«المسحراتي».. صوت روحاني من الزمن الجميل

نشر بتاريخ: 2015-06-18

فكر – الرياض:

في حضور المسحراتي كل الحي يستيقظ، الأطفال، النساء، الرجال، الشباب أيضًا، كلهم يستيقظون على صوته الوديع غير المزعج وهو يردد: "اصحى يا نايم ووحد الدايم" مع إيقاع الطبلة أو المزمار. لمهنة المسحراتي الذي يتجول في الأحياء وبين الأزقة سياق تاريخي؛ حيث تذكر بعض الدراسات أن بلال بن رباح -رضي الله عنه- كان يقوم بتلك المهمة؛ مهمة إيقاظ النائمين، كما يشير البعض من الباحثين أن عنبسة بن إسحاق المتوفى سنة 228هـ كان هو من الأوائل أيضًا الذين يقومون بهذه المهمة، حيث يُطلق قدميه مشيًا من مدينة العسكر في الفسطاط إلى جامع عمرو بن العاص بمصر منادياً الناس.

كان والي مصر إسحق بن عقبة أول من طاف على ديار مصر لإيقاظ أهلها للسحور، وفي عهد الدولة الفاطمية كانت الجنود تتولى الأمر. وبعدها عينوا رجلاً أصبح يعرف بالمسحراتي، كان يدق الأبواب بعصا يحملها قائلاً «يا أهل الله قوموا تسحروا» ولاحقا أصبح يقول عبارات من قبيل:

«اصحي يا نايم وحد الدايم..».

وتذكر الكاتبة ديانا أيوب أن المسحراتي يتميز في الفترات السابقة وحتى يومنا هذا باعتماده على الجمل التي ترحب بـ"رمضان" ولفكرة القيام والعبادة، ويتم إنشادها بطريقة تجعل الناس يستيقظون على سماعها، ولأن الإنشاد مع تطور المدن لم يعد كافيًا، بدأ المسحراتي يستعين بالطبلة، ويدق عليها وينشد جمله المعهودة. وعن تسميات المسحراتي في الدول فإنها لا تختلف من دولة إلى أخرى إلا في الإمارات فقط حيث يعرف المسحراتي بـ"أبو طبيلة".. ويختلف الزي الذي يرتديه المسحراتي تبعًا للبلد الذي يعيش فيه، كما أن الأداة التي يستخدمها تتباين بين بلد وآخر.

والمسحّراتي صورة لا يكتمل شهر رمضان بدونها، وهو يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتقاليدنا الشّعبية الرّمضانيّة، فقبل الإمساك بساعتين يبدأ المسحّراتي جولته الّليلية في الأحياء الشّعبية موقظاً أهاليها للقيام على ضرب طبلته وصوته الجميل يصدع بأجمل الكلمات مما يضفي سحرًا خاصًا على المكان.

ومن المتعارف عليه أن يكون لكل حي أو مجموعة من الأحياء المسحراتي الخاص بها، حيث إنه يتم تقسيم الأحياء بين العاملين في إيقاظ الناس على السحور، وذلك لأنهم يحصلون على أجرتهم من الناس في آخر الشهر، فيقدمون لهم بعض المال، كما أن البعض يقدم لهم الهدايا قبل العيد. لقد غاب المسحراتي عن كثير من الدول العربية ودول الخليج ولم يصبح متواجداً إلا في مصر فقط؛ وذلك بسبب التطور والتغير الثقافي والعادات والتقاليد التي بدأت في الاختفاء والانحسار بفعل الزمن ومرور الأجيال؛ إلا أن هناك عادات أخرى ظهرت بشكل غير ملاحظ وتناسب المدن الكبيرة وتحل محل المسحراتي، منها مرور السيارات التي فيها مكبرات الصوت، التي تعمل على إيقاظ الناس بوضع الأناشيد الدينية على صوت مرتفع وهذا يمكن أن يوقظ كل سكان الأبنية، وكذلك اعتماد البعض على المنبهات أو حتى الهواتف، لتصبح جميع الدول تعاني من غياب المسحراتي في شهر الخير، حتى بات عملة نادرة تنتمي إلى التراث.


عدد القراء: 429

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-