«خداع بصري» يستكشف فلسفة ماغريت

نشر بتاريخ: 2016-09-26

فكر – الرياض:

في كتابه "ماغريت" الذي صدر عام 1983، يُلخّص الشاعر والروائي الفرنسي، برنارد نويل (1930)، تجربة رينيه ماغريت (1898 - 1967)، بالقول إن "كلّ لوحة من لوحاته هي فكرة"، في إشارةٍ إلى مزاوجة الرسّام البلجيكي بين جمالية العمل الفنّي، وعمق الفكرة الفلسفية في لوحاته التشكيلية.

في "متحف جورج بومبيدو" الباريسي، انطلق، في الواحد والعشرين من أيلول/ سبتمبر الجاري، معرض استعادي لأعمل ماغريت يستمرُّ حتى كانون الثاني/ يناير من العام المقبل. ومع أنها ليست المرّة الأولى التي تُعرض فيها أعمالُه في العاصمة الفرنسية، فإن المعرض يحاول تقديمها بطريقة مختلفة تستجيب للفكرة وتعتمد على إبراز الجانب الفلسفي في شخصية ماغريت ولوحاته، من خلال عرضها وفق موضوعاتها، ما يتيح قراءة عالمه وحضور المسألة الفلسفية فيه، وليس باعتبار ترتيبها الزمني الذي يقدّمها كوحدات منفصلة.

ماغريت، الذي يُعرف كأحد أعمدة التيار السوريالي، وبعد أن قدّم أولى معارضه في بروكسل عام 1927 والذي بدا متأثّراً في أعماله بالفنان الإيطالي جورجيو دو شيريكو (1888 - 1978)، سافر إلى باريس، حيث جمعته صداقة مع الشاعرين السورياليين بول إيلوار وأندريه بورتون، غير أن أعماله أخدت، لاحقاً، مسافةً عن السوريالية، لتتّجه أكثر إلى الاشتغال على الكلمة وزيف الصورة.

يحمل المعرض عنوان "خداع بصري" الذي يُحيل إلى زيف الصورة، نسبة إلى واحدة من أبرز أعماله الفنية وأكثرها رواجاً؛ "خيانة الصور" (1928/1929)، والتي تجسّد غليوناً بشكل واقعي يقترب من التصوير الفوتوغرافي، كُتب أسفلها "هذا ليس غليوناً".

لا شكّ أن مشاهدة اللوحة، للوهلة الأولى، ثمّ قراءة العبارة، ستجعل المتلقّي يقلّب بصرهُ بحثاً عن تفسير، والأرجح أنه سيبحث عن معنىً آخر، أو صورة أخرى يعتقد أنها متخفّية فيها. لكن ماغريت يخدعنا بفكرته. فحين سُئل عمّا يقصده أجاب ببساطةٍ: "الصورة تخدعُنا. فهذا ليس غليوناً، لأننا لا نستطيع تدخينه. إنها صورته فقط".

إذن، فوجود غليون في صورة، لا يكفي لأن نمسك به ونملأه بالتبغ وندخّنه. يُشير ماغريت إلى أن الصورة، مهما كانت درجة واقعيتها، فإنها لا تنقل الواقع كما هو، بل إنها في النهاية ليست حقيقةً، بل مجرّد تمثيل للرمز، وأن ما نراه في الواقع ليس سوى انعكاس لأفكارنا وخيالاتنا الشخصية، وهو ما يحيل إلى محدودية الإدراك البشري.

هذا العمل استوحى منه الفيلسوف والناقد الفرنسي ميشيل فوكو (1926 - 1984) كتابه "هذا ليس غليوناً" الصادر عام 1973، والذي تناول فيه دلالات اللوحة وإسقاطاتها من زوايا لغوية وتاريخية وإبستيمولوجية وبصرية.

فوكو نفسُه جمعته، في بداياته، عدّة مراسلات مع ماغريت الذي كان شغوفاً بالفلسفة، ومعجباً بكثير من الفلاسفة، خصوصا هايدغر، وقد تجلّى ذلك كثير من أعماله التي تحضر فيها السخرية أيضاً، مثل تلك التي يجسّد فيها مطّرية وفوقها كأس ماء. تحمل اللوحة عنوان "عطلة هيغل" (1959)، أمّا علاقة هيغل بها، فتبدو معقّدة إلى حدّ ما. فحين سُئل عن معناها، قال إن "الكأس يستقبل الماء، والمظلّة تطرده، وهي فكرة جدلية كان هيغل ليستمتع بها على شاطئ بحري في عطلته".


عدد القراء: 576

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-