مستقبل الصين.. إمبراطورية على مفترق الطرق

نشر بتاريخ: 2016-09-30

فكر – سحر العلي:

 

الكتاب: "مستقبل الصين؟"

المؤلف: ديفيد شامبوغ

الناشر: polity

رقم المعيار الدولي للكتاب: ISBN-13: 978-1509507146

 

يقال ويتردد الكثير عن الصين اليوم. وعن مكانتها الراهنة في العالم ودورها في قضاياه وموقعها في تصنيف القوى الكبرى اليوم وغداً، ذلك على المستويات الاقتصادية والسياسية والعسكرية وغير ذلك. باختصار يقال ويتردد الكثير عن الصين، ماضيها وحاضرها ومستقبلها. ولا شك أن هذه النقطة الأخيرة المتعلّقة بمستقبل الصين هي التي تطرح أكبر التساؤلات وربما أكثرها مثاراً للجدل.

و"مستقبل الصين؟"، بصيغة الاستفهام، هو عنوان، وموضوع، كتاب ديفيد شامبوغ، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية ومدير برنامج سياسات الصين في جامعة جورج واشنطن وبرنامج دراسات السياسة الخارجية في مؤسسة بروكلين الشهيرة.

من الميزات الأساسية - والجديدة إلى حد كبير بين الدراسات المكرّسة للصين - التي يتسم بها هذا العمل أن مؤلفه، الخبير المعروف بالشأن الصيني، يركّز بشكل رئيسي على ما يسمّيه "الاتجاهات السياسية العميقة" في الحياة السياسية الصينية. ذلك بعيداً عن "ضجيج السطح" الخاص بالتقدّم الاقتصادي الهائل الذي حققته "إمبراطورية الوسط" ودفع بها إلى مصاف القوّة الاقتصادية الثانية في عالم اليوم.

ما يؤكّده المؤلف في البداية أنه من العسير جداً نقاش مستقبل الصين دون الحديث مباشرة عن الصعود الاقتصادي الكبير الذي حققته. والإشارة في هذا الصدد إلى الأدبيات المعاصرة الكثيرة التي جعلت أيضاً من "التحديث العسكري للصين" موضوعاً لها.

وإذا كان مؤلف هذا الكتاب يتعرّض لمختلف المسائل المتعلّقة بصعود الصين بمختلف مظاهره، فإنه يذهب أيضاً في اتجاه آخر هو التأكيد أن "الصين تعاني من صعوبات خطيرة". وهذه المقولة، التي يؤكّد المؤلف بناء عليها وتبعاً لما يقدّمه من وقائع وإحصائيات، تشكّل "الخيط الناظم" لتحليلات هذا الكتاب.

ويحدد المؤلف القول إن الصين تمرّ في السياق الراهن بـ "لحظة حرجة" في مسارها التطوري. ذلك على أصعدة الاقتصاد والمجتمع والكيان السياسي والأمن القومي والعلاقات الدولية. وبهذا المعنى هي أمام مفترق طرق "مصيري" في منظور مستقبلها "تقهقراً أو استمراراً في الصعود".

ويتم في هذا الموقع طرح عدد من الأسئلة الجوهرية حول مستقبل الصين. فهل ستنجح في القيام بسلسلة من الإصلاحات "الجذرية" التي قد تستمر عدّة عقود وربما تجعل منها القوّة العالمية الأولى؟. أو هل سيحجم قادتها عن القيام بمثل هذه الإصلاحات التي قد تهدد نظامهم؟. وهل يمكن للصين أن تسلك مشرباً آخر أكثر تحرراً على غرار العديد من المجتمعات الأخرى؟.

بكل الحالات يرى ديفيد شامبوغ أن مكمن الخطورة التي ستواجه الصين يكمن في مسارها المستقبلي في حالة عدم القيام بعملية إصلاح جوهرية. هذا ما يحاول البرهنة عليه من خلال مجموعة من المؤشرات والوقائع والإحصائيات والمشاهدات. هكذا يشير مثلاً أنه خلال الخمسة عشر سنة القادمة سيتجاوز عدد الذين تزيد أعـمارهم عن الـ 60 سنة من 200 مليون صيني اليوم إلى 300 مليون.

ومن المعطيات الأخرى التي يقدّمها المؤلف أن "نسبة 70 % من البحيرات والأنهار في الصين ملوّثة" وأن "صناعة الظل في القطاع المصرفي الصيني تعاظمت إلى درجة أن الحجم الإجمالي لنشاطاتها بلغت ما يعادل نسبة 51 % من إجمالي الإنتاج الداخلي الصيني..

وأن السوق الوطني للعقارات تراجع بنسبة 25 % في الصين خلال سنوات 2012 ــ 2014. وهذا أمر مثير للقلق كون أن هذا القطاع يمثّل نسبة ما بين 15 إلى 20 % من إجمالي الإنتاج القومي الصيني". وسلسلة طويلة من المعطيات الأخرى المثيرة للقلق حيال الصين.

بالنسبة للخيارات السياسية القادمة "المحتملة" للصين يقوم المؤلف بتشبيهها بسيّارة تقترب من مفترق طرق يؤدّي إلى أربعة اتجاهات، ويرى أنها ستأخذ أحدها.

الاتجاهات المعنيّة يحددها بـ "النظام الشمولي ــ التوتاليتاري ــ الجديد"، بنوع من النسخّة المحسّنة لما هو قائم اليوم؛ و"النظام الشمولي - التوتالياري ــ المتشدد"، أي الاستمرار في النهج الحالي، و"النظام الاستبدادي الملطّف" وأخيراً "النظام شبه الديمقراطي".

ويميل المؤلف في تحليلاته إلى ترجيح أن تنحو الصين في اتجاه "النظام شبه الديمقراطي". ذلك أنه "بدون العودة إلى سبيل الإصلاح السياسي مع جرعة مهمّة من الليبرالية وتلطيف العديد من جوانب العلاقة بين الدولة ــ الحزب والمجتمع، فإنه سيتم الاستمرار في مسيرة تقدّم اقتصادي هامشي. بالاختصار إذا استمرّت العربة الصينية في مسارها الحالي فإنها ستجد نفسها معطّلة بسبب نقص الوقود".

ولا يتردد مؤلف هذا الكتاب في التأكيد أن لجوء السلطات الصينية الحاكمة في منظور "فرض المحافظة على النمو الاقتصادي" أو من أجل "ممارسة القمع السياسي" لأولئك الذين قد يسلكون سبيل المعارضة لن يقود سوى إلى "زيادة الأوضاع خطورة" وسيؤجّل عمليات الإصلاح التي غدت ضرورية وبأسرع وقت ممكن، حسب التحليلات المقدّمة.


عدد القراء: 467

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-