تجليات التخييل في الشعر العباسي (شعر المعري نموذجًا)الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2022-10-01 08:52:32

نجلاء الحداد

تطوان-المغرب

ملخص البحث:

يرتبط التخييل ارتباطًا مباشرًا بالإبداع، ذلك أنه يتمحور بالأساس حور ابتكار صور ذهنية مستحدثة تثير مشاعر المتلقي، إذ أنها تجعله يندهش لقدرة المبدع - سواء أكان شاعرًا أم ساردًا- على الجمع بين عناصر قد تبدو متنافرةً ومتباعدةً كل البعد، الشيء الذي يجعله يتفاعل مع النص الإبداعي ويقبل على قراءته وتأويله بشغف ليحاول الوصول إلى مغزى المبدع ومقصده. ولا تقتصر هذه الصور الذهنية على الأساليب البلاغية بل تتعداها إلى الوزن واللفظ والمعنى وغيرها من أسس التخييل الذي تختلف خصوصيته من شاعر لآخر ففي الوقت الذي يميل شاعر ما إلى سمة البساطة في المعنى قد يوثر شاعر آخر الألغاز والغموض ليفتح أفق تلقي شعره ويجعله يقبل قراءات مختلفة كالشاعر أبي العلاء المعري الذي يتميز شعره بجملة من العناصر التخييلية الخاصة بتجربته الشعرية -إلى جانب غموض المعنى- وقد استهدفت هذه الدراسة، في هذا الصدد، الوقوف على مفهوم التخييل وتجلياته في شعر المعري.

تقديم:

لا يختلف اثنان في كون التخييل ثمرة من الثمار التي جنتها الثقافة العربية بفضل انفتاحها على التراث اليوناني الأرسطي، إلا أنه لا يمكن إنكار المجهود الذي قام به الفلاسفة المسلمون والبلاغيون في تطوير هذا المفهوم بعد انتباههم لمزاياه الشعرية التي تمكن الشعراء والأدباء من خرق حاجز اللغة المألوفة والتلاعب بخصائصها الصوتية والدلالية والتركيبية وتسخير قدراتهم الذهنية الخلاقة لتقديم صور مبتكرة مثيرة للمتلقي. وقد يجعلنا التخييل نتساءل عن مدى وعي الشعراء بهذا المفهوم وضبطهم لأسسه كالشعراء العباسيين على سبيل المثال، الذين اطلعوا على الثقافة اليونانية وتأثروا بها وبفلاسفتها. وللإجابة عن ذلك لا بد من دراسة مفهوم التخييل وخصائصه عند شاعر من هؤلاء الشعراء وهذا ما نقصده من خلال هذه الدراسة التي تهدف بالأساس إلى دراسة مفهوم التخييل ومقوماته في خطاب المعري الشعري.

أولا: مفهوم التخييل

لغة:

 ارتبطت مادة (خيل) بالظن، يقول ابن منظور  "خال الشيء خيلاً وخيلةً وخيّلا وخيلانًا ومخيّلةً وخيلولةً: ظنه...والخيال والخيالة هي ما تشبه لك في اليقظة والحلم من صورة وجمعه أخيلة... وفي المثل ما يسمع يخل أي يظن... وتخيّل الشيء له تشبه وتخيل له أنه كذا تشبه يقال تخيلته فتخيل لي، كما تقول تصورته فتصور لي". وقد وردت هذه الكلمة بالمعنى نفسه في القرآن الكريم، فارتبطت بالظن والوهم في الآية 64 من سورة طه في قوله تعالى2: (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى).

التخييل: النشأة والتطور

لا يمكن فصل مصطلح "التخييل" عن المجال النفسي - السيكولوجي المرتبط به، فحينما نعود لأصل المفهوم كما تبلور في الفكر الأرسطي نجد أنه يرتبط  بـ"الأثر النفسي"3 الذي تحدثه كل أنواع الشعر المختلفة من ملاحم وملهاة ومأساة... ويشكل هذا الأثر الفيصل الذي يفصل بين هذه الأنواع، فأثر المأساة على سبيل المثال هو التطهير...وقد شهد المفهوم تطورًا ملحوظًا على يد الفلاسفة المسلمين إذ لم يكتف هؤلاء بنقل ما أنتجته الفلسفة الأرسطية، بل عملوا على تطويره منطلقين من رؤى جديدة ارتبطت بثقافتهم العربية الشعرية - الجمالية وهذا ما جعل كلمة التخييل ترد في مستويين دلاليين اثنين4، إذ وردت في المستوى الأول بمعاني لغوية ونفسية وتداخلت مع الكلمات المماثلة والمقاربة لها اشتقاقيًا، ثم وردت في المستوى الثاني بمعاني دقيقة وواضحة تنم عن بداية تشكل مضمونها الاصطلاحي وتحولها من ثمة إلى أداة إجرائية لمقاربة قضايا الشعر وظواهره الإبداعية، ذلك أن الفلاسفة المسلمين نظروا إلى الشعر من زاوية إبداعه فاعتبروه نشاطًا إبداعيًا يقوم بالأساس على المتخيلة والتي قصدوا بها  "إحدى قوى النفس الحيوانية المدركة، وقد حظيت كقوى نفسانية دون غيرها من القوى باهتمام علم النفس عندهم فحددوا ترتيبها ومكانها بالنسبة للقوى الإنسانية الأخرى بناءً على الدور المعرفي الأخلاقي الذي تقوم به، وترتب على تقييمهم للدور الذي تقوم به تقييمهم للشعر نفسه – بوصفه نشاطًا تخييليًا وتخيليًا- على المستويين المعرفي والأخلاقي"5، كما توصلوا إلى أن المخيلة تكون في بدايتها في الحس الظاهر ثم في الحس المشترك ومكانها هو الدماغ  "ورتبوا كلاً منها وفقًا لتقييمهم للدور الذي تقوم في عملية الإدراك وما بعده عن الحس وقربه من التجريد (باستثناء) الفارابي الذي   يجعل مكان هذه القوى أحيانًا في القلب، وأحيانًا في الدماغ"6...

اهتم البلاغيون بدورهم بدراسة مفهوم التخييل وخاصة عبد القاهر الجرجاني الذي ربط التخييل بالإبداع خلال حديثه عن المعنى إذ قسمه إلى قسمين اثنين عقلي وهو "المعاني الصحيحة التي تجري مجرى الأدلة التي يستنبطها العقلاء والفوائد التي يثيرها الحكماء"7 وتخييلي يقوم على ابتكار صورة جديدة مخادعة، ويعرفه الجرجاني بقوله: "القسم التخييلي هو الذي لا يمكن أن يقال إنه صدق (...) ويأتي على درجات، فمنه ما يجيء مصنوعًا استعين عليه بالرفق والحذق حتى أعطي شبها من الحق وغشي رونقًا من الصدق..."8.

ميز الجرجاني في المعنى بين ثنائية العقل/التخييل، وقد كان على وعي تام بقدرات الشاعر على الخلق والابتكار المتمظهرين في جمالية الصور البلاغية المحدثة من تشبيه وحسن تعليل واستعارة... إن الشعر - حسب الجرجاني- إبداع فني يتسم صاحبه بقدرات ذهنية تجعله يبتكر صورًا حسيةً جماليةً مستمدةً من الواقع تثير مشاعر المتلقي فيعجب بها لاندهاشه من طريقة تأليف الشاعر بين المعاني المادية المشتركة والصور الحسية الخداعة القائمة على الجمع بين المتنافرات، ليصل الجرجاني إلى أن التخييل مجرد وهم كاذب. أما القرطاجني فيعتبر التخييل اللبنة الأساس للشعر فـ "الشعر -عنده- إثارة تخييلية لانفعالات المتلقي يقصد بها دفعه إلى اتخاذ وقفة سلوكية خاصة تؤدي إلى فعل شيء أو طلبه أو اعتقاده، وهذه الإثارة تحدث فعلها لدى المتلقي فيما يسميه علم النفس القديم "قوى الإدراك الباطن"...بفضل الصور أو المخيلات التي يطالعها أو يسمعها في القصيدة"9. ويقوم التخييل الشعري على جانبين، الصورة المخيلة المبتكرة التي ينتجها خيال الشاعر، والانفعال الحسي المحدث في المتلقي، فللصورة الشعرية تأثير حسي خالص، ويرجع جابر عصفور ربط القرطاجني الصورة بالنفس إلى تأثره بالطرح الأرسطي  "وجلي أن مفهوم حازم للتخييل الشعري يستند إلى أساس سيكولوجي واضح له جدوره الأصيلة في علم النفس الأرسطي"10.

إن أساس الشعر عند القرطاجني هو التخييل والمحاكاة11، وهو ويميز بينهما معتبرًا أن دور المحاكاة ينحصر في النص، فهو تعبير نصي عن العالم الواقعي بكل ما يحمله من مواقف وأفعال... بينما يتجاوز التخييل النص إلى المتلقي مستهدفًا إثارته، وقد منح القرطاجني أهمية كبرى لردود فعل المتلقي تجاه الأقاويل الشعرية وما تتضمنه من تخييل فـ "فتنة النص لا تتحقق إلا من خلال منشئه ومتلقيه، ومن تم لا تدرك قيمة الخطاب الشعري ولا فضائل التخييل ما لم توضع على محك التلقي"12.

يعتبر حازم أن التخييل ينبني على أربعة أسس وهي  "المعنى والأسلوب واللفظ والوزن"13 وترتبط هذه العناصر عبر ثلاثة قواعد وهي التناسب والتجسيد والتعجيب14، ويتمثل التناسب في القدرة على تنظيم الصورة الذهنية وإفراغها في قالب لفظي مناسب لها، أما التجسيد فيتجلى في التعبير عن الأفكار المجرة بصور حسية مجسدة ومثال ذلك تجسيد15 "الشاعر القديم أبو ذويب الهذلي جسد المنية في صورة وحش كاسر لا يرحم قال:

وإذا  المنية  أنشبت  أظفارها

                                 ألفيت  كل  تميمة  لا  تنفع"

 

والمقصود بالتعجيب الغرابة المتمثلة في قدرة الشاعر على ابتكار صورة عجيبة لم يسبق للسامع تمثلها من قبل.

لا يقتصر التخييل إذن على الصور البلاغية فقط وإنما يتأسس على عناصر أخرى كالوزن والمعنى واللفظ، فالقرطاجني يرى أنه يتجسد بوضوح في المعاني والتي يقسمها16 إلى مشتركة متداولة بين الناس أجمعين، وخاصة ينفرد به الشاعر وأفضلها هي التي تؤثر في المتلقي لأن النفس تتعلق بها كثيرًا  "كالذكريات للعهود الحميدة المتصرمة التي تجد النفوس تلتذ بتخيلها وتذكرها، وتتألم من تقضيها وانصرامها"17، والأسلوب والنظم بدورهما يميزان بين الشعراء، إذ أن لكل واحد منهم أسلوبه الخاص وطريقته المنفردة في النظم، وأبرز عنصر مميز للقصيدة بالإضافة إلى التشبيه المبتكر الغرابة والتي اعتنى بها حازم أشد العناية إذ اعتبرها من محسنات الشعر، من هنا كانت الغرابة عنصر من العناصر الأساسية التي تحدث الانفعال في المتلقي.

ثانيًا: تجليات التخييل ومقوماته عند أبي العلاء المعري:

ينبني التخييل - حسب المعري- على لبنتي الكذب والإيهام، ويتجلى ذلك في قوله في خطبة ديوانه الأول "سقط الزند"18 "الشعر للخلد، مثل الصورة لليد، يمثل الصانع ما لا حقيقة له  ويقول الخاطر ما لو طولب به لأنكره، ومطلق في حكم النظم دعوى الجبان أنه  19شجيع ولبس العزهاة ثياب الزير، وتحلّى العاجز بحلية الشهم الزميع"، لكن مبدأ التمويه والتضليل لا يمنع التخييل من احتلال مكانة حاسمة في عملية الإبداع الشعري، فهو الحَكم الذي يفاضل بين الشعراء لأنه يشكل جزء لا يتجزأ في تركيب كل من الطبع والصنعة فلاختبار الموهبة الشعرية لا بد من الاحتكام إليه، ولممارسة الشاعرية يجب الانطلاق منه. وقد خضع أبو العلاء نفسه لهذا الاختبار في مرحلته الفنية الأولى، ويتمظهر لنا ذلك بوضوح في قوله  "ولم أطرق مسامع الرؤساء بالنشيد، ولا مدحت طالبًا الثواب، وإنما كان ذلك على معنى الرياضة وامتحان السوس"20، وقوله:

"لا يوهمُنَّك إنّ الشعر لي خُلقٌ        

                             وإنّني بالقوافي دائم الأنس"21

يقوم التخييل - من منظور أبي العلاء- إذن على جملة من الخصائص، فهو يتجلى في الطبع؛ ذلك أن الشاعر يملك إحساسًا مرهفًا وقدرات فنية خلاّقة خاصة به تجعله يبدع في نظم الأشعار وقد عبّر المعري عن ذلك من خلال هيكل ديوانه الذي لا يتكون من القصائد الطوال فقط، بل من مقطوعات ونتف، فالقريحة الشعرية يمكن أن تجود بأبيات كثيرة تترجم معاناة الشاعر وألمه، كما أنها يمكن أن تقتصر على ثلاثة أبيات تجمل فرحته فالطبع لا يستقر على حالة واحدة لتأثره بما يمر بخاطر الإنسان من أفكار، وما يختلج قلبه من مشاعر، وما يعيشه من أحداث وتقلبات، يقول المعري:

"فصرّفني وغيّرني زمان      سيعقبني بحذف وإدغام"22

كما أنّ التخييل يستدعي ابتكار صور مجازية لا تتطابق مع الواقع لدور التمويه في التأثير في مشاعر المتلقي، والذي يحصل بفعل مخيلة الشاعر الذهنية، إذ تسعفه في التعبير عن أفكاره وتصويرها تصويرًا حسيًا. وقد استدعى أبو العلاء هذه المخيلة في جملة من المواضع التي تنم عن قدرته على التلاعب باللغة وتسخيرها لخدمة أغراضه كقوله:

"حلب، للولي جنة عدن      هي للغادرين، نار سعير"23

تبرز قدرات المعري اللغوية هنا في تصويره لحلب، فقد جعلها في صدر البيت جنة عدن بهدف التأثير في ذهن المتلقي الذي سينخدع ويتخيلها في صورة فردوس مليء بالبساتين المخضرة والجداول العذبة والفواكه المتنوعة، كيف لا وهي جنة الخلد الدائمة النعم، غير أنه بمجرد انتقالنا لعجز البيت نجده يقدم حلب نفسها في أبشع الصور -في حالة الغدر- فهي نار ملتهبة تحرق كل شيء دون رحمة ولا شفقة، ويحضر التمويه أيضًا في قوله:

"وأعظم  حــادث  فــرس  كريم  

                            يكون  مليكه  رجلاً  شحـيـحا"24

ففي الوهلة الأولى نجده يصف الفرس بأفضل الصفات وأروعها، وهنا يتخيل المتلقي مباشرة صورة الفارس الذي سيكون لا محالة بطل مغوار، شجاع، ينعم بأفضل الأخلاق وأكرمها. غير أننا حينما نتابع قراءتنا للبيت، ينهضنا المعري من سبات تمويهه بقوله إن مليكه فارس حقير يتصف بأكثر الرذائل بشاعة وقبحا فهو شحيح، بخيل، معرض عن الإنفاق. وقد اتسع أفق التخييل لأبعد مدى حينما بالغ في وصف حدة بصر الإبل لدرجة أنه جعلها تبصر النّار قبل إضرامها في الظلام الذي تنعدم خلال حلوله رؤية كل شيء حتى وري الزناد:

"وكــن  يرين  نــار  الــــزند  فيه   

                             فلم يبصرن، إذ ورت الزّناد"25

وفي وصفه لخيله الذي يمتد ظله لدرجة أنه يقيه من حرّ الهاجرة:

"ولقد  أظــل  تظلني  وصـحـابتي 

                    والشمس مثل الأخزر المتشاوس"26

يجعل التخييل لغة المعري الشعرية خلاقة، متحررة، تنزاح عن قوانين المنطق العقلي المحدود، لتتمسك بحبال الخيال اللامتناهية.

يحتل الإيقاع بدوره مكانةً مهمةً في التخييل العلائي، وذلك لوعي الشاعر بدوره في التأثير في المتلقي، سواء الإيقاع الداخلي أو الخارجي، فقد كان حريصًا على استدعاء التكرار والجناس والترصيع وغيرها من المحسنات البديعية لكونها تنال استحسان المتلقي وتثير  مشاعره وتهيمن على أحاسيسه، وتجعله يذعن لما يطرح عليه من قضايا وأفكار بكل يسر... ومن ذلك مثلاً التوازن الصوتي الذي ارتأى المعري أن على الشاعر الاهتمام به وذلك من خلال الحرص على عدم اجتماع ساكنين في كلماته لتأثير ذلك على نفسية المتلقي، ودليل ذلك  قوله في رسالة الصاهل والشاحج: 27"...وقد علمت أن صوتك له نوعان: الحمحة والشحيح، وكلاهما لا مسلك له في الموزونات لأن الكلمة إذا اجتمع فيها ساكنان يتوسطانها لم يمكن أن تنظم في حشو البيت العربي إلا في موضع واحد، كقوله:

فرمنا القصاص وكان التّقاص

                           فرْضا وحتْما على المسلمينا

وليس ذلك بمعروف ولكنه شاذ مرفوض، وما شذ من كل الأسماء فإنه لا ينكسر به القياس"، كما اهتم كذلك بالقافية وعمل على تنوعيها وأشاد بتفننه فيها لدوها الحاسم في التمييز بين الشعراء:

" تساورُ فحل الشعر، أو ليث غابه

                           سفاهًا، وأنت الناقة العشراء28

أتمشي  القوافي  تحت  غير  لوائنا

                              ونحن، على قولها، أمراء؟"

 ألح المعري على ضرورة الخبرة بعلم القافية وبحروفها كحرف الروي لقوله: "وأما دعواك نظام الشعر، فخلة لا تفتقد معها زلة: إذا جاء الروي فضح الغوي"29، فضلًا عن اهتمامه بالأوزان القوية المتينة وحثه على ضرورة استدعائها خلال عملية النظم كالطويل الذي جعله أعظم البحور وأهمها حينما قرنه بالمديد:

"فإن  الطويل  نجيب  القريض

                                أخوه المديد ولم ينجَبِ"

وحينما قرن بينه وبين عزيز الدولة في قوله:  "...وللسيد عزيز الدولة –أعز الله نصره- فضل على غيره من الملوك مثل فضل الطويل على المنهوك، لا بل أعظم وأكثر إذ كان الطويل إنما غاية عديته ثمانية وأربعون حرفا، والمنهوك أطول ما يكون أربعة عشر حرفا وأقصر ما يكون عشرة أحرف".

نصل إلى أن عملية التخييل –حسب أبي العلاء- تقوم على ثلاثة أعمدة وهي:

الطبع، فالشعر غريزة مرتبطة بالطبع الإنساني، وهو لا ترتبط بفئة دون أخرى أو بأمة دون غيرها، إذ يمكن أن  "يقوله الصبي أو المرأة أو الشيخ والعجوز الفانية، وهو في غرائز الأمم كلّها حتى إنه يحكم على أنه لا يمتنع أن يخطر الكلام الموزون لمن لم يسمع شعرًا قط". إن الإبداع الشعري فطرة جُبل عليها الإنسان.

الصنعة وتتحقق من خلال الدربة الطويلة والتجربة المكرّرة المرتبطة بـ "العلم بالكلام والجدل والنظر في الفقه وأحكام الشعر اللطيفة التي لعله ما ادّعى معرفتها جاهلي ولا إسلامي من أهل النظم"... وبالتالي فصناعة التخييل توجب إتقان كل العلوم اللغوية من بلاغة ونقد وعروض وصرف ونحو.. وكذا غنى ثقافة الشاعر العامة.

التمويه وخداع المتلقي بصدق ما يعرض عليه من صور وأفكار حتى وإن كانت غير مطابقة للواقع، ولعل الكذب أهم خاصية من خصائص التخييل الشعري في نظر المعري، فلو لم يكن الأمر كذلك لمّا اتخذه معيارًا للحكم على جودة أشعار ديوان اللزوميات "...ولا أزعمها كالسّمط المتخذ وأرجو أن لا تحسب من السّميط".   

خاتمة:

نخلص إلى ارتباط التخييل – من منظور أبي العلاء- بثلاثة عناصر وهي الموهبة على اعتبار أن الإبداع الشعري فطرة جبل الإنسان عليها واختص الله بها فئةً دون غيرها... والصنعة التي تعمل على صقل الموهبة الشعرية وتنشيطها وهي تتطلب –حسب المعري- الإلمام بعلوم اللغة من صرف وبلاغة وعروض ونحو... وكذا التبحر في مختلف المجالات الثقافية من فقه وفلسفة وعلم كلام وغيرها، وتسعف هذه المعارف الشاعر في انتقاء الصورة والأسلوب وغيرها من القوانين الشعرية المناسبة لغرض القصيدة وأهدافها المختلفة، ويشكل العنصر الثالث أهم هذه العناصر وهو يتمثل في القدرة على الكذب والتمويه والخداع وذلك من خلال جعل المتلقي يصدق ما يعرض عليه من صور وأفكار حتى وإن كانت غير متطابقة مع الواقع. من هنا نصل إلى وعي الشاعر أبي العلاء المعري بمفهوم التخييل ومقوماته ونجاحه في المزج بين ما خلفته الفلسفة الأرسطية بهذا الخصوص وبين مجهود الفلاسفة والبلاغيين المسلمين.

 

الهوامش:

1 - ابن منظور، لسان العرب، المجلد11، مادة (خيل)، ص: 226-227.

2 - جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي، تفسير الجلالين (بهامش القرآن الكريم) دار صبح، بيروت، ص 253.

3 - أرسطو، فن الشعر، مصدر سابق، ص3. 

4 - يوسف إدريس، التخييل والشعر (حفريات في الفلسفة العربية الإسلامية) منشورات ضفاف، دار الأمان، الرباط، ط1 2012م، ص 158.

5 - ألفت محمد كمال عبد العزيز، نظرية الشعر عند الفلاسفة المسلمين (من الكندي حتى ابن رشد) الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1984 م، ص 15.

6 - "المرجع نفسه" ص 21.

7 - عبدالقاهر الجرجاني،  أسرار البلاغة،  تح محمد الفاضلي، المكتبة العصرية، بيروت، ط3، 2001م، ص 199.

8 - "المصدر نفسه" ص 196.

9 - جابر عصفور، الصورة الفنية في التراث النقدي البلاغي عند العرب، المركز الثقافي العربي، ط3 1992م، ص 298.

10 - "المرجع نفسه" ص 299.

11 - حازم القرطاجني "مرجع سابق" ص 21.

12 - حسين العوري، الخطاب الشعري ووظائف التخييل عند القرطاجني، مجلة حوليات الجامعة التونسية، كلية الآداب والفنون والإنسانيات، منوبة العدد 57، 2012 م،  ص 225.

13 - القرطاجني "مرجع سابق"" ص 21.

14 - "المرجع نفسه" ص 222.

15 - "المرجع نفسه" ص 222.

16 - القرطاجني "مرجع سابق" ص 21.

17 - "المرجع نفسه" ص 21.

18 - الخلد: البال، الخاطر: القلب، العزهاة: الذي لا يحب النساء، الزير: الذي يكثر من زيادة النساء، الشهم: الحديد الفؤاد، الزميع: المقدام  المعري، ديوان سقط الزند، دار صادر، بيروت، 1957م، ص6

19 - امتحان السوس: الطبيعة، المصدر نفسه والصفحة نفسها.

20 - لا يوهمنك: لا يوهمك الناس، ديوان سقط الزند، تحقيق التبريزي والبطليوسي والخوارزمي، تقديم لجنة بإشراف طه حسين، مركز تحقيق التراث، الهيئة المصرية العامة للكتاب،ط 1987م، ج2، ص 711.

21 - المعري، ديوان "سقط الزند"، "مصدر سابق" ص 41.

22 - " المصدر نفسه" ص 72.

23 - "المصدر نفسه" ص 75.

24 - المعري، "سقط الزند"، "مصدر سابق"، ص: 83.

25 - "المصدر نفسه" ص 191.

26 - أبو العلاء المعري، رسالة الصاهل والشاحج، تحقيق عائشة عبد الرحمان، بنت الشاطئ، دار المعارف، القاهرة، ط2، 1984م، ص 162.

27 - المعري، "ديوان سقط الزند" "مصدر سابق" ص 189.

28 - أبو العلاء المعري "رسالة الصاهل والشاحج"، "المصدر نفسه"، ص 156.

29 - المعري، "اللزوميات "مصدر سابق" ج1 ص 208.

30 - أبو العلاء المعري "رسالة الصاهل والشاحج"، "مصدر سابق"، ص 517.

31 - "المصدر نفسه"، ص 194.

32 - نفسه والصفحة نفسها.

33 - السميط: الآخر المبني بعضه فوق بعض، المعري، "اللزوميات"مصدر سابق" ص 19.


عدد القراء: 420

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-