الأبعاد القيمية في أدب الأطفال (المجموعة القصصية أحلام العصافير لعبد الله لالي نموذجًا)الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2016-05-19 00:39:29

د. دليلة مكسح

أستاذة جامعية - جامعة الحاج لخضر- باتنة- الجزائر

أن تكتب للطفل وتنجز لأجله منجزًا ما، فأنت تسهم في بناء إنسان، وصقل شخصية، وتلوين ورقة بيضاء بألوان معينة، لذلك يُعد أدب الطفل من النوع الكتابي المهم والصعب في الآن نفسه، لما يحتاجه من خبرة، وتغلغل عميق في شؤون الطفولة قبل شؤون الكتابة، وليس جميع الكتاب بقادرين على الدخول في هذا المجال والنجاح فيه؛ لأن صنع الإنسان مهمة عظيمة، لذا من الجدير بمن يريد الخوض في هذا الشأن، أن يعتني بتزويد نفسه بمختلف المعارف الفكرية والنفسية والاجتماعية المتعلقة بالطفل، وأن يكون على دراية تامة بخصوصية العصر، والظروف التي يعيشها الأطفال الذين يريد الكتابة لهم، وأن يحمل في ذاته أهدافًا تربوية وتقويمية، يسعى من خلالها إلى تأسيس مجموعة خطوات، وآليات تعينه على تحقيق مبتغاه النبيل، وليس مجرد الكتابة دون ضوابط ومرجعيات أصيلة، لأن أدب الطفل يؤسس بأثره أجيالاً ويبني أممًا، ويحتاج لتحقيق ذلك مراسًا وخبرة.

يعد الأديب والناقد الجزائري عبد الله لالي من الكُتَّاب الذين يشتغلون على الكتابة للطفل، بخاصة في جنس القصة، والمتتبع لمجموعته القصصية (أحلام العصافير) يكتشف حجم القيم التي تبرز أهدافه من الكتابة للطفل، ومستوى حسه بالمسؤولية تجاه هذا النوع من الكتابة، إذ يشتغل على العناية بجانبين مهمين، وهما الموضوع والشكل، ويسعى إلى استثمار خصوصية كل جانب من أجل تقديم قصة وافية، وشافية يمكنها القيام بأدوار عدة تربوية وتثقيفية وجمالية في الآن نفسه، تجعل عملية الكتابة رافدًا مهمًّا لأي طفل، تصقل شخصيته، وتوجهه نحو السلوكيات التربوية الصالحة، وتثري رصيده المعرفي واللغوي، وتنمي فيه الحس الجمالي والإبداعي؛ فالقصة في عمقها عمل فني، ورسالته الأولى إثارة انبهار الطفل والترفيه عنه، وتثقيفه في الآن نفسه.1

إن ما يلفت انتباه الدارس لنصوص (أحلام العصافير) ذلك الاشتغال الحثيث على مجموعة من الأبعاد القيمية الموضوعية والفنية التي لا يمكن الاستغناء عنها، إذ إن غنى النص بالمعلومات والقيم يزود الطفل بالمعرفة، وينمي فكره، ويساعده على بناء شخصيته بناء سليمًا2، وتتنوع تلك الأبعاد بين قيم تاريخية ووطنية ودينية واجتماعية وإنسانية وجمالية، وحضورها في مجموعة قصصية واحدة يمكن عَدُّهُ ثروة متنقلة بين أيدي القراء الصغار، لما سترسخه من قيم سامية في نفوسهم، ولما ستصقل به شخصياتهم، فعلى مستوى القيم التاريخية والدينية اهتم الكاتب بغرس بعض الثوابت، التي تُمكِّن الطفل من فهم ذاته، ومعرفة مكونات هويته، وخصوصية انتمائه، الذي يجمع بين البعد الأمازيغي والعربي، وصقل شخصيته في جانبها الأخلاقي والعقائدي، الذي يمنحها قيمًا تعينها على الخوض في غمار الحياة بشخصية متزنة، مثل قيم الوفاء والتضحية وتحمل المسؤولية والعدل والمحبة...، التي يؤطرها جميعًا البعد الديني الإسلامي، ويظهر ذلك بشكل وافر في قصة رحلة على ظهر تنين بأجزائها الأربعة3، وفي قصة كنز الكنوز4 التي اشتغل فيها الكاتب على مقومات الهوية الجزائرية، وعلى مستوى القيم الوطنية، فإن الكاتب اعتنى عناية شديدة بالإحالة إلى قيمة الانتماء في جوانبه المحلية (الانتماء للجزائر)، والعالمية (الانتماء للعالم العربي والإسلامي)، وسعى إلى توجيه ذهن الطفل نحو ضرورة الحفاظ على مقومات هذا الانتماء بشقيه المذكورين، بخاصة في قصتي رحلة على ظهر تنين الجزئين الثالث، والرابع5، أما على مستوى القيم الاجتماعية والإنسانية، فقد اهتم الكاتب اهتمامًا شديدًا ببعض المبادئ التي تؤسس ثمرة العلاقات بين الإنسان والإنسان، وبينه وبين بقية الكائنات، التي يربطها رابط الانسجام والاحترام والتوافق، ففي قصتي العصفور الأخضر6، وانتقام الأسد7، وقطتي8 يظهر جليًّا ذلك الاحتكام إلى البعد التربوي، الذي ينمي سلوك الخير في الطفل حين يتعامل مع الطبيعة أو الإنسان، ويطبع في ذهنه معاني التلاحم والترابط الأسري، ما يعينه على التكيف مع حاجيات مجتمعه، ويمنحه الآليات المناسبة لمواجهة "المتغيرات الجديدة." 9

ولقد صاحبَ مجموع القيم التي اعتنى بها الكاتب في تأسيس مضامين قصصه، عناية بارزة بالتقنيات التجريبية، التي تنم عن خبرة الكاتب بأصول الكتابة للطفل، وبأدوات التأثير فيه، ولفت انتباهه، وتمكينه من تذوق القصة، وترسيخها في ذهنه، وتشويقه وتحفيزه في الآن نفسه، ما يؤسس في نفسيته قيما جمالية وفنية متنوعة، ومن أهم تلك التقنيات:

- الاستعانة بلغة سهلة وبسيطة وواضحة، والتنويع بين أسلوبي الوصف والحوار، ما يجعل القصة الواحدة غنية بالحركة والأصوات الساردة للحكاية.

- الاعتماد على تقنية الحلم في سرد مجريات القصة الحاملة للبعد الخرافي، ما يُخرج الطفل من قيد الخرافة، الذي يجعله غير قادر على التفرقة بين حدود الخيال وحدود الواقع، إلى فسحة الحلم الذي يُمَكِّنه من فهم الموضوع والأفكار دون تشويش، وقد برزت هذه التقنية في قصة رحلة على ظهر تنين الجزء الأول10، لتكون وسيلة إقناع للطفل، وتوصل له الفكرة دون جعله يؤمن بالخرافة.

- التقليل من الإرشاد المباشر الذي قد يُشعر الطفل بالملل، وبدلاً من ذلك يستعين الكاتب بتقنيات أخرى كالمحاورة مع شخصية معينة، أو مصاحبة حيوان للطفل، مع الاهتمام بجعل الشخصيات الرئيسة أطفالاً، ما يمكن من إيصال المحتوى دون تقريرية.

- استثمار عنصر الراوي، وذلك من خلال التنويع في الشخصيات الراوية للحكايات، كان من أهمها عنصر الجدة الذي يحبب للطفل الحكاية، ويثير في نفسيته أهمية وقيمة وجود الجدة في حياته، ودورها في تمتين العلاقات الأسرية، وقد ظهر ذلك في قصة انتقام الأسد.11

- العناية بالتسميات ومنحها مدلولات خاصة، سعى الكاتب إلى ترسيخها في ذهن الطفل حتى إذا صادفها لاحقًا، تذكر ما قرأه عنها مثل ديمونة التي رمز لها بمعاني الشر، وتينهنان التي ضمنها معاني الخير، ويعرب، ومازيغ، اللذين منحهما معنى التعاون والتآزر.

- الاهتمام بتقنية السؤال الذي يحفز خيال الطفل، وينمي فيه الحس المعرفي والعلمي، ويزرع فيه الثقة بالنفس.

إن نجاح الكتابة للطفل هو رهين الاشتغال على أهمية الحكاية المسرودة للطفل في قيمتها الموضوعية من جهة، وفي الأدوات المستخدمة لإيصالها، وترسيخها في ذهنه من جهة، وإن كان الكاتب عبدالله لالي قد نجح في تأسيس مجموعته القصصية على المقومات التي تحتاجها الكتابة للأطفال، إلا أن عنصرًا رئيسيًّا تم إهماله، وهو العنصر الأنثوي في القصة، إذ تغيب في مجموع الشخوص الرئيسة فئة البنات، وتغيب حركتها وفاعليتها في أحداث الحكايات، وهو أمر يتوجب الالتفات إليه لتكون القصص جامعة، ومؤثرة في الطفولة بفئتيها، وأن تكون القيم المشتغل عليها في رحاب البياض، مقرونة بتطلعات الذكور والإناث معًا، ما يجعل عملية الكتابة للطفل منصفة ومؤسسة لجيل يافع ونافع، وإذا كان المصلح الجزائري عبدالحميد بن باديس قد قال ذات يوم: (إذا عَلَّمْتَ ولدًا فقد علمتَ فردًا، وإذا علمتَ بنتًا فقد علمتَ أمة)، فإننا فعلاً بحاجة إلى كتابة تكون منفتحة بقيمها التربوية والتثقيفية والترفيهية لجميع الأطفال.

 

الهوامش:

1 - عواطف إبراهيم: قصص الأطفال ودور الحضانة، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، د. ت، ص 8، 9 .

2 - هدى علي الشمري، وسعدون محمود الساموك: مناهج اللغة العربية وطرق تدريسها، دار وائل للنشر، الأردن، ط1، 2005، ص 254 .

3 - عبدالله لالي: أحلام العصافير (مجموعة قصصية)، دار علي بن زيد للطباعة والنشر، بسكرة، الجزائر، د.ت، ص 39،...، ص 82 .

4 - أحلام العصافير: ص 9،...، ص 21 .

5 - أحلام العصافير: ص 61،...، ص 82 .

6 - أحلام العصافير: ص 23،...، ص 28 .

7 -  أحلام العصافير: ص 29،...، ص 34 .

8 - أحلام العصافير: ص 35،...، ص 38 .

9 -حنان عبدالحميد العناني: أدب الأطفال، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، الأردن، ط 4، 1999، ص 45 .

1 0- أحلام العصافير: ص 39،...، ص 50 .

11 -أحلام العصافير: ص 29،...، ص 34 .  


عدد القراء: 5046

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-