أوضاع العالم 2018: مرحلة جديدة للبحث عن بدائل

نشر بتاريخ: 2018-01-16

المحرر الثقافي:

 

الكتاب: "بحثاً عن بدائل" أوضاع العالم 2018

المؤلف: 33 أكاديمياً وباحثاً، إشراف: برتران بادي ودومينيك فيدال

الناشر: مؤسّسة الفكر العربي

 

"بحثاً عن بدائل" هو عنوان الكتاب السنوي "أوضاع العالم 2018"، آخر إصدارات برنامج الترجمة "حضارة واحدة" في مؤسّسة الفكر العربي، وقد عالجه 33 أكاديمياً وباحثاً، وأشرف عليه الأكاديمي برتران بادي والمؤرّخ دومينيك فيدال.

 تمّ اختيار موضوع الكتاب، انطلاقاً من السجال الدائر حول ازدهار البدائل والخيارات التي يقترحها الفكر الغربي منذ زمن، والتي جعلت منه أكثر تفوقاً على الثقافات الأخرى، لا بل شكّلت العلامة الفارقة لهذا الفكر على حدّ تعبير بادي، الذي يرى أن "فكرة التعدّدية ذاتها سلكت مسالك طويلة في الفكر الغربي، وفكرة الخيار البديل تبـدو كواحدة من نتائجها ومُفضياتها المنطقيّة".

 ويرى بادي في افتتاحيته، أن المواطن أصبح حـذراً إزاء الأحزاب ومُرتاباً بها، وبالمؤسّسات أيضاً، ويتصور نفسه مستهلكاً سخيفاً للوجبات الغذائية السياسية الصناعية في مقاصف وجباتها السريعة، المنتجات البديلة لا تنفكّ تغزوه: الهويّات المفرطة الغلوّ، النقمة التي ترتدي رداء كراهية الأجانب، وأكباش فـداء أو ضحايا محرقة من كلّ نوع، العنف هنا في الغرب يجـد أرضية خصبة، وتلتحق ديمقراطية الأمس بسـفاهة السـلطويّات كافة، والذين يمانعون يهمَّشون، ويوضعون في عالم الطوباوية الذي تتعرّض مثاليته للسخرية، في حين يصبح بعض ديكتاتوري الشرق أو الجنوب شـعبيين في الشمال وفي الغرب.

 "أوضاع العالم 2018" هو ملف البحث عن البدائل، والبدائل هنا هي الكثرة، أو مـا يسميه برتران بادي بـ "التعددية" أو الفكرة الحاضرة أبـداً في الفكـر الغربي، الذي يتعقّل فكرة الخيار البديل كما لو كانت في طبيعة الأشياء، وتصحّ وتكون مقبولة في بلدان تقول بالتمثيل والانتخابات والأحـزاب والتنظيمات، وتلجأ إلى التداول وتعتمـد التغيير وغيره، لكن آخـرين سيقولون إن هـذا الخيار ليس حقيقة وإنمـا هـو تورية، وليس واقعـاً وإنمـا بيان وبلاغة، والكاتب يتسـاءل: "متى كانت اللعبة الدولية توفّر بداية خيار بديل؟" وهـو يذكّر شأن زملائه فردريك لوبارون ودلفين آليِّس، بمارغريت تاتشر، وشعارها الشهير "ليس ثمة من خيار بديل الذي تحولت الأحـرف الأولى منه "تينا أو "TINA  إلى الاسـم الذائع لسياستها، وسياسةِ من سـار على نهجها في الثمانينيّات من القرن الماضي، من "الليبيراليّين الجـدد".

مقاومة البدائل ومعوّقاتها

 ويشير الكتاب إلى ان البدائل قد تكثر في "أوضاع العالم 2018"، لكن عوامل العرقلة والكبح والتجميد تمنعها من المـرور، وللمعرقلين فلسفة قوامها القول كما يلاحظ فردريك لوبارون أن الاقتصاد عِلم، بل إنـه علم مطلق "يعلو على كافة الخيارات السياسية ويحلّ محلّ السجال والمناظرة"، وهكذا فإن الأزمة التي اندلعت مع أزمة الرهن العقاري الأمريكية، لا تزال في عُرف كاترين ساماري متواصلة تسـتصرخ البدائل. إن العلم الاقتصادي يفرض في "طبعته" الأمريكية "أصولية السوق" العالمية أو "ســلفيّتها"؛ أصولية ربما كانت في أصل تسـاؤل روبير بواييه عن ماهية الهرطقة الاقتصادية أو "البدعة الاقتصادية". ويبقى أن الأصوليّة "تاتشرية" في جوهرها لا تُحِلُّ خياراً ولا تُبيح بـديلاً، وحيثما غاب الخيار أو التخيير كما كان المتكلّمون يقولون يحل "التسـيير"؛ وهـذا ما يفسر "الجبرية" التي تحكمُ النظام السياسي اليوم: "جبريةٌ" مثالها القول بأنه "لا بديل عن العولمة " وأن من جاء بشيء غـيرها فلن يُقبَلَ منه.

 وفق هـذه النظرة، لا غرابة في أن تكون الشركات المتعدّدة الجنسيّات معادية لكلّ خيارٍ بديل وفقاً لإيفان دو روي، جواب هذه الشركات الدائم هـو أنّه ليس بالإمكان أحسن مما كان، وماذا يمكن أن يكون أحسن بالنسبة إليها من نظام تستطيع أن تتهرّب فيه من جباية ضريبيّة كان يمكن أن تصل الى 26 تريليون (26.000 مليار) دولار من الضرائب؟

 من جهة ثانية، هناك مقاومة الإصلاحات من قبل النخب، وتتولّاها في حالة فرنسا مثلاً الجماعات الضاغطة في ميدانَي المال والذرّة كما يبيّن دومينيك بليهون؛ فضلاً عما تضيفه إليها دلفين بلاسيدي- فروت، من العرقلة والكبح والتجميـد الذي تعاني منه المؤسّسات الكبرى المتعدّدة الأطـراف.

 وقبل هذا وبعده، هناك ما يسمّيه جان كارتييه - بريسّون فساد النظام، أو الفسـاد المنتظم الممنهج، والذي يعني في رأيه "الفساد الذي أصبح عنصراً لا يُستغنى عنه لبقاء نمط الضبط والانتظام السياسي- الاقتصادي القائم"؛ وثمـّة عامل آخـر يرصده برونـو كوتـريس، وهو محافظة الطبقات السياسيّة، إذ ثمّة استياء سياسيّ يمتدّ إلى ما وراء السلطات العموميّة، ويتعدّاها ليصل إلى المؤسّسات وإلى معايير العملية الديمقراطية، لكن أول العقبات التي يتناولها كتاب "أوضاع العالم 2018" هي تلك التي يشـير إليها تريستان ماتلار، الذي يلاحظ بأن ثمة اختلالاً في دفوق المعلومات العابرة للقوميّات، لا يزال قائماً منذ سبعينيّات القرن الماضي، أي منذ أيّام احتجاجات حركة عـدم الانحياز.

 التجارب البديلة

 ومن عوامل العرقلة والكبح والتجميد إلى التجارب البديلة، وهي بتوصيف الكتاب تجارب هشّـة. وأولى هذه التجارب عنـد سيرج وليكوف كانت الشـيوعية، التي لا يزال للحركات المُنتمية إليها حضور متفاوت في سـائر القارّات، ومنها الصين "الجديدة" التي يتساءل دومينيك باري عمّا إذا كانت لا تزال تشكّل مثالاً يحتذى ويقلّد، فقـد اسـتأصلت الفقر بين عامي 1978 و2015، وارتقت إلى مرتبة القوّة العالمية العظمى الثانية، فهل تراها تشكّل نموذجاً مقبولاً لخيار بديل؟ لكن المراقب الصحافي الذي يقرن اسمه بصحيفة "لومانيتيه" "الشيوعية الفرنسية"، يغفل شأن "الصينيين الجـدد"، أحديّة الطبقة العاملة وحزبها ومصالحها. أفيعقل أن تحتمل الأحـديّةُ البديلَ؟

 ومن هذه التجارب الجـديدة "الربيع العربي" الذي يستعير له فرانسـوا بورغا تاريخ الثورة الفرنسية، فيكون في السنة السادسة، وبالترقيم الروماني (VI)، ربيعٌ فشلت اليسارات العربية في ريادته، إذ جعلت أولويّتها منافسة الإسلاميين، بينما لم يمكث هـؤلاء في مواقع السلطة إلّا قليلاً.

 بعـد هذا يأتي الحديث عن بدائل اليسار الأمريكي اللاتيني التي تتولّاها الباحثة سونيفا لابارث وزميلها الصحافي مارك سانت- أوبيري؛ ويؤكّدان أن أزمنة المرجعيّات السياسية والرمزية "للتقدميات" التي أمسكت بالسلطة في سنوات 2000، في أمريكا اللّاتينيّة، هي أزمنة شاقة، كما أنّ دينامية اليسارات واليمينات القائمة حقاً في أمريكا اللاتينية لا تتّبع سـيناريو وحيداً أوحداً.

 لكن إذا كان لا بد من أن نعـزو درجة ما من المصداقية أو "المعقولية" لمفعول "نهاية الدورة" وكذلك الشعور بالغرق الذي يواكبه، فإن ذلك لا يعود إلى السياق الاقتصادي غـير الملائم الذي ينال من هذه البلدان كافة.

 لكن البديل الذي أشهره فوز دونالد ترامب في الانتخابات الأمريكية هو ما يسـمّيه الكتاب، وما بات يشتهر باسم الشعبوية، وثمـّة ثلاثة موضوعات متقاربة في هـذا الحديث عن الشعبوية "كتجربة هشّة": دونالد ترامب طبعاً، الذي يرى فيه سيلفان سيبيل وعـداً ملتبساً بالتجدّد الصناعي، وثانياً اليمينيّات الجذرية الشـعبوية التي تتساءل نونا ماير عما إذا كانت خياراً بديلاً في أوروبا، وهناك ثالثاً الحركات القومية الجديدة في الشمال والجنوب، التي تجد لها دلفين آلتـِّس خصائص مشتركة. فهذه كلّها تبدّت عبر ما يسمّيه فنسان تيبيرج "المدّ الشعبوي"، وهي ليست في رأيه سوى "الثورة المضادة". لكن نونـَّا ماير تجد أن توصيف الحركات الشـعبوية بوصف أقصى اليمين هـو توصيف لا يسـتغرق حقيقتها كلّها لأنها تلعب اللعبة الديمقراطية. ولأن لها سماتها الإيديولوجية الخاصة: فهي قومية، وهي إقصائية (ضد الأجنبي والمهاجر) وحصرية تريد حصر الموارد بأبناء البلاد، أو الشـعب "الحقيقي"، "الشعب المتجانس الذي يتهدّده خطر "خارجي" كما يقول فابيان إيسكالونا، لكن هناك شعبوية يسـار أيضاً تظهر من خلال حركة فرنسا المتمرّدة، ويتولّى روجيه مارتيللي اسـتعراض إمكانيتها كيسار.

 لكن إذا كان الحال مع الشـعبويات هـو هـذا، فهل أن ثمّـة نهـوضاً محتملاً للاشـتراكية الديمقراطية التي طالما حكمت أوروبا. إنّها الآن في وضعية دفاعيّة كما يرى آلان بيرغونيـو، تتعرّض لمنافسة الأحزاب الوسطيّة، وتتخطّاها على يسارها الحركات الجديدة مثل "بوديموس" في إسبانيا، و"سيريزا" في اليونان، و"فرنسا العصيّة" أو "المتمرّدة" في فرنسا.

 آفاق البدائل المحتملة

 وبعد التجارب الجارية، تأتي التطوّرات القادمة والآفاق المحتملة، إذ يستعرض دومينيك فيدال وضع النظام الدولي الحالي، ويلاحظ أنه "يدير العولمة ويسيرها في مصلحة الغرب"، إنه مأزوم وبديله وطريق الخروج يمرّ في رأيـه حكماً بالأمم المتّحدة التي "تملك مفتاح التغيير"، ويفترض إصلاح مؤسّساتها، أمّـا آلان غريش فينظر إلى هـذا النظام من زاوية أخرى، هي زاوية انبثاق وصعود قوى (البريكس وسواها) تريد أن تأخذ مكانها تحت الشمس. أمـا إيف سانتومير فيطرح مسألة بدائل النظام الانتخابي، طامحاً إلى إدخال بعض النسبية على النظم القائمة.

 وتتناول كاترين ساماري نهضة وأزمات الحركة المناهضة للعولمة، أو ما تسمّيه "العالمية البديلة"، التي بدأت "بلقاء القارّات الثلاث من أجل البشرية وضد النيوليبرالية" في صيف عام 1996، وبدأت بتنظيم "منتدى دافوس مضادّ" لذاك الذي ينعقد في دافوس في سويسرا، وينعقد بذات التاريخ.

 أما صوفي شابيل فتطرح مسألة البدائل البيئوية الزراعية، وتركّز على الزراعة البيولوجية واسترداد البذار كما يفعل البرازيليون، وترويج الزراعة المدينية، بينما تتناول راشيل كنايبيل الانتقال الطاقوي، ولاسيما الطاقة المتجدّدة، كتلك المستخرجة من الرياح والتي باتت منذ العام 2015 تُمثّل 50% من استهلاك الدانمارك، و36% من استهلاك إسبانيا، ونسبة 59% من استهلاك البرتغال و75% من طاقة النمسا التي تستمدّها من المياه، وأخـيراً نشير إلى عمل هيرفيه لو كروسنييه المرموق حول الرقميّة والأفق التقني العالمي الجـديد.

 تجدر الإشارة إلى أن الكتاب تضمّن ملاحق وجداول مفصلة حول موضوعات عدّة، تتعلّق بـ "إنتاج الكهرباء في العالم سنة 2012"، وأول عشرين بلداً كان إنتاجهم الكهربائي الأكثر قابلية للتجدّد في العام 2012"، و"البلدان الأكثر إنتاجيّة للطاقة الكهربائية في العام 2012"، و"بنية إنتاج الطاقة المتجدّدة في العالم سنة 2012"، و"رقم الأعمال الذي حقّقته مجموعات وسائط الإعلام المتعدّدة الدولية الرئيسة"، و"الصعود الخاطف للأبصار لـ "غوغل"، و"جمعيات الإبقاء على الزراعة الفلاحية"، و"إسهامات أوّل خمسين بلداً في ميزانية منظّمة الأمم المتّحدة، وفي عمليات حفظ السلام". كما قام بيير غروسِّير بعرض لافت لآخـر الكتب المهمّة الصادرة باللغتين الإنكليزية والفرنسية في العام 2017.


عدد القراء: 355

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-