«هيّا إلى الإنسان..» رؤية فلسفية تحتفي بالإنسان في أزمنة الضياع الراهنة

نشر بتاريخ: 2018-05-04

المحرر الثقافي:

الكتاب: "هيّا إلى الإنسان.. من الكائن البشري إلى الموجود الإنساني"

المؤلف: د. رسول محمد رسول

الناشر: مركز سلطان بن زايد

 

يحاول الفيلسوف العراقي الدكتور رسول محمد رسول في كتابه الجديد (هيّا إلى الإنسان.. من الكائن البشري إلى الموجود الإنساني)، الذي صدر عن مركز سلطان بن زايد يحاول الدفاع عن الإنسان بوصفه موجوداً إنسانياً وليس مجرد كائن بشري يولد ويأكل ويشرب ويموت كما بقية الكائنات الأخرى من الخلائق، ولذلك يفتتح كتابه بما يعبر عن هذه الرؤية الإنسانية، ويهدي كتابه هذا إلى القارئ فيقول: "إلى الإنسان فيك؛ "الإنسان" هو أنتَ عندما تخرج من عتْمة الغريزة البشريّة صوبَ نور الإنسيّة فيك تلكَ التي تمنحُكَ كرامةَ أن تكونَ في جوهرِكَ أنتَ كإنسان مُتفرِّد الوجود لكي تصنع الحياة الأبهى والأجمل للإنسانيّة جمعاء".

التعارف الإنساني

في ضوء هذه الرؤية، يضمُّ هذا الكتاب مقدمة وستة فصول، في الأول منها نظر في صميم الرؤية القرآنية للإنسان فيدرسها من خلال أربع زوايا هي: المكانة الأنطولوجيّة للإنسان، وأصالة الإنسان في الوجود، والحرية الإنسانية، والتعارف الإنسي؛ فالقرآن الكريم جعل للإنسان مكانة أنطولوجيّة راقية في الوجود مقارنة بغيره من الخلائق، وجعل الله وجود الإنسان أصيلاً تكفله حريته التي وهبها الله له في الحياة، ولم تجعل الرؤية القرآنية الإنسان وحيداً في الوجود منقطعاً عن غيره؛ بل يعيش مع غيره من الناس بالتراحم والإخاء والتواصل، ورسم له طريق التعارف الإنساني مع نظرائه من البشر بحسب الآية الكريمة 13 من سورة الحجرات: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)؛ ولذلك يقترح المؤلِّف مصطلح (الإنسية الإسلامية) = (Islamic humanity) للتعبير عن الرؤية القرآنية في هذا المجال، وهي رؤية حاول الاستشراق السلبي الذي يضمر كرهاً للإسلام طمس معالمها في خلال قرون طويلة عندما راح يتسلّح بنظريات تشوّه الرؤية القرآنية للإنسان، ومنها نظرية التمركز العرقي القائمة على تفضيل عرق معين على غيره، ونظرية التمركز الغربي التي تعتقد بتفوق الغرب على الشرق، ومنهم العرب والمسلمين، وكذلك نظرية التمركز الديني اليهودي والمسيحي مقابل الدين الإسلامي.

وفي هذا الإطار، وفي الفصل الثاني يعود الدكتور رسول محمد رسول إلى جذور النزعة الإنسانية في القرن الأول الهجري ليتوقف عند واحدة من مقولات هذه النزعة الأصيلة في الإسلام، متمثلةً بما قاله أمير المؤمنين وخليفة المسلمين الرابع علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، في سنة 37 هجرية بأن الرعية صنفان "إما أخٌ لكَ في الدين وإما نظيرٌ لكَ في الخلق"، وهي المقولة التي تُعلي من شأن الإنسان في الوجود بوصفه إنساناً وليس لوناً أو عرقاً أو ديناً، فاليهود والمسيحيون والمسلمون هم قبل كُل شيء بشر، وواحدهم إنسان، وجميعهم نُظراء لغيرهم في الملة الإنسانية.

جذور الأنسنة

وهذه الرؤية الإسلامية التأسيسية في احترام الإنسان التي تعود إلى القرن الأول الهجري لا بد من العودة إليها لأنها تمثل جزءً مشرقاً من تراثنا العربي الأصيل لكونها تحترم الإنسان كقيمة عُليا تقف ضد كُل النزعات التي تميز الناس على أسس عرقية أو دينية أو مذهبية أو مناطقية؛ ولذلك يتابع الدكتور رسول تطوّرات الفكر الإنسي الإنساني المشرق، فيقف عن رؤية المفكِّر الفلسطيني الراحل إدوار سعيد في كتابه (الأنسنية والنقد الديمقراطي) ليستجلي فلسفته في الأنسنة عبر حقل العلوم الإنسانيّة، وهي تجربة تحاكي فكرة أصالة الإنسان كإنسان بعيداً عن الرؤية الجهويّة التي تحصر الموجود الإنساني في لون البشر أو عرقه أو منطقته أو دينه أو مذهبه؛ فالأنْسنيّة تعني أن الإنسان هو الموجود في كُل مكان، وأنَّه موضوع العلوم الإنسانيّة المتاحة على نحو مُمكن والتي لا تحدّها جغرافية، ولا يحدّها عرق أو لون أو دين أو مذهب. وبهذه المعاني والدلالات يُجيب إدوارد سعيد عن سؤال: ما هي الأنْسنيّة؟

وبالتالي يتوقف عند رؤية المفكِّر التونسي عبد الوهاب بوحديبة عبر كتابه (الإنسان في الإسلام) الذي ذهب فيه إلى أن الإنسان لا يبدو أمام الله مُجرد كائن مُهمش الوجود، فقبالة النظام الإلهي يوجد النظام الإنساني، ولذلك تمر معرفة الله بمعرفة الإنسان؛ ولذلك يعتقد بوحديبة أن الحضارة الإسلامية بُنيت على أسس كانت بالضبط ذات طابع إنسي في جوهرها، ولا يجد تقاطعاً حاداً بين المطلق الدِّيني والكينونة البشرية؛ فالمسيرة الإسلامية هي إنسانية مفرطة في الإنسانيّة حتى لو ارتكزت على المُطلق المؤسِّس لها. ولذلك ليس الإنسان في الإسلام كائناً لله فحسب؛ بل هو أيضاً كائن لذاته.

ويأخذنا الدكتور رسول إلى المفكِّرة الفرنسية جوليا كرستيفا ليستطلع رؤيتها في الأنسنية، لا بما أنها تمارس الهروب إلى الأنا الأوروبية - الغربية، هذا الهروب الذي سيجد معادله المضموني في تساؤلها عن ماهية الإنسيّة التي ترى فيها مجرد حدث تشكَّل ضمن سياق التراث الأوروبي اليوناني اليهودي والمسيحي، وهو الحدث الذي لا يفتأ يعد ويخلف وعده، ويُعيد تأسيس نفسه باستمرار.

العُنف والمقدَّس

في الفصل الرابع يناقش المؤلِّف إشكالية توظيف المقدَّس الديني في بناء أنظمة للعنف الدموي، ويتصدى لنقد الفاهمة التأويلية المعاصرة للمقدس الديني من خلال عناوين عدة هي: الفتك الجماعاتي باسم المقدس الديني، والتساؤل عن الإنسان فيما إذا كان إنسان له كرامته في الحياة أم مجرد وليمة آثمة يستحق القتل، ويتساءل أيضاً عن طبيعة العنف الذي تمارسه جماعات الفتك باسم المقدس الديني هل هو مقدس ديني أم عنف ميتافيزيقي؟ ومن ثم يتوقف عند تجربة سبي النساء الأيزيديات من جانب فصائل تنظيم داعش في شمال العراق، ويركِّز على تحليل صور ما جرى في الفلوجة والموصل من هتك لكرامة المرأة العراقية، ويرى المؤلِّف أن الخروج من هكذا أزمة إنَّما يبتغي التحوُّل من إرادة التوحُّش إلى إرادة التعارف الإنسي، وهو ما سيتطلَّبُ منّا جميعاً، خصوصاً الباحثين والمفكرين والمؤسسات البحثية ومراكز الدراسات العربية:

1. تحديد مفهوم دلالة "المقدَّس"، وكذلك دلالة "المقدَّس الدَّيني" على نحو اصطلاحي واضح، وتجديد قراءتهما وفقاً لتجارب راهنة، ليس بعيداً عن الرؤية الدِّينية الإسلامية ومنظومة الحديث النبوي الشريف، فضلاً عن منظومة الفكر الإنسي الدُّنيوي المسالم. وترانا في صدر هذا البحث اقتبلنا على هكذا مَهمة ذات طابع معارفي أو إبستمولوجي.

2. الاتفاق، عربياً وإسلامياً، على دلالة مصطلح "العُنف تحت راية المقدَّس الدَّيني" أو "العُنف الدِّيني" أو "العُنف المقدَّس".

3. استقراء حالة الذهنيَّة التدميرية لدى هذه الكائنات الرعاعيَّة من الإسلامويين المتطرفين (Ex - Islamists) الذين يقرأون المقدَّس الدِّيني كوسيلة منفعيَّة أهوائية لتصريف غرائز الشر الثاوية في نفوسهم وهم يقتلون الناس جهاراً؛ بل والدخول إلى صميم تلك البنية الغرائزية التي تُحرّك أتباعها وعمّالها صوب الفعل التدميري مزدوج الوظيفة "قاتل ومقتول في آن واحد".

4. إن الإسلاموي المتطرِّف الذي يتخذ من المقدَّس الِّديني الإسلامي وسيلة غطاء لممارسة العُنف الدَّموي قد يكون من نخبة متعلِّمة، لكن ذلك لا يمنع من أن يكون مُعاشه العُنفي الذي ينطلق به ومنه تعبيراً عن إرادة غرائزية عمياء لقتل الناس بما يجعل - الإسلاموي المتطرِّف - كائناً بشرياً من الصنف الرعاعي الغرائزي؛ صنف ذلك الحشد الهائج ببصيرة عمياء تدفعه بهيميَّة كينونته إلى مُمارسة العُنف الدَّموي بحق الناس من دون حياء يحفظ للناس حتى آدميّتهم.

وما هو مؤسف، في هذا السياق، أنّنا في الوطن العربي والعالَم الإسلامي، غير مُهتمين بدراسة سيكولوجية هؤلاء بوصفهم حشداً رعاعياً، فكم نحن بحاجة إلى التركيز على قراءة سلوك أصحاب العُنف تحت راية المقدَّس، لا سيما في الجزائر، والعراق، وسوريا، وتونس، وليبيا، ومصر، واليمن، وفي بقيّة دول منطقة الخليج العربي، ناهيك عن مناطق الصراع المذهبي والدِّيني بالعالَم.

5. ضرورة دراسة أدبيّات العُنف، لا سيما أدبيات التوحُّش الإسلاموي تلك التي تتوسَّل المقدَّس الدِّيني منهجاً نظرياً وسبيلاً عملياً في أوطاننا وغيرنا؛ بل تخصيص ورش تحليلية مجهريَّة لما تريد قوله هذه الأدبيّات وما تستتبعه من أعمال عُنف شائنة على الصعيد لميداني، خصوصاً وقد بات عنف هذه الثلة المتطرِّفة توحّشاً يتخذ ظاهرة عالمية.

6. التسويغ المعرفي والفلسفي المبُرَّر لمفاهيم مضادّة للمفاهيم التي تنسج رؤية هؤلاء المتطرِّفين للعُنف الدِّيني المقدَّس - بحسب خطاب الجماعات الإسلامويَّة الجذريَّة نفسها - ومن ذلك إشاعة ثقافة الفهم التحديثي، والفهم التعميري، والفهم العمراني، والفهم التمديني، والفهم المدني، والفهم الإصلاحي المثمر، والمقدَّس السلمي، ومقدَّس اللا - عنف، ومُعاش الهوية الإنسيّة التواصلية المشتركة، وكُلها لبنات أساسية لاستراتيجية التحوُّل الحقيقي من إرادة التوحُّش صوب التعارف الإنسي المُسالم. لعلَّ المطلوب منّا كمفكِّرين، ومثقَّفين، ونُخب عُلمائيَّة، وفُقهائيَّة، وتقانيَّة، ومهنيَّة عسكريَّة أو مدنيَّة، هو أن نكرِّس ونؤصِّل مُعطيات المفاهيم الإنمائية التي ترفع من شأن الإنسان والحياة الآمنة كقيمة نادرة الوجود في وعي أجيالنا المعاصرة، ونؤصّلها في دراساتنا الثقافية والفكرية والفلسفية والعِلمية والدِّينية والمجتمعية، وندعو لها في داخل جامعاتنا ومعاهدنا ومدارس تعليمنا الأوليّ والثانويّ والمتقدِّم وخارج أسوارها على نحو مستفيض حتى لو تطلَّب ذلك منّا عملاً مؤسساتياً واسعاً - محلياً وعربياً ودولياً - فذلك بالتأكيد أنجع وأجدى.

7. إحياء مَفهمة "الإنسيّة الإسلاميّة" بكُل ما لها من عقلانية تحتفي بجوهر الإنسان الإنسي عبر تشخيص الرؤية القرآنيّة لمفهوم الإنسان في المقدَّس الدِّيني الإسلامي، إلى جانب دلالات ذلك في منظومة الحديث النبوي الشريف، وكذلك في خطابات الخلفاء الراشدين، مثلما أقبلنا على ذلك عملياً في دراسة سابقة لنا مخصوصة بهذا الشأن.

8. توسيع مَفهمة "التعارف الإنسي" بوصفه دالاً مقدّساً موجَّهاً صوب المجموع الإنسي استناداً إلى ما ورد في (سورة الحُجُرات/ 13) لتقف دلالته على التضاد من مفاهيم التصادم الحضاري أو الثقافي أو الدِّيني أو العرقي أو المناطقي، وكذلك على التضاد من كُل مفاهيم المركزيّات الاستعلائيَّة في الغرب والشرق، ناهيك عن مفاهيم التكفير والإبادة الجماعية تحت مُسميات دينيّة فقهائيَّة ظلاميَّة.

الإنسانية المأمولة

وفي الفصل الخامس ينصرف المؤلِّف إلى دراسة الإنسية المأمولة.. نحو رؤية مغايرة في المشترك الإنساني الذي يراه حلاً جذرياً لكثير من المشكلات، ويقترح في هذا المجال مجموعة من المبادئ، هي: مبدأ الإنسان كإنسان، ومبدأ نظيريّة الخلق، ومبدأ الهويّة الإنسية، ومبدأ التعارف الإنسي.

أما في الفصل السادس الذي حمل عنوان الكتاب (هيّا إلى الإنسان) فينصرف الدكتور رسول فيه إلى تفكيك شرانيّة الوصاية واحترام العبقرية الذاتية للإنسان في الوجود، والتواصل مع التراث البشري كتجربة إنسانية مشتركة بين الناس وعبر التأريخ،  والتعويل على المثقف العربي في دوره الذي يجب أن يقوم به وهو إحياء مبدأ التعايش بين الناس، ومن ثم إحياء مبدأ التسامح بين أبناء المجتمع، وكذلك تجديد دور المثقف والمفكِّر والفيلسوف، خصوصاً في مواجهة التطرّف الذي استشرى في حياتنا الراهنة.

بهذه الفصول الستة التي يضمّها هذا الكتاب، نلاحظ أن الدكتور رسول محمد رسول يقدم للقارئ رؤيته الفلسفية التي تحتفي بالإنسان بوصفه إنساناً أصيلاً في الوجود، وهي رؤية إنسانية مفتوحة على القيم الأصيلة التي تدعو لها الأديان السماوية والشرائع الإنسانية السمحاء، والمبادئ الإنسية الراقية والخالية من الكراهية والعنصرية بكل أشكالها، كما أنها وهي رؤية قائمة على وعي فلسفي نقدي يحتاجها العقل الإنساني والعربي المعاصر في ظل التحديات التي تواجه الإنسان المعاصر في حضارتنا الراهنة.


عدد القراء: 367

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-