كيف سيكون مصير مكتبتك الخاصة؟


مجلة فكر الثقافية

 

الفردوس ليستْ إلّا مكتبة

                  خورجي بورخيس

 

"العالم مكتبة والمكتبة عالم"، جملة طوباوية من كلمتين تجعل كل منهما مرادفة للأخرى، وتدفعك من الغلاف الذي تتصدره إلى متن الكتاب الذي يبدأ بالتأكيد على أن "كل مكتبة لبيع الكتب نسخة مكثفة من العالم. إن ما يربط بلدك ولغته بالمناطق الأخرى التي تتكلم لغات مختلفة، ليس خطوط الطيران والرحلات، وإنما الممرات الممتدة بين الكتب". هكذا ينظر الإسباني خورخي كاريون إلى المكتبة باعتبارها خارطة بداخلها جو متميز من الحرية، يتباطأ فيها الزمن، وتصبح السياحة نوعًا مختلفًا من القراءة.

يقول الكاتب الألماني والتر بنيامين: "ليس بوسع جامع الكتب أن يحدد بالضبط اللحظة التي تحولت كتبه إلى مكتبة، كتاب واحد لا يكفي قطعًا للقول بأننا نملك مكتبة، لكن كتابًا واحدًا بالضبط، كتابًا من الصعب على الذاكرة تذكرة هو ما كان بداية الوعي بتشكل المكتبة".

 

مضي بعض الأشخاص معظم حياتهم في جمع الكتب، منذ بداية اهتماماتهم القرائية والبحثية فتتشكّل لديهم مكتبة كبيرة تسمى المكتبة الخاصة، وتنمو مع عمر الإنسان وتتشكل طبيعة مقتنياتها حسب تنوع مراحل اهتمامات أصحابها وتبدل أعمالهم وتخصصاتهم.

وتمثل المكتبة الخاصة جزءًا مهمًا وضروريًا في حياة أي مثقف وأديب، أنفقوا في سبيل تكوينها مالًا كثيرًا، وصبروا على جمع محتوياتها واختيار كتبها بصبر ودأب، وربما سافر أحدهم وتكبد المشاق من أجل الحصول على نسخة من كتاب، أو صورة من وثيقة، أو مخطوطة يستعين بها في بحوثه وكتاباته.. والحال كذلك تصبح هذه المكتبة جزءًا لا يتجزأ من كيان المبدع والأديب، بل تمثل له الحياة كلها فإذا فقدها انتهت حياته..

وتحوّلت منازل بعض الكتاب والأدباء والباحثين إلى مكتبات، أكثر من كونها مساكن، بسبب انتشار الكتب على كل جدرانها من الأعلى إلى الأسفل. وغالبًا ما تكون هذه المكتبات متخصصة بنوع معين من الموضوعات بحسب مزاج صاحبها وجامعها. وكانت هذه الظاهرة منتشرة فيما مضى حينما كان خير جليس في الأنام كتاب، وهناك من يقول: إن التراث الإسلامي المطبوع والمخطوط في المكتبات العامة يشكل جزءًا يسيرًا من التراث الإسلامي المخطوط الموجود في المكتبات الخاصة التي تحتفظ بها بعض البيوت الثقافية العريقة، فالموجود في المكتبات الخاصة أكثر بخمسة أضعاف من الموجود في المكتبات العامة.

ومع تقدم العمر يزداد قلق المبدع على مكتبه، ويتعاظم عنده الخوف من أن يضيع هذا الكنز أو أن تناله يد الإهمال فتختفي من الوجود كما اختفى صاحبها، وفي ذاكرتهم شواهد على ضياع مكتبة قيّمة لأدباء ملأوا الدنيا وشغلوا الناس، فمن يزور مكتبات بيع الكتب المستعملة سيجد العديد من الكتب والمؤلفات لأدباء كبار تباع بمبالغ زهيدة، وبعضها عليه إهداء خاص.

في كثير من الأحيان، يتم الحفاظ على المكتبة الخاصة سليمة بعد فترة طويلة من وفاة مالكها. أحد الأمثلة على ذلك هو المكتبة الشخصية للدكتور رودولف شتاينر، والتي ظلت سليمة في سويسرا لما يقرب من قرن من الزمان.

والتخلي عن المكتبة الخاصة أشبه بالسؤال: هل تفضل الموت الآن أم غدا؟، وكثيرًا ما يعقبه سؤال: هل تحافظ العائلة على هذا الإرث؟ خاصة وأن هناك شواهد كثيرة في البيئة العربية لمكتبات خاصة ضاعت واختفت؛ فمثلاً مكتبة الأديب الراحل طه حسين تعرضت للسرقة من تجار الكتب القديمة حسب كلام زوجته، وفيما رفض الأديب الراحل محمود العقاد بيع مكتبته أثناء حياته ينتهي بها المصير إلى الشارع بعد وفاته، أمّا مكتبة ومقتنيات الكاتبة الراحلة خديجة الجهمي فقد طالها الإهمال ولم تنج حتى من مياه الأمطار. ومازال هناك من يسأل عن مصير مكتبة الأديبة مي زيادة.

وإذا وسعنا دائرة النظر واستدعينا الشواهد سنجد أن مكتبتا الدكتور طه حسين والشاعر صلاح عبدالصبور بيعتا لباعة الكتب على الأرصفة فضاعت عيون التراث العربي دون استفادة حقيقية سواء للباحثين أو الورثة، كما كان الإهمال سببًا في ضياع مكتبات أخرى مثل مكتبة المفكر الكبير د. لويس عوض التي أتلفتها المياه الجوفية، ومكتبة المترجم والأديب الفلسطيني الراحل أحمد عمر شاهين التي التهمتها النيران، كذلك عمد ورثة الشاعر السكندري صديق شيبوب إلى التخلص من مكتبته بحرقها بعد فشل محاولات إقناع المسؤولين بأخذ المكتبة لضمها للمكتبات العامة، وبيعت مكتبة الناقد الأدبي عبدالرحمن أبوعوف رئيس تحرير مجلة الرواية قضايا وآفاق في أكشاك سور الأزبكية في معرض القاهرة للكتاب في شهر يناير 2012.. كل هذه الشواهد تفتح باب التوقع لمآل المكتبات الخاصة، وكيف السبيل إلى إنقاذها من «البيع الاضطراري» أو «الإهمال الأسري»، أو من أي عوارض أخرى تنتهي بها إلى مكان غير الذي يجب أن تكون فيه..

العلاقة حميمية بين المكتبة الشخصية وبين صاحبها، تشبه العلاقة بأشيائه الخاصة. وهي علاقة تكوُّن وبناء تدريجي فلا أحد يمتلك مكتبته الشخصية في ضربة واحدة أو في يوم وليلة بل هي حصيلة جمعه لها كتابًا كتابًا، وهو في بنائه لمكتبته وجمعه لمحتوياتها يتدرج في المعرفة والاكتشاف للمعلومات والأفكار ووجهات النظر، ومن ثم يؤلف كل كتاب في المكتبة ذكرى وتاريخ. وهذا هو ما يجعل لحظة الفراق بين الشخص ومكتبته لحظة صعبة، ولكنها أشد صعوبة حين يعجز عن الاحتفاظ بها، وحين يبدأ ضياعها وتلفها في الحدوث أمام عينيه.

ففي الماضي، عكف العلامة ابن النفيس سنوات على تدوين موسوعة "الشامل في الصناعة الطبية" التي ما زالت حتى يومنا هذا أكبر موسوعة علمية في التاريخ الإنساني يكتبها شخص واحد. وقد وضع ابن النفيس مسوّداتها في 300 مجلد، بيّض منها 80 مجلدًا حتى وافته المنية وهو في الثمانين من عمره عام 687هـ. وكان قد أوصى بالمجلدات الثمانين مع مكتبته وداره وأمواله إلى البيمارستان (المستشفى) المنصوري، حيث كان رئيسًا لأطباء مصر.

كذلك أهدى الحاكم السابق لدولة حلب" محمد مرعي باشا مكتبته إلى دار المكتبات الوقفية الإسلامية في المدينة. وقد أهدى المهندس علي رضا آل معين مجموعة خرائط ورسوم جغرافية وأثرية لهذه المكتبة التي ضمّت بدورها إلى مكتبة الأسد الوطنية بعد إنشائها في عام 1984م.

تبرع الأدباء بمكتباتهم

ذات مرة، كتب الأديب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس "أنا الذي تخيلت الجنة دومًا على شكل مكتبة".

فالمثقف يجد في الكتاب جنته، لأن مشوار العمر قصير، فيعيش في الكتاب أكثر من حياة، فيما يبقى مصير كتبه بعد رحيله معلقًا في أغلب الأحيان، وإرثا طي النسيان.

في السعودية، قد أهدي لمكتبة الملك فهد الوطنية التي تعتبر المكتبة الكبرى في المملكة ما يقارب ثماني عشرة مكتبة شخصية منها: وهي: مكتبة الشيخ محمد بن عبدالعزيز المانع وتضم 5480 كتابًا ونحو ألف وثيقة وسجل من المراسلات والبرقيات مع الملوك والعلماء. وأهم ما يميزها هو كثرة ما تحويه من نوادر المطبوعات السعودية والعربية في علوم الشريعة والتاريخ وما بها من تعليمات كتبها المانع بيده، إضافة إلى مخطوطات للمانع نفسه.

ومكتبة الشيخ عبدالله بن خميس التي يبلغ عدد كتبها نحو 7740 كتابًا، من ضمنها نوادر المطبوعات السعودية والعربية وما له صلة بتاريخ الجزيرة العربية وآدابها وجغرافيتها، إضافة إلى أوائل الدوريات السعودية والعربية الكاملة مثل "الجزيرة" و"العرب" و"الرسالة".

ومكتبة الشيخ عثمان بن حمد الحقيل وتعد من أكبر المكتبات الخاصة المهداة إلى مكتبة الملك فهد الوطنية بمجموع كتب بلغ 7400 كتاب في الدين والتراث العربي.

كذلك أُهديت إلى مكتبة الملك فهد الوطنية المكتبات الخاصة العائدة إلى كل من الأديب محمد حسين زيدان (4420 كتابًا)؛ وفوزان بن عبدالعزيز الفوزان (4470 كتابًا) الذي كان قد أوصى بذلك قبيل وفاته رحمه الله؛ والدكتور إبراهيم السلّوم (4890 كتابًا)؛ والرسام محمد موسى السليم وهي غنية بكتب التاريخ والآداب والفنون الجميلة والطوابع؛ والأديب محمد منصور الشقحاء (8960 كتابًا)، والشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري، والشيخ عبدالله بن عمر آل الشيخ، والشيخ عبدالله بن محمد النصبان، والشيخ حسين بن عبدالله الجريسي، ورجل الأعمال سليمان الصالح، والمؤرخ سعد الجنيدل، والوراق أحمد عيسى كلاس (5000 كتابًا).

وأهدى المدير الأسبق للمعهد العربي لإنماء المدن الدكتور محمد بن عبد الله الحماد مكتبته الخاصة التي تحتوي على سبعة آلاف كتاب من نفائس الكتب في مجالات العلوم والمعارف الإنسانية ومئات المراجع في علوم البيئة وإدارة المدن وتخطيطها، لمكتبة الملك فهد الوطنية لتكون ضمن مجموعة المكتبات الخاصة في المكتبة.

كما اشترت مكتبة الملك فهد الوطنية تسع مكتبات خاصة، وهي مكتبات: جميل أحمد أبو سليمان، سعد بن ناصر بن محمد عبدالله الخميس، الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن عقيل الظاهري، فوزان بن سابق الفوزان، عبدالسلام هارون، محمد عوض محمد، المستعرب الأمريكي بيلي وايندر، محمد العباس القباح، والدكتور ناصر الرشيد.

وحظيت الجامعات السعودية بمجموعة من المكتبات الخاصة، فقد أُهدي لجامعة الملك سعود في الرياض مكتبة العلامة الزركلي ومكتبة الأديب الشاعر محمد بن أحمد العقيلي. كذلك حصلت المكتبة المركزية في جامعة الملك فيصل في الأحساء على عدد من المكتبات الخاصة ومنها مكتبة الدكتور محمد صالح، ومكتبة السيد أحمد الهاشم، ومكتبة الشيخ محمد بن عبدالله العبدالقادر التي تضم مجموعة مخطوطات أهداها ورثة الشيخ للجامعة. كما تلقت الجامعة من زوجة الدكتور عاطف قادوس مكتبة زوجها ذات المواضيع المتنوعة.. وحظيت جامعات أخرى بمجموعات لا بأس بها من المكتبات الخاصة، مثل جامعة الإمام محمد بن سعود وجامعة أم القرى وجامعة الملك عبدالعزيز، الأمر الذي يؤكد ثقة الأدباء والمفكرين والمثقفين عمومًا بهذه الصروح العلمية.

الأندية الأدبية في السعودية نالت نصيبها أيضًا من عطاءات المثقفين في هذا المجال. ومن أشهر الأمثلة التي يمكن ذكرها هنا النادي الأدبي في مكة المكرمة الذي أهداه ورثة الأديب والشاعر حسين عرب مكتبته الخاصة التي تضم آلاف المجلدات العربية في الأدب والتاريخ والعلوم الشرعية.

أما ورثة الدكتور توفيق التميمي فقد أهدوا مكتبته، بحكم التخصص، إلى المستشفى التعليمي في الخبر.

أما أسرة عبيد بن عبدالله مدني الأديب والمؤرخ السعودي فقد اختارت المكتبة المركزية في الجامعة الإسلامية مكانًا لاستضافة مكتبة والدهم، وهي أشهر المكتبات الخاصة في العصر الحديث، لما تحتويه من مؤلفات ومصنفات ومخطوطات نادرة في شتى العلوم والمعارف، حيث تضم 7045 كتابًا و365 مخطوطة أصلية و502 مجلة علمية وأدبية، كما أهدت أسرة عابد خزندار الأديب والكاتب الراحل قبل أعوام مكتبته الخاصة إلى مكتبة الملك عبدالعزيز العامة في الرياض، سبقهم ورثة المؤرخ محمد حسين زيدان، الذين أهدوا كتب والدهم إلى المكتبة ذاتها، كصدقة عن روحه، فيما اختارت أسرة أحمد عبدالعزيز عطار الأديب والشاعر إهداء مكتبته إلى مكتبة جامعة الملك عبدالعزيز، وقد أوصى الشاعر محمد بن علي السنوسي بإهداء مكتبته الخاصة مع مخطوطاته إلى مكتبة جامعة الملك عبدالعزيز بجُدّة، وهي مكتبة كبيرة كانت لعلي بن محمّد السنوسي، ورثها ابنه الشاعر محمّد بن علي السنوسي، وفيها أمّهات الكتب، ودواوين الشعراء، وكثير من كتب الفقه والحديث، فتم نقلها بعد وفاته إلى جامعة الملك عبد العزيز.

وفي مصر، تحول بيت طه حسين إلى متحف رسمي، يضم مكتبته، يتبع للدولة، وفيه نحو سبعة آلاف كتاب، نصفها باللغة العربية والبقية باللغات الأجنبية، لتكون المكتبة الأوفر حظًا، كما وصفها أنيس منصور الكاتب الراحل آنذاك، الذي خشي على مكتبته وميراثه الثقافي من الإهمال، فأوصى بالتبرع بمكتبته بعد رحيله إلى جامعة المنصورة، حيث مسقط رأسه، إلا أن أبناءه اختاروا وضعها في الجامعة الأمريكية في القاهرة، بعد أن شعروا بالمهانة والإهمال في طريقة نقلها إلى جامعة المنصورة، ولا سيما أن الجامعة الأمريكية خصصت متحفًا خاصًا لأنيس منصور، بجوار متحف الدكتور بطرس غالي الأمين العام السابق للأمم المتحدة، ومكتبة الكاتب الشهير محمد حسين هيكل صاحب أول رواية في الأدب العربي وتضم مكتبته مجموعة ثمينة من الوثائق التاريخية التي كان يمتلكها، حيث أهديت لمكتبة الاسكندرية.

وتسرُّب مكتبات الأدباء إلى الأسواق دفع بعض المبدعين إلى التبرع بها إلى المكتبات العامة، فتبرع الكاتب والصحافي المصري محمد حسنين هيكل، قبل وفاته عام 2016 بمكتبته إلى مكتبة الإسكندرية. أما الشيخ أحمد حسن الباقوري وزير الأوقاف المصري الأسبق، أوصى بإهداء مكتبته البالغة أكثر من 10 آلاف كتاب إلى جامعة القاهرة. وقام الأديب الراحل يحيى حقي، قبيل وفاته سنة 1992 بإهداء مكتبته إلى جامعة المنيا (جنوب القاهرة) وفاء للمدينة التي ولد ونشأ فيها.

كذلك أهدى ورثة المفكر الراحل الدكتور عبدالرحمن بدوي مكتبة والدهم التي تضم نحو 12 ألف كتاب في الفلسفة والتراث والنقد الأدبي الحديث إلى مكتبة الاسكندرية التي تحظى بمكانة مهمة عند المثقفين على مستوى العالم لما تضمه من التراث العالمي، وقد حظيت بإهداءات خاصة كثيرة.

قد حظيت دار الكتب والوثائق المصرية بالحصة الكبرى، فقد خصّها أكثر من سبعين عالمًا وأديبًا ومثقفًا ورجل دولة وشاعرًا بمكتباتهم الخاصة، ومنها مكتبة الشيخ محمد عبده التي تعتبر بالغة الأهمية في تاريخ مصر والعالم الإسلامي لما تحتويه من كتب ثمينة في الفكر الإسلامي والتاريخ والعلوم الشرعية ويبلغ عدد كتبها 923 كتابًا. ومكتبة المؤرخ الشهير عبدالرحمن الرافعي التي ضمّت 2998 كتابًا في التاريخ والعلاقات ما بين الشعوب والآداب، ومكتبة وزير الاقتصاد المصري الأسبق الدكتور حسن عبّاس وضمّت 11 ألف كتاب في الاقتصاد الدولي والسياسة ومختلف العلوم، ومكتبة الكاتب الساخر محمد عفيف التي احتوت على علوم اللغة وآدابها وفنون كثيرة اعتنى بها الكاتب في حياته (2042 كتابًا)، ومكتبة الدكتورة عائشة عبدالرحمن الملقبة بـ"بنت الشاطئ" التي كتبت كثيرًا في التاريخ الإسلامي والتراث وعلوم الشريعة (3700 كتابًا) وأخيرًا وليس آخرًا مكتبة الكاتب الكبير توفيق الحكيم . وذكر أن مكتبة الجامعة الأمريكية في بيروت قد أهدي لها المكتبة الخاصة التي امتلكها نعمة يافث وضمّت نحو 40 ألف كتاب وتم أطلاق اسمه على مكتبتها المركزية امتنانًا لهذه الهدية السخية. وبشكل عام يمكن القول إن المكتبات الجامعية في بلاد الشام أُهديت من المكتبات الخاصة ما يصعب حصره بسبب النشاط الكبير في مجالات التعليم والتأليف والنشر والحياة الثقافية عمومًا منذ أكثر من قرنين من الزمن.

بيع المكتبات الخاصة

 وقد بيع الكثير من المكتبات الشخصية على مكتبات كبرى أو مؤسسات قد تحفظ هذا التراث العلمي لمؤسسها، أو قد تباع على تجار يستثمرونها للربح ويؤدي لتشتتها والشواهد كثيرة لا يسع ذكرها.

بيعت مكتبة العلامة أحمد بن إبراهيم بن عيسى النجدي بعد وفاته لسداد دين كان عليه. كذلك بيعت مكتبة محمد بن عبدالرحمن الكرود الأحسائي لسداد دين. وشهدنا منذ وقت قريب عرض مكتبة الأديب أبو عبدالرحمن بن عقيل الظاهري للبيع إثر ضائقة مالية مرّ بها.

وهناك الرئيس المصري الأسبق اللواء محمد نجيب الذي كان يسكن في عمارة بضاحية المرج شمال القاهرة أمضى سنواته الأخيرة في القراءة التي كانت هوايته، وجمع مكتبة ضمّت خمسة آلاف مجلد في العلوم العسكرية والسياسية والجغرافية. وبعيد وفاته قام ابنه ببيعها إلى تجار الكتب القديمة بمبلغ 500 جنيه مصري فقط!! كما بيعت مكتبة المؤرخ السينمائي أحمد كامل مرسي إلى أحد تجار الكتب القديمة بمبلغ 15 ألف جنيه فقط.

واضطرّت الظروف التي عاشها ورثة الأديب الراحل أبو تراب الظاهري المتوفى عام 1423هـ، لعرض مكتبته للبيع، حتى أن نجله محمد قال: "اضطررت إلى ذلك لأن إمكاناتي لا تسمح بالحفاظ عليها على الرغم من رغبتي الشديدة في ذلك". ويذكر أن هذه المكتبة تضم أصول مخطوطات قديمة يعود بعضها إلى أكثر من 500 عام، ومنها على سبيل المثال مخطوطة للإمام العيني.

يدين أدباء كثر ظاهرة مستفحلة في العراق، إذ ينظم مزاد أسبوعي لبيع الكتب، غالبية من يبيعون هذه الأعمال ضمنه هم ورثة المكتبات العامرة الذين لا يدركون قيمتها؛ ذلك لأنهم أصحاب اهتمامات مختلفة ربما لا تكون ثقافية تمامًا، وربما يأتي ذلك لحاجتهم إلى المال. وفي فلسطين يبدو الأمر مختلفًا، إذ سُرقت أعمال كبار المثقفين الفلسطينيين أثناء نزوحهم وتُركت للمحتل، ويبلغ عددها وفقًا للوثائق الرسمية حوالي 70 ألف عنوان، وهو الأمر الذي يقلل من رصيد المحتوى الأدبي لدولة مثل فلسطين بشكل كبير. أما في السعودية، فجرت العادة على إهداء بعض أعمال المثقف إلى جهات حكومية..

بينما تحتفظ أسرته ببقية الكتب التي تعرف أحيانًا طريقها لمكتبات الأبناء العامرة بدورها، أو تواجه الضياع هي الأخرى. وهذا بينما وجدت في المغرب ولبنان مكتبات مثل مكتبة الريحاني في ضاحية الفريكة بلبنان وآل عبود في عين كفاع، وآل الحلاق في حلب.

رفض الإهداء أو البيع

كان للشيخ حمد الجاسر مكتبة خاصة في منزله بالرياض (غير تلك التي احترقت في بيروت)، وقد تم نقل هذه المكتبة إلى مركز حمد الجاسر الثقافي الذي تم إنشاؤه برعاية صاحب السمو الملكي الأمير سلمان ابن عبدالعزيز، والغاية منه الاهتمام بإنجازات الجاسر وخدمة الباحثين.

كذلك قرر ورثة الأديب يوسف إدريس الاحتفاظ بالمكتبة التي خلّفها الراحل، لكن من دون تسليمها إلى أية جهة أو مؤسسة ثقافية تُمكن الباحثين من الاستفادة منها.

ومكتبة أمير الشعراء أحمد شوقي بقيت على حالها أيضًا. فقد أصدرت الحكومة المصرية قرارًا في عام 1972م بنزع ملكية "كرمة ابن هاني" وتحويلها إلى متحف، وهي الدار التي كان أمير الشعراء قد بناها في عام 1920م، وأطلق عليها هذا الاسم ولعًا بالشاعر الحسن بن هاني "أبو نواس". وقد افتتح متحف شوقي في 17 يونيو 1977م، وهو يضم مكتبة الشاعر التي تحتوي على 335 كتابًا، ومسودات بعض قصائده وكتاباته النثرية و713 ورقة عليها كتابات بخط الشاعر.

ومكتبة الأستاذ إبراهيم الخويطر (2014) رحمه الله التي تضم ما يقارب 12 ألف كتاب تشمل جميع أنواع المعارف مصنفة ومرتبة، بقيت على حالها حيث قررت أسرته عدم التبرع بها، وإنما المحافظة عليها.

ورفضت أسرة الأديب عزيز ضياء (1914-1997) إهداء مكتبته التي تضم نحو خمسة آلاف كتاب إلى مكتبة الملك عبدالعزيز أو نادي جدة الأدبي، رغم عروضهما باستضافة المكتبة الخاصة، وبحسب ابنته الإعلامية دلال عزيز ضياء، وكان أسباب الرفض بقولها: "بالفعل بعد وفاة الوالد رحمه الله، وحتى قبل انتهاء فترة العزاء عرضت علينا المكتبة العامة نقل مكتبته إليها، لكنني رفضت الفكرة، لعدة أسباب أهمها أن البيت سيفرغ وحين تختفي منه مكتبة الوالد التي تضم نفائس الكتب والطبعات لمؤلفات نادرة منذ بدايات القرن العشرين، سيكون ذلك بمثابة موت الوالد مرة أخرى، باختفاء آثاره من البيت، لذلك اعتذرنا لمكتبة الملك عبدالعزيز، وتكفل ابني عاصم، سبط الرائد عزيز ضياء بالحفاظ على المكتبة وفهرستها وتبويبها، خاصة وأنها تضم إضافة إلى الكتب التي ذكرتها، مخطوطات لأعمال ونتاج الوالد التي لم تنشر حتى الآن من مؤلفات وترجمات، إذ يعد عزيز ضياء واحدًا من أوائل الرواد السعوديين الذين تصدوا لترجمة آداب الشعوب ونقلها للعربية.

والرفض ذاته كان اختيار نجل إبراهيم أصلان الكاتب الراحل، الذي قرر ضم كتب أبيه إلى مكتبته، مثلما اختار ابن الشاعر المصري صلاح جاهين، وكما اختارت أيضًا نهال كمال زوجة الشاعر عبدالرحمن الأبنودي ابن الصعيد، حيث قررت أن تحافظ على مقتنيات مكتبة زوجها، كمصير آمن يحفظ إرثه.

وهناك مكتبة الأديب الراحل صبري موسى نحو 3000 كتاب باللغتين العربية والإنجليزية، منها كتب نادرة صدرت في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، وتحوي معظم أعمال الروائيين العرب، على رأسهم نجيب محفوظ، حنا مينا، عبدالرحمن منيف، الطاهر وطار، يحيى حقي، بهاء طاهر، وإبراهيم عبدالمجيد.

وتضم كتبًا عديدة باللغة الإنجليزية حول حركة الأدب في أمريكا خلال الستينيات وتطور المجتمع الأمريكي، والأساليب الحديثة في الرواية الإنجليزية، والسينما الحديثة، وروايات جورج أورويل، وإرنست هيمنغواي، وكون تيكي وغيرهم، فضلاً عن الأرشيف الكامل لمجلة "صباح الخير" القاهرية منذ صدورها سنة 1956 وحتى بداية التسعينيات من القرن الماضي.

بعد رحيل جمال الغيطاني، فكرت زوجته ماجدة الجندي في أن تؤسس لمكتبته الخاصة مركزًا ثقافيًّا في إحدى مناطق القاهرة القديمة، التي عاش فيها الغيطاني بروحه وكتب عنها كثيرًا، ومنحته أسرارها كما لم تفعل مع أحد قبله. ولم تفكر التنازل عنها أو بيعها.

اعتاد الكاتب الراحل علاء الديب أن يفرز مكتبته كل سنتين تقريبًا. يحتفظ بما يراه مهمًّا، ويتبرع بما لا يهتم به، أو ما لم يعد يشغله.

توضح زوجة الكاتب الراحل لم يكن يستطيع أن يحتمل الكتب أكثر من عامين، إذ كانت تصله مئات الكتب ليعرضها في باب «عصير الكتب» الذي اعتاد كتابته، فتحول البيت إلى مكتبة بالفعل، ولذلك «كنا نفرزها معًا، ونستغني عن ما يمكن الاستغناء عنه».

اختلف الأمر بعد رحيل الديب، بحسب ما تضيفه بحسب زوجته، فـ«لم يعد باستطاعتي أن أستغني عن شيء. المكتبة هي ما تبقى لي من علاء، فيها روحه وكتبه وابتسامته، المكتبة جزء من علاء، من ذكراه، والتفكير في الاستغناء عنها يؤلمني».

كوَّن جلال عامر مكتبة هائلة، تقريبًا شغلت البيت كله، واعتاد أن يربي أولاده على حب المكتبة والقراءة باستمرار. يقول راجي عامر إن أباه كان يدير ما يشبه الندوات داخل البيت، قريبًا من المكتبة، ويتناقش مع الأسرة حول أي كتاب، ما خلق ذكريات لا تُنسى وترتبط طبعًا بالمكتبة.

يؤكد راجي أنه «من الصعب على الأسرة التفريط في مكتبة الوالد، لأن مكوناتها تكاد تكون حية وتعكس مواقف كثيرة ربطت الأسرة بها.

ومن ضمن أسباب رفض بعض الورثة أو الأبناء إهداء المكتبة الخاصة التي تذهب إلى المكتبات العامة لا تجد العناية الكافية والاهتمام المطلوب، وتتعرّض إلى الإهمال وأحيانًا إلى السرقة لتصل إلى تجار الكتب القديمة.

الإهمال والجهل

مصير المكتبات الخاصة للأدباء والمثقفين لم يكن في مجمله واضح الخطى والمعالم، فقد طال بعضها الإهمال والتخزين الخاطئ الذي عرضها للتلف ثم الاندثار، أو تسابق سماسرة الكتب على شرائها بثمن بخس بعد وزنها بالكيلو، وبيعت على الأرصفة في سور الأزبكية والسيدة زينب مثلاً في مصر، أحد أشهر أماكن بيع الكتب القديمة والمستعملة، بما تحمله من قيمة معنوية لا تقدر بثمن، إذ يتضمن بعضها ملاحظات صاحبها بخط يده، أو إهداءات وذكريات المؤلف، أو أن تكون نسخا نادرة من كتب لا تتوافر في الأسواق.

رفض عباس محمود العقاد بيع مكتبته في حياته رغم العروض المغرية التي تلقاها. ولكن الذي حصل هو أنه بعد وفاة الأديب الكبير، وقعت مكتبته في يد امرأة تجهل كل شيء عن قيمة هذا الميراث، فرمتها في الشارع مع "الكراكيب" والمخلفات التي يجب التخلص منها!!!

أما مكتبة الشاعر أحمد باكثير، الذي توفي في عام 1969م، فلا تزال حتى اليوم تقبع في سرداب إحدى العمارات بالقاهرة وسط ظروف سيئة جدًا. ويسعى الناقد الدكتور محمد بوبكر إلى ضم أعمال باكثير ومكتبته في متحف خاص، لكن جهوده الفردية لا يبدو حتى الآن أنها كافية.

ومكتبة المفكر الإسلامي الراحل أنور الجندي، المتوفى في 2002م، تعتبر ثروة حقيقية من دون أن يكون هناك مهتم بها في الوقت الحاضر. وتتفاقم المصيبة عند الدكتور حسين مجيب المصري (88 عامًا) الذي كان أستاذًا للدراسات الشرقية بكلية الآداب في جامعة عين شمس في مصر. فالرجل بنى مكتبة خاصة يزيد عدد مجلداتها على الثلاثين ألفًا من بينها المخطوطات النادرة. وهذه المكتبة ترزح اليوم تحت الأتربة والغبار والرطوبة، وبدأ السوس ينخرها. وصاحبها يكتفي بالتمني بأن تقوم جهة ما بتبويبها وفهرستها والعناية بها..

ومكتبة وديع فلسطين الذي تجاوز عمره الثمانين، تضم إضافة إلى آلاف الدواوين الشعرية والدراسات الأدبية نحو 10 آلاف رسالة أدبية وفكرية متبادلة بينه وبين حشد من الأعلام العرب في القرن العشرين أمثال الشيخ حسن البنّا، سيد قطب، الشيخ الشعراوي، العقاد، الرافعي، أحمد حسن الزيّات، علي الطنطاوي، إبراهيم ناجي، وحمد الجاسر وغيرهم.. وهذه الرسائل لا تزال غير منشورة ولا تجد أي اهتمام من المؤسسات والمنظمات الثقافية.

والأغرب من كل ما تقدم، أن نحو عشرة كتب من تأليف رائد العربية في العصر الحديث مصطفى صادق الرافعي المتوفى عام 1937م، لا تزال مخطوطة بيده ولم تنشر. وهذه الكتب موجودة ضمن مكتبته التي آلت إلى حفيدته. وهذه الأخيرة تجاوزت اليوم السبعين ولا تزال تطلق نداءات لإغاثة هذا التراث ونشره!

وفي أسواق الكتب هذه، ترتفع أسعار المؤلفات التي تتضمن إهداءات لشخصيات معروفة إلى خمسة أضعاف ثمن الكتاب الأصلي، وتتجاوز في بعض الأحيان حاجز المائة دولار، إذا حملت إهداء أو توقيع أعمدة الأدب العربي، من طراز نجيب محفوظ وعباس محمود العقاد وطه حسين وتوفيق الحكيم.

إن أغلى الإهداءات هي التي تحمل توقيع مصطفى صادق الرافعي أو توفيق الحكيم أو عباس محمود العقاد أو الشيخ محمود شاكر، أو ختم طه حسين، حيث يصل سعر الكتاب إلى (نحو 110 دولارات) على الأقل في تلك الحالة، وجاءت بعض الإهداء مكتوبة بالقلم الجاف، إن كان وضع بعد عام 1960، وبالريشة والقلم الحبر، إذا كان قبل ذلك.

المكتبة الخاصة بين الضياع والتدمير

يذكر أن علي بن محمد السناني (توفي عام 1339هـ) جمع مكتبة ضخمة أغلبها من المخطوطات. ودمّر معظم ما في هذه المكتبة عام 1322هـ عندما اجتاحت السيول مدينة عنيزة وهدمت منزله. والشيخ سليمان بن صالح البسّام (توفي عام 1405هـ) خلّف مكتبة نفيسة جدًا، لكنها ضاعت بوفاته. وبعد وفاة الشيخ حمد بن ناصر العسكر في المجمعة، ولم يكن له أولاد يرثونه، تفرّقت مكتبته الثمينة وتبعثرت.

ومن أشهر المكتبات التي ضاعت أيضًا مكتبة شيخ الأزهر الأسبق محمد الفحام التي كانت كنزًا من المخطوطات النادرة، ومكتبة المرجع الشعبي الدكتور عبدالحميد يونس.

والأحداث التي عصفت بلبنان على مدى سبع عشرة سنة دمّرت العديد من المكتبات. منها مكتبة الشيخ حمد الجاسر التي كانت تقع في أحد مباني وسط بيروت وأتى حريق عليها بأكملها. والتهمت النيران أيضًا مكتبة الأمير حافظ شهاب وكانت تضم نحو ثلاثمائة وثيقة تاريخية تتعلق بتاريخ لبنان ومراسلات أمرائه خلال القرون الماضية. كما أدى تدمير مبنى الكوليدج هول في الجامعة الأمريكية إلى ضياع مجموعات نادرة من مكتبة الدكتور محمد يوسف نجم.. والأحداث نفسها أتت على عشرات ومئات المكتبات الخاصة التي كانت في منازل اللبنانيين.

تعرض المكتبات الخاصة للسرقة

تعرضت مكتبة طه حسين للسرقة على أيدي تجار الكتب القديمة. ولم يبق منها في دار الكتب ومكتبة مُتحفه سوى سبعة آلاف كتاب، بينما تذكر زوجته السيدة سوزان أن مكتبته كانت تضم نحو 30 ألف كتاب. فالناقص منها إذن 21 ألف كتاب!

يبدو أن العالم العربي، كما يرى مثقفون، يحتاج خططًا متخصصة عن طريق وزارات الثقافة العربية تفي بغرض استثمار هذه الكنوز المعرفية بشكل خلاق يبني وعي الأجيال ويشكل ذخرًا مرجعيًا مهمًا.


عدد القراء: 483

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-