قراءة في رواية (قيامة البتول الأخيرة)الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2019-10-03 17:11:01

د. داليا حمامي

الولايات المتحدة الأمريكية

الكتاب: "قيامة البتول الأخيرة (الأناشيد السرية)" 

المؤلف:  زياد كمال حمامي

الناشر: دار نون 4 للنشر والتوزيع

عدد الصفحات: 376 صفحة

تاريخ النشر: كانون الأول/ديسمبر 2018

 

كيف تعرف أنك تقرأ رواية عظيمة؟

 عندما لا تتوقف عن التفكير في أحداثها خلال يومك.. عندما تسرق لحظات قليلة وأنت في قمة انشغالك لتعاود قراءتها، أو حتى تسهر لوقت متأخر لأنك لا تطيق فراقها.. فكيف إذا أضفنا لذلك لغة جميلة مميزة، وشخصيات متنوعة موصوفة بحرفية عالية، تجعلها تنبض أمامك بالحياة؟

 هي رواية (قيامة البتول الأخيرة) للكاتب زياد كمال حمامي، من الروايات القليلة التي اكتملت فيها كل العناصر، ضمن نص محبوك بإتقان ووعي ومعرفة تامة لكل خط من خطوطه دون أن يفلت من يد الكاتب أي منها، ودون أن يغفل عن مصير كل شخصية من الشخصيات رغم تنوعها.

العنوان جذاب وذكي.. يعبّر عن محتوى الرواية بشكل لائق وصريح، كما يرمز في نفس الوقت لعدة صور تُفهم رمزيتها من خلال النص، الذي يأخذنا لقلب حي البندرة في مدينة حلب في زمن الأحداث الأخيرة في سوريا، ويطوف بنا عبر أزقة الحارة وشخوصها المتعددة، من خلال لوحات متتالية، عبّرت بريشة الخبير، عن كل ما يمكن أن يخطر ببالنا من شخصيات تتواجد في أي حارة: الفنان، خريج كلية الشريعة، حارس المتحف، صانع الدمى، الحميماتي، صانع الأحذية، الشاذ مغتصب الجثث، المقامر المهرّب، الكوّى وصانع الخيزران، وكذلك العرّافة وآنسة تجويد وتحفيظ القرآن، ست الكل، أم القطط وشقيقتها العمياء صاحبة البصيرة النافذة، بينهم المسلم والمسيحي واليهودي، والوطني والخائن، ضمن قالب قصصي مميز وصور متواصلة تحرك الخيال بمتعة دون توقف.

الرواية مقسمة لعدة فصول وكل فصل لعدة مقاطع، يتنوع السرد فيها بين تقنية الراوي الخارجي مما يمنحنا الفرصة كي نتعرف أكثر على تفاصيل كل شخصية من الشخصيات خارجيًا وعضويًا، وتقنية الراوي على لسان الشخصية ذاتها لنستمتع بالحوار الداخلي الذي جاء بالشكل اللازم والكافي دون أي حشو أو ملل، ومناسبًا لثقافة ونفسية كل شخصية.. أذكر هنا تساؤلات "يحيى" الشاب المتخرج من كلية الشريعة وقت إصابته البليغة وحواره مع نفسه:

«إني أسائل النبيين والصديقين والشهداء وأسألك يا أبي: لماذا بُعثوا إلينا وكأنهم لم يبعثوا؟ ألا توافقني أن الحياة معجزة؟ حلمي صغير جدًّا يا أبي.. أن أعيش بلا قهر، بلا زيف، بلا خداع.. ماذا تبقى لنا يا أبي بعد اغتصاب حبيبتي "البتول" والقلب من بعدها صار رمادًا يثرى بين الخرائب و القبور؟».

لكن لا يخلو السرد من استخدام الأضداد وروح الفكاهة السوداء التي أضافت بعدًا آخر للنص.. أذكر هذه الأمثلة: «مدير شؤون الأملاك الفنية والمجاري، مدير الجمعيات السكنية والأغنام، مدير الآليات والحمير والحدائق العامة، تظن نفسها بنت بيك وتتناسى أنها امرأة ولدت في عائلة تمتهن الشحادة أبًا عن جد».

فنجد هذه الكوميديا السوداء تسطع بين المقاطع الدرامية، لتسرق من القارئ ابتسامة سخرية رغمًا عنه، و رغمًا عن الوصف المأساوي لدمار المباني والمحلات وتناثر الجثث المشوهة للأبرياء في كل مكان:

«اتفق الأدباء والشعراء والنقاد في تلك الجلسة الظريفة، على أن الثلاجة مهمة جدًّا في حياتنا العربية، إذ أنه يمكننا أن نحتفظ بانتصاراتنا المذهلة، وفتوحاتنا المدهشة، وباللحظات السعيدة، حتى لو كانت قليلة جدًّا، قبل أن تصبح ذكرى ماضية، فالثلاجة عالم غير متغير، ومجلس أممي غير متنافر، تتوحد فيه المصالح بالأكل التقسيمي العادل بعد الجوع، فلا حياة مستقلة بدون ثلاجة ولا مساواة، ولا عدالة، ولا حرية بدون ثلاجة، و قد أصبحت القضية مهمة، إذ يجب النضال من أجل الاحتفاظ بثلاجاتنا الوطنية والقومية، كما يجب حماية ذاكرتنا المهترئة، الفوضوية ووضعها في الثلاجة كي لا يصيبها الفساد، ولا يعتدي عليها الفطريون الفاسدون، عملاء الاستعمار، والامبريالية العالمية».

اللغة بسيطة راقية بدون تكلف أو تصنع بمفردات جذابة تشد القارئ.. أقتبس من الرواية هذه الأمثلة:

«الفارق بيننا وبين الدمى أننا نملك أرواحًا مكسورة، وهي بلا روح... ولكننا معًا بلا حياة». 

«فيما انتعشت الكلاب الضالة والقطط والجرذان و ديدان الأرض لروائح الموت المتوزعة في المدينة كلها، حيث وَجدت هذه المخلوقات ضالتها في تآكل اللحم الآدمي مشويًا دسمًا، و بالطبع هي لا تفرق بين طوائف اللحم والعظم، ولا يعني لها أبدًا من لحم أي مذهب تأكل، فكل اللحوم عندها لذيذة بعد مواسم الجوع الماضية، وها هي ذي تبتهج أن أحدًا لن يستطيع بعد اليوم أن يرشها بالسموم الكيماوية ويرديها على الأرض شهيدة الجوع والتشرد، ها هي ذي تسترد حقوقها المغتصبة على صحن من حرب لن تتوقف قريبًا».

وهنا.. تكاد الكلمات تشعرك برائحة الغبار وملمس الكتاب وترسم في خيالك صورة الأرشيف الضخم الخاص بالفلسطيني "أبو الرمز" والذي جمعه من قصاصات الجرائد طوال سنين حياته:

«ينفض أبو الرمز الغباريات الصغيرة الخفية عن وجوه الكتب الصفراء، يحس بملامسها النافرة غير المرئية، المؤثرة في تناسق ألوان الجلد والحروف... يفتح الأرشيف، ينفخ عليه نسمات من روحه... تتطاير بيادق الغباريات، تبتعد هاربة من أنفاسه اللاهبة، حينئذ يدرك أن الورق ما زال نابضًا بما يحويه من صور وحروف، موثقة في الأرشيف الجليل».

الرواية غنية بالحبكات الجانبية، أما حبكتها الرئيسية فقد ابتدأ بها الكاتب، وهي حادثة الاغتصاب الوحشي لبنت الحارة الجميلة "البتول" وانتحارها المأساوي، ليُفتح الباب أمام تداعيات في منتهى الخطورة والتعقيد خلف هذه الحادثة، ويتضح أنها لم تكن عَرَضية وإنما مقصودة من قبل جهة لا تخطر على البال، بهدف الانتقام وتمهيد الطرق أمام عمليات أخطر وأدق، ليعود بنا إلى ما سبق هذه الحادثة تارة، و إلى ما تلاها خلال 48 ساعة تارة أخرى، مما زاد من مستوى التشويق والغموض، الذي يجبر القارئ على التمهل والعودة لمقاطع سابقة لفهم أفضل للأحداث ولرمزية بعضها كذلك.. فالكاتب اعتمد على عدم المباشرة في السرد ليمنح خيال القارئ الفرصة للاستنتاج، ولذكائه الحيز الكافي  لمعرفة ما هو مراده.

أذكر هذا المثال:

«كل شيء يتناسل دوائر حمراء بلون الدم.. كل دائرة في ناظريه تتحول إلى ألف زوبعة، وألف دمعة، وألف دائرة، وألف علم يرفع، وألف نشيد يُصدح، وألف شعار يُنبح، والدائرة ما زالت تدور وتدور».

كما يلاحظ في أكثر من مقطع الاطلاع الواسع للكاتب على نفسية المجتمع وطرق تفكير رجاله على اختلاف ثقافاتهم، وتلميحات نسائه لإيصال حقيقة معاناتهن وما يعتمل في قلوبهن من أسى..

«أما نوفا البدوية تلك الشابة التي اشتراها المقامر أبو جمرة وتزوجها حين كانت صبية قاصر، فقد هتفت من أعماق قلبها: زواج القاصرات اغتصاب وليس حلالاً.

في حين تشتكي حميدة زوجة أبو رجب الفران: رجالنا البخلاء يريدوننا لهم جاريات لا سيدات بيت أو شريكات حياة.

و تهتف زوجة أبو الروض بائع وصانع الخيزران: رجالنا الأشاوس يضربوننا عندما يشاؤون أو يغضبون».

النهاية تصاعدية تدريجية وواقعية، تختتم العمل بجمالية فائقة دون بتر فجائي أو إعطاء توقعات عن نهاية الحرب في سوريا.. بل توضح لنا نهاية كل قصة من القصص بعيدًا عن التنظير واللامنطق.

المؤلف:

زياد كمال حمامي قاص وروائي سوري، وهو عضو اتحاد الكتاب العرب/ جمعية القصة والرواية، حاز على الجائزة الأولى للرواية العربية ضمن جوائز الإبداع الفكري والأدبي العربي ولدورتين متتاليتين في القاهرة عام 1993 والكويت عام 1994 عن روايته الظهور الأخير للجد العظيم.

حاز على عدد من جوائز القصة القصيرة منها الجائزة الأولى لاتحاد الكتاب العرب عن قصته مجدل شمس عام 1982 وقصته الباهيني عام 1983.

من مؤلفاته:

- سوق الغزل (قصص، 1987)

 - احتراق الحرف الأخير (قصص، 1989)

- سجن العصافير (قصص، 1994)

- الظهور الأخير للجدّ العظيم (رواية، 1995)

 كلام... ما لا... يستطيع الكلام (قصص، 2011)

نعش واحد وملايين الأموات (رواية، 2012)


عدد القراء: 378

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-