 68

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-