طلعت باشا: أبو تركيا المعاصرة، مهندس التطهير العرقي

نشر بتاريخ: 2018-09-25

المحرر الثقافي:

الكتاب: "طلعت باشا: أبو تركيا المعاصرة، مهندس التطهير العرقي"

المؤلف: هانز لوكاس كيزر

الناشر: دار جامعة برينستون للطباعة

عدد الصفحات: 552 صفحة

تاريخ النشر: 26 يونيو 2018

الرقم المعياري الدولي للكتاب: ISBN-10: 0691157626

كبداية، هي أول سيرة ذاتية باللغة الإنجليزية عن هذا السياسي العثماني الذي لم يسمع به من قبل خارج تركيا.

طلعت باشا (1874-1921) كان آخر زعيم قوي في الإمبراطورية العثمانية والمعروف أيضًا باسم بسمارك تركيا، وبينما كان له الفضل وراء الإبادة الجماعية للأرمن، حينما أرادوا السعي وراء حلمهم بالحرية على أنه "عنصر دائم في التخريب للدولة السامية" ، وبالتالي فقدوا حقهم في الوجود.

هذا الحساب المفصل المدروس جيدًا عن حياته يعيد تأسيس طلعت باشا كشخصية رئيسية خلال العقود الأولى من القرن العشرين. رجل عصامي جاء من عائلة من الطبقة الدنيا المتوسطة في أدرنة، ولم يصبح طلعت باشا الشخصية الأولى للإمبراطورية العثمانية فحسب، بل هو أيضًا والد تركيا الحديثة.

الفكرة الرئيسة التي يطرحها المؤرخ هانز لوكاس كيزر في هذا الكتاب هي إطلالة على الحقبة التي سبقت ظهور مصطفى كمال (أتاتورك) الذي يشار إليه باعتباره مؤسس الجمهورية التركية، كيث أن كل من أسّسوا الأمة التركية المعاصرة قد قتلوا على أيدي طلعت باشا، الذي نشأت الجمهورية الجديدة بفضل مساعيه وجهوده.

طلعت باشا الذي كان آخر وزير مهمّ من حزب جمعية الاتحاد والرقي، والذي وُلد عام 1874، قد قُتل رميًا بالرصاص في برلين على يد سوجومون تهيلريان عام 1921. وبناء على طلب من الرئيس التركي عصمت إينونو، أعاد الزعيم النازي أدولف هتلر رفات طلعت باشا إلى إسطنبول في الخامس والعشرين من فبراير عام 1943.

بعد أربع سنوات وأربعة أشهر من وفاة مصطفى كمال أتاتورك، أُعيد رفات طلعت باشا إلى البلاد مرة أخرى. وفي مراسم كبرى حضرها جميع رجال الدولة، ووري الثرى في مدافن آبين-آي حريت، التي تعرف أيضًا باسم النصب التذكاري للحرية، في إسطنبول.

بين رجال الدولة المرموقين في الجمهورية الوليدة الذين حضروا مراسم دفن رفات طلعت باشا كان العديد من المسؤولين الذين سبق له العمل معهم وساهم في صعودهم.

وبوصفه زعيمًا لجمعية الاتحاد والترقي، كان محمد طلعت مهندس السياسات المدمرة تجاه الأرمن، فوضع خطط تهجيرهم وإبادتهم، والقضاء على ثفافتهم وأسس إرثهم الاقتصادي، وصبغ الأناضول بصبغة تركية كاملة من خلال استراتيجية تغيير التركيبات العرقية.

من بين الأشياء التي لم تحظ بقدر كاف من الدراسة في الأدب الذي ساد في المراحل الأخيرة من عمر الإمبراطورية العثمانية وبدايات الجمهورية التركية نجد السير الذاتية لرجال دولة لعبوا دورًا نشطًا وجوهريًا خلال تلك الحقبة.

يشرح كيزر كيف استمد الأعضاء المؤثرون من اللجنة المركزية لحزب جمعية الاتحاد والترقي، الذين كانوا ضمن حركة وطنية تركية، الإلهام من أيدولوجيا قومية أوجدها المفكر والكاتب البارز ضياء كوك ألب.

يضيف كيزر أن أفكار كوك ألب وعقيدته القومية التركية، التي أكدت على وحدة الشعب مع الأصول المنحدرة من آسيا الوسطى، كان لها دور مؤثر للغاية على طلعت.

ويتناول الكتاب بالتفصيل السبل التي نجح طلعت من خلالها في الحشد لهذه الأفكار خلال حروب البلقان وكذا في الحرب العالمية الأولى.

ويقول كيزر إن طلعت أصبح مهووسًا بأفكار الإمبراطورية والأمة، التي كانت بمثابة مظلة مركزية لمفكري اليمين المتطرف في أوروبا خلال القرن العشرين.

ومع تفكك نسيج الإمبراطورية، مُنيت الطموحات الإمبريالية لدى طلعت باشا لانتكاسة عرقلتها، ووضع بدلاً من ذلك الأسس التي تضمن تمتع الأناضول بخيارات أفضل في ظل حكم الأتراك.

ثمن هذه الأفكار كان إقصاء أبناء المجتمعات المسيحية في الأناضول.

خصص كيزر قسمًا كبيرًا في كتابه لمناقشة كيف نُفذت استراتيجية الإقصاء هذه في الكثير من الولايات في الأناضول بناء على أوامر من طلعت باشا وبأيدي حكام عيّنهم هو بنفسه.

رسم كيزر لطلعت باشا صورة حيوان سياسي من الشرق الأوسط، ووصف دوره في أروقة حزب جمعية الاتحاد والترقي، وكيف نجح في إدارة مجموعات داخل الحزب، واستفاض في بيان تأثيره في عملية صنع القرار، والمناصب العديدة التي شغلها ومهاراته في المناورة.

وضع المؤرخ الشهير طلعت باشا وممارساته السياسية في سياقها التاريخي.

في الحقيقة، وصل الأمر بكيزر إلى حد القول إن طلعت باشا كان الزعيم الأكثر نفوذًا في الشرق الأوسط في مطلع القرن العشرين.

يؤكد كيزر على أن طلعت قاد الإمبراطورية العثمانية منفردًا بدرجة كبيرة خلال الفترة بدءًا من عام 1913 وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى، وأنه وقّع على أكثر القرارات السياسية حساسية.

من خلال تسليط قدر كبير من الضوء على تأثير ضياء كوك ألب والأيدولوجيا الخاصة به على طلعت باشا، يقول كيزر إن طلعت باشا كان كمن يقدس كوك ألب، وإن أفكاره العلمية قد سيطرت على اللجنة المركزية سواء وهم يتخذون قرارات بشأن مصائر الأقاليم الشرقية، أو يناقشون ما يتعلق بالإصلاحات، أو يسعون لحل "المشكلة" الأرمنية.

أحد أكثر أجزاء الكتاب تشويقًا الإشارات التي خُصصت لطلعت باشا في مذكرات جاويد بيه، الذي استقال من اللجنة المركزية بعد أن قررت الإمبراطورية العثمانية التخلي عن سياسة الحياد ودخول الحرب العالمية الأولى إلى جانب المانيا.

يذكر جاويد بيه كيف كذب طلعت باشا على مجلس الوزراء بشأن ذريعة دخول الحرب، وهي الهجوم على سفن روسية في البحر الأسود من قبل سفن ألمانية ترفع أعلامًا عثمانية، لكن طلعت باشا ورغم الانتقادات، وفقًا لرواية جاويد بيه، فعل هذا ليؤدي واجبه المقدس في خدمة وطنه.

دائمًا ما تظهر خطب طلعت باشا عن الوطنية وحماية الأمة وإنقاذها وخدمة الوطن في مذكرات حزب جمعية الاتحاد والترقي. بل إن هذه الأفكار هي المؤسسة لمبادئ الحزب وأيديولوجياته.

غير أن هذه الخطابة والكلمات الرنانة مثلت أيضًا استراتيجية لإخفاء سياسات حزب جمعية الاتحاد والترقي تجاه اليونانيين والأرمن ووضعها في سياق طبيعي.

يؤكد كيزر في كتابه على أن طلعت باشا، بعد دخول الإمبراطورية العثمانية الحرب العالمية الأولى في نوفمبر عام 1914، قد أنشأ نظامًا دكتاتوريًا في العاصمة، وأوضح كيف أصبح مصير الدولة بين يديه.

ومن خلال تناوله لممارسات طلعت باشا، قدم كيزر تقييمات صادمة للحزب السياسي لجمعية الاتحاد والترقي وعالمه السري.

يحلل كيزر مدى التعقيد في المؤسستين، والرؤى المتضاربة في كل منهما، والتحالفات والخلافات بفارق ضئيل.

يفسر المؤرخ نجاح طلعت باشا واستمرار نظامه بفطنة الرجل ومرونته في المراوغة والمناورة وسط نظام معقد.

ويدفع كيزر بأن طلعت باشا في هذا السياق كان أكثر صرامة من الطغاة الذين برزوا بعد ذلك في أوروبا، وبأن طلعت باشا لن يتصرف دون دعم من جمعية الاتحاد والترقي.

ونتيجة لذلك، تمكن طلعت بسهولة من تعيين طاقم موظفين لتنفيذ أوامره وتوجيهاته، خاصة وهو يستهدف الأرمن بسياسات من قبيل مصادرة الممتلكات والتهجير والإبادة.

يقبل كيزر بفكرة أن الفضل في مشروع الجمهورية كان لمصطفى كمال أتاتورك، لكنه يشرح بالتفصيل كيف مهّد طلعت باشا الطريق لإنشاء الدولة التركية.

فحتى أقرب المقربين من أتاتورك، مثل يونس نادي، لم يترددوا في الاعتراف بأن الجمهورية التركية كانت نتاج الإرث الذي تركه طلعت باشا وجمعية الاتحاد والترقي. وفي الحقيقة، فإن هذا الإرث لا يزال مستمرًا حتى يومنا هذا.

يتحدث كتاب كيزر عن بقاء شبح طلعت باشا مؤثرًا في السياسات التركية، فأوجه الشبه واضحة بين المجموعات القومية التي تهيمن على المشهد السياسي التركي في الوقت الحالي وجمعية الاتحاد والترقي.

نظرت جمعية الاتحاد والترقي إلى الإسلام باعتباره تاليًا للقومية التركية، لكن قوميتهم العلمانية التركية كانت تضم الإسلام أيضًا بكل تأكيد.

لا تزال هذه النظرة العالمية تسيطر على تركيا اليوم. وللأسف، فإن هذه الأرض لم تطرح أبدًا نظرة عالمية مختلفة، فكل من حمل رايات تيارات اليمين واليسار والليبرالية قدموا فهمهم الخاص لنفس هذه النظرة العالمية الجافة.

من خلال تقديم تاريخ طلعت باشا، يرسم هذا الكتاب القيّم صورة لواحد من المؤسسين، ويصوّر كذلك عضو اعتبر مثاليًا في لجمعية الاتحاد والترقي.

المؤلف:

هانز لوكاس كيزر مؤرخ لأواخر الدولة العثمانية وتركيا، وأستاذ التاريخ الحديث في جامعة زيورخ ورئيس مؤسسة أبحاث سويسرا وتركيا في بازل. نشر العديد من الكتب منها "الحرب العالمية الأولى ونهاية العثمانيين: من حروب البلقان إلى الإبادة الجماعية الأمريكية".


عدد القراء: 257

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-