نظام التفاهة: محاولة لفهم وجود بعض النظم الاجتماعية التافهة

نشر بتاريخ: 2020-09-04

المحرر الثقافي:

الكتاب: "نظام التفاهة"

المؤلف: آلان دونو

المترجم: مشاعل عبد العزيز الهاجري

الناشر: دار سؤال

تاريخ النشر: 2019

عدد الصفحات: 366 صفحة

التفاهة - على عكس ما تحيل إليه - مسألة جدّية بامتياز، هكذا يُخبرنا عالم الاجتماع الكندي آلان دونو (1970)، فالتغاضي عنها يعني في ما يعنيه تسليم البشرية إلى مصير كارثيّ؛ إنها مسألة حياة أو موت بالنسبة للمجتمعات المعاصرة. الإشكالية ببساطة تتمثل في أن النظام السائد في العالم قد أدّى إلى سيطرة التافهين على مواقع أساسية من الخريطة الاجتماعية؛ يكفي أن تنظر حولك لترى هؤلاء وقد اخترقوا السياسة والإعلام والفن، وهو واقع يصفه دونو بالقول: "لقد تشيّدت شريحة كاملة من التافهين والجاهلين وذوي البساطة الفكرية وكل ذلك لخدمة أغراض السوق بالنهاية".

قدّم الباحث الكندي هذا الطرح في كتاب بعنوان "نظام التفاهة" صدر بالفرنسية سنة 2015، ويمثّل أحد أشهر الكتب الفكرية التي أُنتجت في العقدين الأولين من القرن الجاري. مؤخراً، صدرت النسخة العربية من الكتاب عن "دار سؤال" بترجمة مشاعل عبد العزيز الهاجري التي تشير في تقديمها إلى أن فكرة الكتاب الأساسية هي محاولة فهم أسباب وجود هذه النظم الاجتماعية والسياسية والتي باتت تكافئ التفاهة والرداءة على حساب الجدية والجودة. وتقول الهاجري: "كفاني المؤلف مؤونة أن أدبّج كتاباً مكرّساً لنفس القضية التي تشغلني وأعفاني من إعادة اختراع العجلة".

وإذا كانت أطروحات الكتاب مما بات مألوفاً التطرّق إليه في السنوات الماضية، فإن ذلك يعني أن شهرته استندت إلى عوامل أخرى غير أفكاره. ومن بين أسباب النجاح هذه أسلوبُ الكتابة المتميّز بالظُرف، حيث يقيم دونو طروحاته على لمعات من سياقات مختلفة وليس على بناءات منطقية وتاريخية. وما يميّز الأسلوب خصوصاً طبقة الصوت التي اتخذها المؤلف والتي توحي بالندية بينه وبين قارئه، على الرغم من ذلك لسنا حيال كتاب سطحي اللغة أو المحتوى ولا ينبغي له ذلك وهو الذي يتصدّى لانتقاد التفاهة، ولا نحن أيضاً حيال عمل علميّ بلغة متينة صلبة، وبين هذا وذاك يقيم دونو عمله على معرفة موسوعية - تبقى قريبة من متوسّط الثقافة - يمزجها بروح ساخرة هي خليط بين المثالية والنقد.

نظام التفاهة

ولعل استهلال الكتاب يضرب مثلاً عن هذا الخيار الأسلوبي، يقول دونو: "لا تقدّمْ لنا فكرة جيّدة من فضلك، فآلة إتلاف الورق ملأى بها سلفاً (...) لقد تغيّر الزمان فلم يعد هناك اقتحام للباستيل أو شيء يقارن بحريق الرايشتاغ، كما أن البارجة الروسية أورورا لم تطلق رصاصة واحدة باتجاه اليابان ومع ذلك فقد تم شن الهجوم بنجاح: لقد تبوّأ التافهون مواقع السلطة". هكذا يعلن دونو عن انقلاب قوامه المحاصرة التدريجية لمختلف جوانب الحياة ومن ثم الانقضاض على مفاصلها.

يشرح دونو كيف يتمّ ذلك من خلال توضيح كيف جرى هزّ معايير الكفاءة، حيث يشير إلى أن تحصيل التافهين لمواقع لأي سبب من الأسباب يجعلهم يبحثون على أشخاص تافهين لتحصين موقعهم، وعلى أساس هذا التخوّف على الموقع تُبنى بالتدريج شبكة من التافهين تحصّن فيها كل نقطة بقية النقاط في الخريطة الاجتماعية، ومن ثمّ إسباغ التفاهة على كل شيء.

يضرب المؤلف هنا أمثلة شتّى من التربية إلى الاقتصاد مروراً بظواهر العنف والفساد التي تخترق النخب، مركزّاً على تشريح وضعيات في المجال الثقافي-الإعلامي، كتسليطه الضوء على الإشاعات المعرفية المغلوطة التي تقدّمها القنوات التلفزيونية، أو أثر الأخبار الفضائحية في عدة جرائد والتي تجعل الناس غير قادرين على توقع أي شيء؛ فنظام التفاهة كي يستتبّ الأمر له بحاجة إلى شعور عام بأن لا شيء يقع، وهو ما يؤدّي إلى عدم الانتباه لفكرة التقلّب التاريخي ودخول حالة من التشابه الزمني وعدم الحاجة إلى أشخاص بارعين ومتفوقين، وهي وضعية تشبه ذبذبات القلب حين يمرّ الأخير إلى حالة الموت.

لكن من هو التافه بالنسبة لدونو؟ ربما علينا هنا الانتباه إلى فروقات انتقال المفاهيم بين اللغات، فالباحث الكندي اعتمد في عنوانه مفردة مركّبة Mediocratie يمثل "نظم التفاهة" خياراً ممكناً لا يقصي فرضيات أخرى، ومنها مثلاً سلطة أو سيطرة المتواضعين، فالمفردة منحوتة من كلمة Mediocre (المتواضع، هزيل المعرفة، التافه) وCratie المستعارة من اليونانية القديمة وتعني السلطة. لكن دونو يقف على معنى فريد فكلمة Mediocre - التي باتت تفيد ما هو سيئ - سليلة جذر يشير إلى معاني التوسّط، وبذلك فإن المتواضع والتافه هو المتوسط أي ذلك الذي لا يلمع في أي مجال، بعبارة شائعة اليوم، هو ذلك الذي هو بلا موهبة.

ظهر هذا النموذج كإفراز اجتماعي تحوّل إلى شريحة قائمة بذاتها بدءاً من القرن التاسع عشر، بحسب دونو، فقد حدث ذلك بموازاة تعميم منطق المصنع في إدارة كل شيء في الحياة. يقول: "ساهم تقسيم العمل - اليدوي والفكري - في ظهور السلطة التافهة. إن إجادة مهمّة لجعلها نافعة لمنتج نهائيّ لا أحد يعرف ما هو، هو ما ساهم في ظهور خُبراء فارغين".

مثل الفارابي في إحصائه لأنواع المدن، يعطينا دونو خمسة نماذج لشخصيات يحبذها نظام التفاهة وبالتالي يحرص على إنتاجها وإعادة إنتاجها: وهي الكسير (ذلك الذي يرفض النظام بالانسحاب)، والتافه بطبيعته (يحبّ أن يصدّق النظام)، والتافه المتعصّب (الباحث عن حظوة ضمن هذا النظام وبالتالي المدافع عنه، فكل تهديد لنظام التفاهة هو تهديد لوجوده)، والتافه رغماً عنه (تُسخّره الواجبات لخدمة نظام التفاهة من إعالة الأبناء وبلوغ مواقع اجتماعية وتحقيق إشباعاته...)، وأخيراً الطائش (ينتقد هذا النظام وهو في الحقيقة يكرّسه، ولذلك يعتبر دونو هذا النموذج شرط التفاهة). قد نخمّن ونحن نقرأ تصنيف دونو: ما أصعب أن يفلت أحد من المعاصرين من بين هذه النماذج الخمسة.

وخصصت الدكتورة الهاجري فقرة حول "الشبكات الاجتماعية" و"نظام التفاهة" ذكرت فيها أن "الشبكات الاجتماعية ومواقع التواصل (مثل تويتر وفيسبوك وإنستغرام) هي مجرد مواقع للقاء الافتراضي وتبادل الآراء لا أكثر، فيها يتكون عقل جمعي من خلال المنشورات المتتابعة. هذا الفكر التراكمي السريع الذي يبلور وبسرعة وبدقة موضوعاً محدداً نجح في اختصار مسيرة طويلة كان تبادل الفكر فيها يتطلب أجيالاً من التفاعل (المناظرات والخطابات والمراسلات والكتب والنشر والتوزيع والقراءة والنقد ونقد النقد). ورغم كل هذه الفرص؛ فقد نجحت هذه المواقع في ترميز التافهين؛ كما يُقال، أي تحويلهم إلى رموز، ما يجعل من كثير من تافهي مشاهير السوشيال ميديا والفاشينيستات يظهرون لنا بمظهر النجاح، حتى اختزلها في المال فقط، فلم يبق إلا عليه وحده معياراً".

يختم الباحث الكندي العمل بمقطع ذي نغمة ابتهالية: "أنا النكرة المسكين ما الذي يمكنني عمله؟"، يجيب دونو وكأنه يجسّد دور هاتف سماوي: "توقّف عن السُخط والعمل على خلق توليفة من القضايا الوجيهة. كن راديكالياً". لعلّ هذ الدور الذي يقترحه دونو على الإنسان المعاصر رهانٌ يستحقّ أن يكرّس الناس حياتهم لها، وإلا فالبشرية مُقدِمة على عالم ضيّق وبلا أفق. 


عدد القراء: 334

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-