السوسيولوجيا العربية تفقد فالح عبدالجبار

نشر بتاريخ: 2018-02-26

المحرر الثقافي:

يعدّ عالم الاجتماع العراقي فالح عبد الجبار (1946 – 2018) الذي رحل صباح اليوم الاثنين في بيروت إثر تعرّضه لأزمة قلبية مفاجئة، أحد أبرز المتخصّصين في دراسة الفكر السياسي والاجتماعي، والتحوّلات الكبرى في بنية المجتمعات العربية والمخيال الشعبي ومتغيّراته عبر التاريخ.

ولد الراحل في بغداد في منطقة باب الشيخ في بغداد، ودرس علم الاجتماع في "الجامعة المستنصرية"، ثم غادر عام 1978، حيث عمل أستاذًا وباحثًا في "جامعة لندن"، و"مدرسة السياسة وعلم الاجتماع" في "كلية بيركبيرك" التي كان قد حصل فيها على شهادة الدكتوراه، كما عمل محاضرًا في جامعة "لندن ميتروبوليتان".

أسّس صاحب كتاب "معالم العقلانية والخرافة في الفكر العربي" في العاصمة اللبنانية "معهد دراسات عراقية" والذي أداره إلى يوم رحيله، وكان مهتمًا بشكل أساسي في الاشتباك مع الراهن في بلاده والمنطقة العربية من خلال عدّته الأكاديمية الصارمة وثقافته الموسوعية المتنوّعة في حقول معرفية عديدة، كما كان يذهب إلى مقولات استشرافية في تحليله للظواهر الاجتماعية، والتي كانت تصيب أحيانًا أو تستوضح الصورة الكلية في أقل تقدير.

في كتابه "دولة الخلافة: التقدم إلى الماضي ("داعش" والمجتمع المحلي في العراق)"، الصادر نهاية العام الماضي عن "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات"، استند عبدالجبار إلى فكرة أساسية بأن "الدولة الفاشلة في العراق هي أساس نمو الحركات التكفيرية واستشرائها"، وهي انعكاس لفكرة سابقة تتعلّق بتحوّل النخب العربية الحاكمة إلى "طبقة" مغلقة ودوره في إضعاف الدولة والمجتمع.

كما حلّل في الكتاب مخيال المجتمع المحلِّي قبل غزو الدولة الإسلامية المدن الكبرى وبعده، وصورة المخلّص والخلافة بوصفها دولة ريعية، وشبكات العلاقة المجتمعية والتدخلات الإقليمية وتداعياتها المستقبلية في الوعي إلى جانب أثرها في الواقع.

انشغل في الفترة الأخيرة بدراسة "أنثروبولوجية" موسعة – ربما لم تكتمل- وهي ترصد منظومة العشائر في العراق ومدى تأثيرها على المشهد الاجتماعي؛ أحد المواضيع التي ساجل حولها وتناولها في كثير من مقابلاته وجلساته بعد احتلال العراق.

قدّم عبد الجبار في كتابه "العمامة والأفندي: سوسيولوجيا خطاب وحركات الاحتجاج الديني"، قراءة معمقّة للحراك السياسي لدى الشيعة في العراق ضمن سياقاته الاجتماعية والثقافية والأيديولوجية، وربطه بمحطّات أساسية في التاريخ المعاصر، وفهم العلاقة بين المقدس والدنيوي في نشوء التيارات الشيعية المعارضة.

وعلى الرغم من ميوله اليسارية والعلمانية، إلا أن سهام نقده الموضوعي طالت الشيوعيين والعلمانيين العراقيين، لعدم قدرتهم على التعبير عن وتجسيد تطلعات الشعب العراقي، وكان يرفض تصنيفه واحدًا منهم.

وتعرض عبدالجبار لأزمة قلبية مفاجئة خلال استضافته من بيروت في برنامج "العراق في قرن" على قناة "الحرة عراق"، حيث اعتذر عن عدم إكمال المقابلة، ونقل إلى مستشفى الجامعة الأمريكية في بيروت، وتوفي إثر تلك الأزمة.

من أبرز مؤلّفاته: "بنية الوعي الديني والتطور الرأسمالي" (1990)، و"معالم العقلانية والخرافة في الفكر العربي" (1992)، و"الديموقراطية المستحيلة" (1998)، و"القبائل والسلطة في الشرق الأوسط" (2002)، و"آيات الله والصوفيون والأيديولوجيون" (2002)، و"الحركة الشيعية في العراق" (2003)، و"المجتمع المدني في عراق ما بعد الحرب" (2006).

كما ترجم عدداً من الأبحاث والكتب، منها "الاقتصاد السياسي للتخلف"، و"موجز رأس المال"، و"رأس المال"، و"نتائج عملية الإنتاج المباشرة"، و"رحلة غوته الإيطالية"، كما أصدر كتاباً جمع فيه مذكراته بعنوان "الهورلا، أوراق الجنون" (2014).


عدد القراء: 429

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-