معارض الكتاب وصناعة النشر


هناك شريحة واسعة من محبي الكتاب الورقي يرون أنه لا غنى لهم عن ذلك الكتاب في رحلاتهم وإجازاتهم التي يقضونها في مختلف بقاع العالم، بل إن هناك شريحة واسعة ترى أن الكتاب الورقي يقضي على الملل والسأم في الرحلات الطويلة ويساهم في قضاء وقت ممتع قبل الوصول إلى الوجهة المحددة في السفر.

ومازال الكثير من القراء يفضل استخدام الكتاب المطبوع، والإحساس بملمس الورق ورائحة الحبر.

تعد معارض الكتاب في الدول العربية، فرصة حقيقية لتلاقي الأفكار وتبادلها، ويحفل العالم العربي بالمعارض التي يشارك فيها أهم الكتاب والمثقفين العرب بالإضافة إلى أهم دور النشر ومؤسسات الإنتاج الثقافي.

وكذلك المؤشر المساعد في قياس الحالة الثقافية والأدبية التي تعيشها و تمر بها أي أمة، وهو كذلك انعكاس لحركة التأليف والنشر والتوزيع.

يُعد معرض الكتاب مقياسًا مهمًّا لدور النشر وتوزيع الكتاب، ومعرفة كل دولة باهتمامها بالكتاب، الذي يساعدهم على التفكير بالخوض أو المشاركة فيه من عدمه. فالأمة التي تقرأ وتهتم بالقراءة، نجدها تهتم بكل ما من شأنه المساعدة في ذلك، كالاهتمام بصناعة القراءة، على سبيل المثال، وما تتطلبه هذه الصناعة من أدوات وعمليات وخدمات عرض وتسويق، ولا شك أن ذلك يساعد أفرادها في الانخراط في (مجتمع اقرأ لتتعلم)!

وولدت فكرة إقامة معارض الكتب من رؤيتين، الأولى اقتصادية وتقوم على تضييق المساحة الجغرافية أمام طالب الكتاب والباحث عن الجديد في عالم الثقافة، ومن ثم إتاحة الفرصة أمام الناشر لعرض جديده أمام أكبر شريحة ممكنة من الناس.

والثانية ثقافية، فتبدع جوًّا من التفاعل الفكري أولا بين رواد المعرض، وبأنه يشكل منبرًا مفتوحًا على كل الثقافات، فتظهر الإبداعات الأدبية بكل مجالاتها الشعرية والروائية والنقدية والفكرية والسياسية والعلمية، فيقدم نتاجات النخب المخضرمة مع الأجيال الصاعدة في هذه المجالات.

إلا أن هناك عقبات تواجه إقامة مثل هذه المعارض، إذ لا يزال المجتمع العربي يضع تصورًا تقليديًّا لفكرة تنظيم المعارض، من خلال التركيز على هدف استقدام القراء وبيع الكتب، في حين أن معارض الكتب في الغرب تجاوزت ذلك وأوكلت هذه المهمة للمكتبات.

البداية من بيروت ..

بيروت كانت البداية والرائدة في إقامة هذا النوع من المعارض حين انطلق النادي الثقافي العربي من عام 1956 بأول معرض للكتاب في بيروت والثاني على مستوى العالم العربي بعد معرض القاهرة.

وبادر النادي الثقافي العربي حينها إلى إقامة المعرض من خلال رسالته الثقافية والقومية التي أنشئ على أساسها النادي لـ(تعالج من منبره قضايا ثقافية واجتماعية تهم المجتمع وتتصدى للهجمات التي تتعرض لها المجتمعات العربية من إسقاطات ثقافية تنشئ إشكاليات فكرية في أوساط الشباب العربي).

وقد قامت إدارة المعرض في سنواته الأخيرة بإدخال فعاليات جديدة عليه كل سنة كإقامة الندوات الفكرية واللقاءات الثقافية والأمسيات الشعرية، وحفلات التوقيع التي تشمل تقريبًا كل الأجنحة لتقديم المؤلفات الجديدة بتواقيع أصحابها.

أما معرض القاهرة الدولي فيعد من أكبر معارض الكتاب في الشرق الأوسط، وقد بدأ في عام 1969، وحينها كانت القاهرة تحتفل بعيدها الألفي، فقرر وزير الثقافة ثروت عكاشة الاحتفال بالعيد ثقافيًّا، فكان بإقامة أول معرض للكتاب.

وجرت العادة به أن يكون اليوم الأول للافتتاح يوم رسمي، واليوم الثاني للناشرين وما يليه للجمهور ويشارك فيه ناشرون من مختلف الدول العربية والأجنبية ويقام به أيضًا العديد من الندوات الثقافية بالإضافة إلى عروض السينما والمسرح والمعارض التشكيلية والعروض الموسيقية.

الصراع على البقاء بين الكتاب الورقي والإلكتروني:

المتتبع لمعارض الكتاب في شتى أرجاء العالم التي تقام بشكل دوري يصل إلى نتيجة مفادها أنه ومهما قيل عن التقنية وتطورها إلا أنه لا يمكن الاستغناء عن الكتاب الورقي في القراءة في مجال النشر، وفي كل ما يكون مفيدًا للإنسان، حيث تعد تلك المعارض الكتاب الورقي أساسًا في الحراك الثقافي بين مختلف شعوب العالم، وبذلك يكون الكتاب الورقي قد تمكن – ليس من التغلب على المعرفة والكتب الإلكترونية – لكن كل تلك التقنيات فشلت في إسقاط أو التقليل من شأن الكتاب الورقي.

ويرى الكثير من محبي القراءة والاطلاع أن هناك الكثير من المميزات التي يتحلى بها الكتاب الورقي، بل ويتغلب على الكتب الإلكترونية المنتشرة في شتى المواقع، إذ يتميز الكتاب الورقي بخفة حجمه والتمكن من حمله في الرحلات والاستمتاع به تحت أي ظرف من الظروف، وهناك شريحة واسعة من محبي الكتاب الورقي يرون أنه لا غنى لهم عن ذلك الكتاب في رحلاتهم وإجازاتهم التي يقضونها في مختلف بقاع العالم، بل إن هناك شريحة واسعة ترى أن الكتاب الورقي يقضي على الملل والسأم في الرحلات الطويلة ويساهم في قضاء وقت ممتع قبل الوصول إلى الوجهة المحددة في السفر.

ومازال الكثير من القراء يفضل استخدام الكتاب المطبوع، والإحساس بملمس الورق ورائحة الحبر.

يتحدث الدكتور إبراهيم السعافين، أستاذ الأدب العربي الحديث في الجامعة الأردنية، قائلاً: «ما زلت أعتقد أن الكتاب الورقي له جمهوره وجاذبيته، ذلك لأن شكل الكتاب وطريقة إخراجه من العناصر التي تلفت النظر إليه، بالإضافة إلى سهولة الحمل بخلاف القراءة بواسطة الحاسوب أو الهاتف، وفي الغالب نجد أن الكثير عند القراءة يحيل الإلكتروني إلى الورقي لسهولة التحكم فيه، ولا أظن أن الكتاب الإلكتروني منافس سلبي، لكن قد يكون الكتاب الإلكتروني داعمًا للكتاب الورقي».

وقد أصبح توقعات الناشرين مبالغًا فيها وقت هوس الناس بالإنترنت، ولكن إذا باعت مؤسسة بنغوين 40 ألف نسخة من كتاب مطبوع، فإنها ستبيع أربعة آلاف نسخة مسموعة و400 كتاب إلكتروني. وقال ديفد شتاينبرغ المدير بدار نشر هاربر كولينز: إن الكتب الإلكترونية لا تشكل سوى جزء قليل جدًّا من النشر الإجمالي، وإن المبيعات السنوية لأعمال الروائية الإنجليزية أجاثا كريستي التي أنتجت (هاربر كولينز) كل أعمالها إلكترونيًّا تزيد بنسبة 30 %.

وفي هذا الإطار تشير دراسة إلى أن  29 % من المواطنين الألمان القارئين الذين تقدر الدراسة نسبتهم بـ 75 % من مجمل عدد سكان ألمانيا باتوا يفضلون الكتاب الإلكتروني على نظيره الورقي، وأن  27 % من الأشخاص الذين شملهم المسح لا يعارضون استبدال الكتب المطبوعة بكتب إلكترونية، ما يشير إلى زيادة الظاهرة وإلى تحويل هذا الموضوع لمادة نقاش أساسية في فعالياته ومناقشاته، فيما يري ألكسندر سكيبيس الرئيس التنفيذي لرابطة تجارة الكتب الألمانية، أن مبيعات الكتاب المطبوع مازالت تشهد رواجًا فبخلاف السنتين الماضيتين التي شهدت انخفاضًا في المبيعات، فإن المبيعات ارتفعت في السنوات التسع الأخيرة من 0.8 إلى 1.4 في المئة، وهذا يعني أن الطلب على الكتاب المطبوع مازال كبيرًا.


عدد القراء: 583

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-