«سوريا – تاريخ عالم مدمَّر» كتاب يحكي التاريخ الحضاري في العصر الإغريقي

نشر بتاريخ: 2017-12-28

المحرر الثقافي:

 

الكتاب: "سوريا – تاريخ عالم مدمَّر"

المؤلف: ميشائيل زومَر

الناشر: Keltt-Cotta

 

في كتابه الألماني"سوريا – تاريخ عالم مدمَّر" يقدم الباحث في الحضارات القديمة ميشائيل زومَر دراسة نموذجية في التاريخ الحضاري للمنطقة الممتدة بين البحر الأبيض المتوسط ونهر دجلة في العصر الإغريقي والإغريقي المتأخر. نجح ميشائل زومر بامتياز بأن يكون واقعيًا ومثيرًا في إلقائه أنوارًا كاشفة على الماضي، تضع الكليشيهات المتداولة موضع تساؤل، مثل: الانفصال المزعوم بين الشرق والغرب.

الذاكرات لا تولَد – إنها تُصْنع. "ليس ثمة من حالة يتذكر فيها الإنسان الماضي لِذاتِه." وهذه النظرية العلمية - الثقافية بشأن الذاكرة - التي يتم دائمًا تنسيقها وتداولها لغرض قابل للتحديد جماعيًا وثقافيًا على صعيد الحياة الدنيا أيضاً- طُبقت بصورة منتجة في فروع كثيرة من العلوم الإنسانية.

 لقد أبعدت المنظور عن المصطلح الحدّي لـ "الحقيقة التاريخية"، الذي لم يتم التخلي عنه كليًا، بل تنظيميًا وحسب، ووجهته نحو تحليل محترم وناقد أيضًا لإيديولوجيا تعددية الذاكرات الجماعية على صعيد المكان والزمان.

التاريخ الحضاري لمنطقة البحر المتوسط ونهر دجلة

 في هذا البحث الموجز: "سوريا – تاريخ عالم مدمَّر" يقدم عالِم الحضارات القديمة ميشائيل زومَر مثالاً نموذجيًا لدراسة في علم التاريخ استوعبت أفكار الميدان النظري على نحو منتج، في ما يخص هنا التاريخ الحضاري للمنطقة الممتدة بين البحر الأبيض المتوسط ونهر دجلة، في العصر الإغريقي والإغريقي المتأخر.

 إنه بحث حساس ومثير للجدل في الواقع، ليس فقط لكونه يستقصي الجذور التاريخية لمنطقة الحضارة، التي أطلق عليها الرومان اسم سـوريا، والمتورطة اليوم على نحو عنيف وحشي في حروب عصابات وحروب بالنيابة في صيغة "حرب عالمية ثالثة"، بحسب تشخيص كثير من المراقبين، وإنما أيضًا، لأنه في تحليله النماذج الاجتماعية والمنظومات الدينية في العصر الإغريقي والإغريقي المتأخر، يرسم صورة جلية، إنسانية جديدة، لمختلف ثقافات الإمبراطورية ووضعها الفكري.

 ففي عالم الأرباب الإغريقي والهيليني كان مبدأ " قابلية الترجمة " قائماً، في أمور المنظومات الدينية والأسطورية. كانت الأساطير الإغريقية (واليهودية أيضًا) " مشروع تأليف " جماعي (ميشائيل زومر)، ساهم فيه أناس من نهر السند إلى بريطانيا – لما فيه خير جميع مجتمعات الإمبراطورية.

 وما أسهم في عملية الانتماء إلى الهيكلية الإمبراطورية هو حق المواطنة الروماني في المنطقة الحديثة الاندماج. لم يؤدِ ذلك إلى إقصاء النزاعات الدينية طبعًا، لكن هذه كانت ذات طبيعة مختلفة تمامًا، عن تلك التي تنتج عن زعم امتلاك الحقيقة "المطلقة" في أصوليات الديانات التوحيدية (كتطور متأخر نسبيًا في تاريخ الإيمان برب واحد أحد لا شريك له في شمولية ألوهيته). وهي نزاعات لا تزال قائمة حتى اليوم.

كان المفهومان المركزيان للوئام الثقافي الإمبراطوري هما "مجلس جميع الأرباب" و "التربية والتعليم". ويلجأ ميشائل زومر باقتضاب وتركيز وتصويرية عالية إلى أمثلة محسوسة ورمزية من أماكن ذكريات المنطقة السورية : إسوس (في خليج إسكندرون)، تدمر، أورشاليم (القدس)، الحضر (في شمال وسط العراق حاليًا)، ليعرض كيف كان ممكنًا، إقامة فضاءات ثقافية ضخمة هائلة الاتساع في سلام نسبي ( وقد شيدت بوعي سياسي – لاهوتي وسياسي – ثقافي).

وهي أماكن شيدها أناس كانوا ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم ينتمون في الوقت نفسه إلى الثقافة اليونانية والمواطنة الرومانية و كيهود أو "وثنيين" سوريين. وفصل إسوس حول إمبراطورية الإسكندر يمكن أن يعتبر نموذجًا داخل النموذج. هنا يقدم زومر منظورًا جديدًا ساحرًا وكاشفًا لـ"جواد معركة" التاريخ (فرانتس كافكا)، الذي لولاه لما وُجدت ربما ظاهرة الهيلينية. التربية والتعليم (Paideia)- في الميثولوجيا اليونانية والأدب والفلسفة وفن الحياة كانتا أمرًا شبه بديهي لمعظم سكان أورشاليم اليهود في عهد المسيح.

إحدى ذرى نظرية الذاكرة الثقافية

كانت التربية والتعليم هما برنامج التثقيف التقليدي، الذي يشمل جميع مجالات الحياة بما فيها الدينية والروحية والفلسفية. في كثير من الفرق اليهودية المتناحرة مثل الغيورين والفريسيين والصدوقيين ظهرت بوادر توتر سياسي – لاهوتي، ولم يكن من الممكن "إحلال السلام" بينها إلا بعد تدمير المعبد عن طريق اليهودية الحاخامية.

 لقد نجح ميشائل زومر بامتياز بأن يكون في الوقت نفسه واقعيًا ومثيرًا، في إلقائه أنوارًا كاشفة على الماضي، تُظهر كل تفصيل ملموس كجزء من علاقة متشابكة. كما أنه يفتح أفقًا، لا بل آفاقًا، تضع الكليشيهات المتداولة موضع تساؤل، مثل: الانفصال المزعوم بين الشرق والغرب، أو الانحطاط الهيليني، أو العنف "الوثني" النمطي ووحشيته.

على النقيض من ذلك، يُفهمُ التجذر "الأفقي" و "الشاقولي" لعضو في الثقافة الهيلينية (الهوية هنا كلمة غير صحيحة، لأن الأمر يتعلق بتعددية) باعتبارها فضاء متعدد الثقافات مرتبطًا بذاكرة وتاريخ، علمًا بأن التاريخ والأسطورة في التفكير النهائي يصعب فصلهما الواحد عن الآخر. وهذه إحدى ذرى نظرية الذاكرة الثقافية.


عدد القراء: 499

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-