صناعة النشر في العالم العربي والعوامل المؤثرة


أدت الإنجازات الحضارية المختلفة دورًا رئيسًا في ظهور حركة نشر الكتب وانتشارها ومن ثم ظهور المكتبات المختلفة، وهذه الإنجازات هي:

أولاً: اختراع الكتابة الذي يُعد أعظم اختراع في تاريخ البشرية، حيث هيأ هذا الاختراع للإنسان إمكانية تسجيل المعرفة والأفكار والمعلومات ومن ثم نقلها للأجيال القادمة، لولا الكتابة لما وصلنا تراث البشرية العظيم في الآداب والعلوم المختلفة.

ثانيًا: اختراع أدوات الكتابة وخاصة الورق على يد الصينيين.

ثالثًا: اختراع الطباعة بالحروف المتحركة على يد الألماني غوتنبرغ مع منتصف القرن الخامس عشر، حيث ساهمت في سرعة انتشار الكتب وغيرها من المطبوعات.

تاريخيًّا:

نشرت الكتب قديمًا في بلاد اليونان على شكل مخطوطات معدّة للبيع، كما كان النشر عملًا منظمًا في الإمبراطورية الرومانية، وفي العصور الوسطى تركزت عملية إصدار المخطوطات في أيدي الرهبان، ثم توقف هذا النوع من النشر، ولكن أعيد إحياؤه في عصر النهضة، بعد إدخال الطابعة الآلية إلى أوروبا في منتصف القرن الخامس عشر للميلاد، حين أصبح من الممكن إصدار كمية كبيرة من المواد المطبوعة، وقد لعبت حركة الوراقين دورًا رئيسًا في نشر المخطوط العربي الإسلامي، وقد انتشرت الطباعة بسرعة في أوروبا بسبب الخلافات الدينية التي تلت عصر الإصلاح الديني، حيث تعددت المؤلفات الجدلية، وقديمًا كان المؤلف والمطبعة والناشر شخصًا واحدًا أحيانًا، ولم يصبح التمييز بين الناشر والطبّاع وبائع الكتب دقيقًا حتى القرن التاسع عشر للميلاد، وتعد فيينا وفلورنسا وميلان وزيوريخ وباريس ولندن وأدنبره من المدن الأوروبية ذات التاريخ الطويل في النشر، وفي الولايات المتحدة الأمريكية تزعمت بوسطن وفيلادلفيا أعمال النشر في القرن العشرين، وتعد مصر ولبنان في طليعة البلاد العربية في مجال نشر الكتب.

والثقافة طريق للتطور الاقتصادي والاجتماعي ومن هنا جاءت أهمية الاعتناء بصناعة النشر العربية.

ومتوسط طباعة العنوان الواحد للكتاب العربي تتراوح بين 5 آلاف نسخة في المتوسط مقابل 85 ألف نسخة لطباعة العنوان الواحد في بريطانيا مثلاً، الإنتاج العربي من الكتب لا يتجاوز 1.1 % فقط من إجمالي الإنتاج العالمي رغم أن السكان العرب يمثلون %5.5 من إجمالي سكان العالم، العالم يستهلك نحو 100 مليون طن من أوراق الطباعة سنويًّا نصيب العرب منها يتضاءل بالتأكيد فالإحصاءات تقول: إن النشر باللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية والروسية يستحوذ على 95 % من أوراق الطباعة العالمية بينما تقاسم باقي دول العالم النسبة المتبقية، والعالم العربي يشهد سنويًّا 16 معرضًا للكتاب وعلى الناشر توزيع ما لديهم من كتب، بينما يراها البعض دافعًا للقارئ العربي أن يصوم عن عادة شراء الكتب سنويًّا إلا في هذه المناسبات فقط.

وفقًا لتقارير اتحاد الناشرين الأمريكيين لعام 2008، ونفسه عام 2009 وصلت أرباح الناشرين بالولايات المتحدة الأمريكية وحدها إلى 24 مليار و 255 مليون و25 ألف دولار  ، هذه الأرباح التي تعني وتؤكد وجود صناعة للنشر ناجحة في هذا البلد الواحد! أما عن حجم صناعة النشر في العالم العربي مجتمعًا ومداولات سوق الكتاب فيه بيعًا وشراءً، فلا تتجاوز 4 ملايين دولار أمريكي سنويًّا، وفيما يصل عدد النسخ المطبوعة من الكتاب العربي الواحد من 1000 إلي 5000 نسخة، نجد في مقابلها 85 ألف نسخة في دول الغرب.

كم تعاني صناعة النشر العربية من أزمة خانقة تتفاقم باستمرار، بعد أن أصبح الكتاب في رأس سلم قائمة الشطب عند الأزمات، وفي آخر سلم المشتريات في حالة الرخاء! ويؤكد كذلك على احتياج الكتاب، كمنتج ثقافي خاص، إلى سوق واسعة، ولكن للأسف، فإن سوق الكتاب العربي مقطعة الأوصال، بين أجزاء متفاوتة في السعة والقوة الشرائية، ومستوى التعليم والثقافة، وتطبق فيها قوانين مختلفة، سواء من حيث الرقابة، أو من حيث الاستيراد والتصدير.

ومع نهاية القرن العشرين كان ينشر حوالي مليون كتاب جديد سنويًّا على مستوى العالم، وتصدر هذه الكتب في أكثر من 20 مليار نسخة، وتحتاج لحوالي 30 مليون طن من الورق، ويكفي هذا الورق لتغليف الكرة الأرضية كاملة سبع مرات، وتعد قارة أوروبا أنشط قارات العالم في مجال نشر الكتب، وفيها أكثر من نصف المطابع وأكثر من نصف دور النشر، كما يعيش في أوروبا أكبر عدد من المؤلفين في العالم، وترتب قارات العالم وفق حجم الكتب التي تصدرها على النحو التالي:

1 - تنتج أوروبا 53 % من الكتب.

2 - تنتج آسيا 22 % من الكتب.

3 - تنتج أمريكا الشمالية 12 % من الكتب.

4 - تنتج أمريكا الجنوبية 8 % من الكتب.

5 - تنتج أستراليا 2.5 % من الكتب.

6 - تنتج أفريقيا 2.5 % من الكتب.

أما أكبر عشر دول منتجة للكتب فهي على النحو التالي:

الاتحاد السوفيتي (سابقًا) الولايات المتحدة الأمريكية، ألمانيا، اليابان، بريطانيا، فرنسا، إسبانيا، الصين، كوريا الجنوبية، وكندا.

بالنسبة لترتيب اللغات التي تنشر فيها الكتب على مستوى العالم فتأتي اللغة الإنجليزية في المقدمة، حيث يصدر أكثر من 60 % من الكتب في العالم باللغة الإنجليزية، ثم تأتي بعدها اللغة الفرنسية، فاللغة الألمانية، فاللغة الروسية، وهذه اللغات الخمس ينشر فيها أكثر من 95 % من الكتب في العالم، وتبقى هناك أكثر من 4000 لغة في العالم، ومن بينها اللغة العربية، وتنشر مجتمعة 5 % مما يصدر في العالم من الكتب.

أما حجم ما يصدر في الوطن العربي من كتب باللغة العربية فيشكل 86 % تقريبًا، ويصدر ما نسبته 5 % من الكتب في البلاد العربية باللغة الإنجليزية، ومـــا نسـبته     3 % باللغة الفرنسية، والباقي باللغات الأخرى. أما اتب المترجمة إلى العربية فتشكل ما نسبته 11 % من الكتب المنشورة، ويشكل إنتاج الوطن العربي كاملاً من الكتب ما نسبته أقل من 1 % من الناتج العالمي، على الرغم من أن عدد سكان الوطن العربي يشكل ما نسبته 7 % من سكان العالم تقريباً.

مشكلات صناعة الكتاب في الوطن العربي:

كانت القاعدة قديمًا تقول: القاهرة تكتب، وبيروت تطبع وتنشر وبغداد وغيرها تقرأ.

يواجه الكتاب العربي عامة الكثير من المشكلات التي من أبرزها ظاهرة العزوف عن القراءة لدى معظم أفراد المجتمع.

- تدني مستوى عدد كبير من الكتب المنشورة.

- الرقابة بمختلف أشكالها: السياسية والاجتماعية، والدينية.

- انتشار ظاهرة السرقات الأدبية (القرصنة) والاعتداء على حقوق المؤلف والناشر.

- انتشار وسائل الإعلام الجماهيرية كالإذاعة والتلفزيون والمسرح والسينما، وأخيرًا وسائل التواصل الاجتماعي.

- العلاقة غير السليمة بين المؤلف والناشر الموزع والقارئ.

- انتشار شبكات المعلومات والنشر الإلكتروني.

بالنسبة لمشكلات النشر في الوطن العربي الأساسية هي على النحو التالي:

غياب المصداقية في كمية الكتب المطبوعة والمباعة، والتزوير والاعتداء على حقوق الملكية الفكرية.

إن ارتفاع مستويات الفقر والأمية العربية التي جعلت الكثيرين بعيدًا عن عادة القراءة أم ارتفاع مستلزمات الطباعة من أحبار وأوراق وضرائب وجمارك وغيرها مما زاد كلفة الطباعة النهائية عن قدرة مستهلك الثقافة العربي، هي إذن مهنة تترنح ولا تموت قد يكون هذا وصفًا دقيقًا لحال صناعة النشر العربية، فالناشرون العرب مجتمعون لا يصدرون إلا نحو 7 آلاف عنوان كتاب سنويًا فقط مقابل ربع مليون عنوان كتاب تصدره بريطانيا وحدها فقط سنويًّا، أضف إليها حالة عدم الثقة المتبادلة التي وصف بها اتحاد الناشرين الأردنيين العلاقة بين أطراف صناعة النشر والكتاب العربي.

يقابل الكتاب العربي أكثر من 20 رقيب ارتفاع تكلفة الشحن، ارتفاع تكاليف المعارض على مستوى الوطن العربي، ارتفاع أسعار الإعلانات.

 كان يقال دائمًا إن القاهرة تكتب، لبنان يطبع، والعراق يقرأ، هل ما زال لبنان هو مركز صناعة النشر في العالم العربي؟

ولكن في الوقت الحالي تفككت هذه المقولة، لأن العراق لم يعد لديه القدرة إنه يقرأ، لبنان طبعًا ما زال ينشر بكثرة، إنما أصبحت هناك مراكز نشر محلية في كل قطر عربي.


عدد القراء: 1433

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-