الأزمـة والرّؤيـة في روايـة (المتشائل) لإميل حبيبيالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2019-10-03 20:15:07

د. سناء الشّعلان

الأردن

الكتاب: "المتشائل، الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل"

المؤلف: إميل حبيبي

الناشر: دار ابن خلدون

تاريخ النشر: 1-1-1980

عدد الصفحات: 240 صفحة .

نستطيع القول إنّ رواية (الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبيّ النّحس المتشائل) للرّوائي الفلسطيني إميل حبيبي قد كانت أداة تعبيره عن أزمته وأزمة عصره، وفضح معطيات واقعه وتساقط الكثير من رموزه، وترك بصمة غضبه وسخطه في سجل الإبداع؛ وقد انطلق من أزمته الخاص، واستعار شخصيّة (سعيد المتشائل)، ثم يسكب أزمته فيه، بعد أن قرّر(سعيد) أن يخوض معركة دونكشوتيّة فاشلة مع أوهامه التي تفترض أنّ من الممكن للفلسطينيّ أن يعيش مواطناً آمنًا ومحترمًا وكريمًا في دولة الكيان الصّهيوني، لقد خاض مغامرات طويلة في هذا الشأن، ثم خلص إلى أنّه مخدوع كبير، وعليه أن يؤمن أنّ الطريق الوحيد للفلسطينيّ هو طريق الكفاح المسلّح لأجل تحرير وطنه فلسطين من كلّ غاصب.

فـ(إميل حبيبي) في روايته التي كتبها في حيفا عام 1974 يتصدّى للفترة الزّمنية من 1948-1972 من عمر القضية الفلسطينيّة، وقد صوّر في روايته حياة الفلسطينيين على مدى عشرين عامًا في ظلّ الاحتلال الإسرائيلي. وهي تمثّل وثيقة اجتماعيّة تاريخيّة تسرد قصّة شعب أُقتلع من وطنه، لتغدو هذه الرّواية ملحمة فلسطينيّة. وهي تتكونّ من ثلاثة كتب تقع في مجلد واحد.

فهذه الرّواية تغطي فترة عشرين سنة من القضيّة الفلسطينيّة، وحربين تاريخيتين هما: حرب عام 1948، وحرب عام 1967، وتستعرض حياة العرب الفلسطينيين الذين ظلوا تحت حكم إسرائيل بعد الهجرة القسريّة الجماعيّة التي تلت هاتين الحربين. و(إميل حبيبي) يلجأ إلى شخصية (سعيد) الفارس المنكود المتغابي الواهم كي يضعنا أمام حوادث التاريخ المعاصر، ويقدم لنا بدقة بعض التّفصيلات عن وضع العرب الصعب وما يلاقونه من مهانة في ظل الاحتلال الصّهيونيّ، وعن نضال العرب لمجابهة هذا الاحتلال.

وقد اختار (إميل حبيبي) أن يحمل بطل روايته اسمًا طريفًا وغريبًا؛ إذ يسميّه (سعيد) المتشائل، وهو يقوم برحلة طويلة ومؤلمة من داخل فلسطين إلى لبنان بعد احتلال فلسطين من قبل اليهود عام 1984، ثم يعود إليها مواطنًا من الدّرجة الثانية في دولة الكيان الصّهيوني، وهناك يعمل في وظيفة ولاء لعدوّه على أمل أن يصبح جزءًا من جسد هذا العدوّ، ولكنّه يخفق في ذلك على الرّغم من إخلاصه الشّديد لهم.

لقد اختار (سعيد) الفارس المتغابي المعروف بذعره وحماقته كي يندمج في مجتمع الكيان الصّهيوني، ولقد ذاق الذّل في سبيل ذلك، إلى أن دخل المعتقل الصّهيوني بعد عام 1967 بسبب خطأ اقترفه، وكان دوره عندئذ أن يتابع لعب دور الجاسوسيّة على أبناء شعبه من المقاتلين داخل المعتقل، ولكنّه هناك التقى بأحد مقاتلي المقاومة الفلسطينيّة، وهذا اللّقاء قلب حياة (سعيد) وشخصيته ومواقفه وأفكاره.

وبعد خروجه من السّجن يجد نفسه غير قادر على التّعاون مع الأعداء، فيدخل المعتقل الإسرائيليّ مرارًا حيث يُهان ويعذّب، وفي نهاية المطاف يعجز عن الالتحاق بالمقاومة الفلسطينيّة، ويجد نفسه في مأزق لا حلّ له، وهو الجلوس فوق خازوق.

لقد سخر (إميل حبيبي) في رواية من حقبة كاملة، ومن كلّ من أراد أن يسخر منه. وحين سئل عن السّخرية في الأدب؟ أجاب "ما من أدب عريق لأمة عريقة خلا من السّخرية، وحين سُئل ممن يسخر، أجاب إنّه يسخر من الدّولة العبريّة، من الظّالمين فيها، فحين لا يقوى على الحصول على سلاح يوازي سلاح الآخر، فثمة سلاح السّخرية الذي يقول للظّالم إنّه بغيه يرديه، وإنّ الضّعيف يمكن أن يجابه عدوه بهذا السّلاح. وأجاب إميل إنّه يسخر أيضًا من أبناء شعبه الذين لهم من العيوب ما لهم، وهو يأمل بسخريته أن يعالج هذه العيوب وتلك الآفات".(1)

رواية (المتشائل) قد استطاعت أن تكون جنساً أدبيّاً ديموقراطيًّا، وهي بذلك تبحث عن واقع آخر خلف الذي تعيشه، إنّها باختصار ترفض الواقع، وتهزأ منه، وترسم العالم الواقع الحاضر وهي تشير إلى عالم آخر منشود، وبذلك تكرّس ديموقراطيّة الرّواية عندما "ترى الواقع المعيش واقعًا آخر، وترى الواقع المعيش متبدّلاً متحوّلاً قابلاً للاستبدال لآخر... حيث أنّ الرّوائي يعلّم شخصياته، ويتعلّم منها، ويضع على لسانها كلامًا أراده وتلقّنه كلامًا مغايرًا حين تشاء"(2). لقد كانت السّخرية عند (إميل حبيبي) هي طريقته كي يحمي ذاته الهشّة، وهي أداته للتّعبير عن مأساة لا تستطيع الذّاكرة احتمال تفاصيلها(3).

وهكذا نرى أن (المتشائل) هو درس في النّضال صاغه (إميل حبيبي) في شكل جديد فرضته رؤيته الخاصّة، فهو يحاول تأريخ قضيّة شعبه عبر مراحل القضية وتشابكها، ويضع يده على مادة وافرة من حياة الجماهير الفلسطينيةّ المثقلة بالجراح والنّكبات. وفي مجمل ما نقرأه في (المتشائل) يقف المغزى المهم الذي يدعونا للبحث عن ذواتنا واكتشاف القدرات الكامنة فيها، مع ضرورة المراجعة الواسعة مع الذّات والحوار الطّويل مع النّفس في محاولة لاستيعاب ما حدث وتفحص وترقّب لما سيحدث(4).

وفي ذلك يقول (إميل حبيبي) في لقاء صحفي معه: "إنني لا أستطيع أن أتخلّص من ماضي السّياسة. والسّبب الأساسي الثّاني، هو أنّني أقنع نفسي بأنّني أعالج سياسة طالما حلمت بها. وأشعر بمسؤوليتي الشّخصيّة عن مستقبل هذه السّياسة. يعني لما جاءت السّياسة التي حلمت بها – أتخلى عنها؟! أنا مش عارف !! أنا عمومًا لا ألتجئ إلى العمل الأدبي إلا حين أشعر بالاختناق"(5)

إنّ "تمحور هذا البعد الموقفي لهذه الرّواية حول صورة الشّعب الفلسطيني داخل الأرض المحتلة في مواجهة الأعداء إضافة إلى محاولة الكاتب جمع تاريخ فلسطين داخل حزمة واحدة ليؤكّد على تواصل الزّمن التّاريخي لهذه الأرض، ويؤكّد على ذاته المتأصّلة من جهة أخرى"(6).

(إميل حبيبي) يبدأ روايته عنوان جانب وتمهيد يسميّه الكتاب الأوّل، ويعقده تحت عنوان (يُعاد)، فالعنوان الجانبي قبل التّمهيد يسميّه (مسك الختام)، وهو ينقل عبره مقطوعة شعريّة لسميح القاسم، وهو يختم هذا العنوان بقول الشّاعر: "اخلعوا ثياب نومكم، واكتبوا إلى أنفسكم، رسائلكم التي تشتهون"(7). وهو عبر هذه المقطوعة يقدّم عتبة سيميائيّة تقودنا إلى أن نقول إنّ (إميل حبيبي) يعترف ضدّ نفسه، وهو اعتراف زائف يريد أن يدين عصرًا كاملاً، ويفضح معاناة الشّعب الفلسطيني في محنة احتلال وطنه؛ فهو يعترف بخطيئته، ويلصقها بنفسه ظاهريًّا، ولكنّه حقيقة يريد أن يسقطها على الآخر؛ فعتبة الرّواية عنده ماهي إلا تصريح بهدف الرّواية، وهو سبّ كلّ خائن، وتجريمه، وتعريته أمام العصر.

 كما أنّ (أميل حبيبي) يستدعي في روايته المرأة لتقوم بدورها الوطني المأمول والحيوي والمهم والأساسي، وهو الدّفاع عن فلسطين، وتربية الأبناء وشحن الأزواج في سبيل تحرير الوطن مهما غلا الثّمن. ولذلك كانت الحبيبة في روايته هي امرأة الحقيقة التي تعيش في التّاريخ والوجدان وفي قلب الصّراع، وتنتصر على الألم والحزن والاستبداد، وترفص أن تسقط في الوهم والاستلاب والأحلام كما حدث مع (سعيد المتشائل)، بل كانت المنتصرة والقويّة في هذه الرّواية.

فــ(إميل حبيبي) يستدعي في روايته ثلاث حبيبات، وقد سمّى كلّ واحد من الأجزاء الثّلاثة من روايته باسم واحدة من تلكم الحبيبات، وهذا الاختيار لم يأتِ عبثاً؛"فيُعاد الحفاويّة(8) تمثّل المرحلة السّابقة على النّكبة الفلسطينية عام 1984، أمّا باقية الطّنطوريّة(9)، فتمثّل روح المقاومة والتشبّث بالأرض والهويّة العربيّة في وجه محاولات الاقتلاع والتّرحيل بعد النّكبة حتى وقوع بقية الأراضي الفلسطينيّة في الأسر مع هزيمة عام 1967، أمّا يُعاد الثانية، ابنة يُعاد الأولى، فإنّها تجسّد المرحلة الجديدة من الوعي الفلسطيني الذي تبلور بعد نكسة عام 1967، وانطلاق الثّورة الفلسطينيّة".(10)

والحبيبات الثّلاث ناضلن ضدّ العدو الصّهيوني، ورفضن أن يستسلمن له مثلما فعل (سعيد)، ورفضن فكرة الذّوبان في الكيان الصّهيوني، ودعين إلى فكرة واحدة، وهي الكفاح المسلّح لتحرير الوطن، وكان لهنّ دور نضالي وفعل ثوري، وحملن عبء قضيتهنّ، وشاركن بالدّفاع عن وطنهنّ، وحرضن على ذلك. لقد انطلق (إميل) في تصويرهن من اتّجاه واضح عند الكتّاب الفلسطينيين الذين غالبًا ما ينظرون إلى المرأة الثّورة نظرة تقدير واحترام لأنّها ثائرة أكثر من الثّورة(11).

فإن كان الرّجل العربيّ ثائرًا على الاحتلال، وما يمثّله من قهر قوميّ وعلى علاقات الإنتاج، وما يمثّله من قهر اقتصادي واجتماعي، فالمرأة العربيّة(الفلسطينيّة) ثائرة مثله على القهرين كليهما، كما أنّها ثائرة على واقعها الاجتماعي الذي يكبّلها، وثائرة على أنوثتها التّقليديّة وعلى ما تتمتّع به المرأة العربيّة عادة من حياة رغدة كسولة"(12). وكانت هذه الثّورة تُرسم ضمن صحة وصدق من التّفاصيل التي تحيط بالشّخصيات النّسويّة(13).

"أمّا الدّور الذي تجلى للمرأة في هذه الرّواية، فأقلّ ما يقالُ فيه أنه خرقٌ للمألوف والسّائدِ في تصوير المرأة في الأدب، فهي - هنا - تضطلع بدور غير هامشيّ، فعلى خلاف العادة هي التي تحاول إنقاذ الرّجل البطل من محنته، وهي التي تحاولُ اكتشاف الكنز، وتزويد المقاوم بالسّلاح، وهي التي ترفعُ رايَة الصّمود والعصيان في وجه الاحتلال والجلادين. وتتخطّى في ذهابها وقدومِها ما هو ممْكن، وتتجشّمُ ما لا يُمكن، مؤكّدة بذلك أنّ البنية الظاهرة في الرّواية تخفي وراءَها بنية أخرى، فالجيل المهزوم المتهاوي لا يحولُ دونَ أن ينبثق منه جيلٌ آخر يقولُ للنكبةِ وللنكسة: لا، وللأعداء أنْ يقفوا حيث هم، فقد كسَرَ حاجز الخوف، وولى زمن العملاء إلى غير رجعة"(14)

نستطيع القول إنّ المرأة الحبيبة عند (إميل حبيبي) كانت صوت الحقيقة وصوت الضّمير ومؤشّر بوصلة الدّرب الصحيح، ولكن (سعيد) صمّم على أن يعيش أوهام العشق، وأن يتخيّل نفسه فارس قصّة عشق كبيرة، وأن عليه أن ينذر لحبيبته بطولاته المزعومة التي لم تكن إلاّ سقوطاً خلف سقوط.

 

الإحالات والمراجع:

1 - عادل الأسطة: كافر سبت، المنتدى التنويري الثّقافي الفلسطينيّ، عدد 28/أغسطس/2012، الرابط:

http://www.tanwer.org/tanwer/news/2031.html

2 - فيصل درّاج: أثر دون كيخوته في الأدب، صحيفة الحياة اللندنية،بريطانيا،لندن،27/7/2007.

3 - صقر أبو فخر: إميل حبيبي: انشطار الهوية وقلق المبدع، موقع صوت الذين لا صوت لهم، كانون الثاني 2013 الرابط:

http://palestine.assafir.com/Article.aspx?ArticleID=2440

4 - حبيب بولس: إضافات اميل حبيبي للجانر القصصي، موقع رابطة أدباء الشّام، الرابط:

http://www.odabasham.net/show.php?sid=37420

5 - مشارف الحيفاويّة، حيفا، فلسطين، العدد 9، حزيران 1996، ص23.

6 - سعيد محمد الفيومي: جدلية الأنا والآخر في رواية المتشائل أنموذجًا، مجلة الجامعة الإسلاميّة،المجلد19،العدد1 ،2011،ص868

7 - إميل حبيبي: الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النّحس المتشائل،ص7.

8 - حيفا: مدينة ساحليّة فلسطينيّة، تقع على ساحل البحر الأبيض المتوسّط.

9 - الطنطورة: قرية فلسطينيّة تقع جنوب مدينة حيفا. وقد قامت المنظّمات الصّهيونيّة المسلّحة بهدم القرية وتشريد أهلها في عام 1948.

10 - وفاء زيادي: المرأة الفلسطينية بين اللجوء والعودة في رواية الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل لـ(إميل حبيبي)، ط1، مركز بديل،بيت لحم، فلسطين،2011، ص19.

11 - حسان الشامي: المرأة في الرّواية الفلسطينيّة 1965-1985،ط1، اتحاد الكتّاب العرب، سوريا، دمشق،1998، ص191.

12 - أحمد أبو مطر: الرّواية العربيّة في الأدب الفلسطينيّ 1950-1975، ط1، المؤسّسة العربيّة للدّراسات، لبنان، بيروت،1980، ص386.

13 - ماجدو حمودة: المرأة في روايات سحر خليفة، المعرفة، ع373،1994، سوريا، دمشق، ص196.

14 - إبراهيم خليل: رائعة (إميل حبيبي) "الوقائع الغريبة" في ضوء التحليل الثقافي، موقع قاب قوسين،12/5/2011:الرّابط: www.qabaqaosayn.com


عدد القراء: 50

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-