هل هناك علاقة بين الأدب والأدباء بالتحليل النفسي؟

نشر بتاريخ: 2017-10-14

المحرر الثقافي:

 

الكتاب: "مدخل إلى الدراسة النفسية للأدب"

المؤلف: د. شاكر عبدالحميد

الناشر: الدار المصرية اللبنانية

يحاول كتاب "مدخل إلى الدراسة النفسية للأدب" للدكتور شاكر عبدالحميد، الإحاطة بالدراسات والإسهامات البارزة التي قدمها محللون نفسيون أمثال فرويد ويونج ولاكان وغيرهم، وكذلك بعض الإسهامات العربية في هذا المجال. كما يتناول موضوعات مثل: الخيال والأحلام والدوافع والانفعالات وشخصية المبدع والإبداع والحرية وغير ذلك من الموضوعات.

ويشير مؤلف هذا الكتاب، الصادر حديثًا عن الدار المصرية اللبنانية، إلى أنه يمكننا أن نلاحظ وجود اهتمامات عديدة قديمة بالموضوعات النفسية في مجال الأدب داخل الأعمال الأدبية، حيث ظهر اهتمام الأدباء والنقاد بالجوانب الخاصة بأنماط الشخصيات وسماتها، ودوافعها، وانفعالاتها، وأفكارها، وصورها، وقيمها، واهتماماتها، وتفاعلاتها، واتزانها، واضطرابها، ومثاليتها، وغير ذلك.

أما في مجال الدراسة النفسية للأدب من وجهة نظر علماء النفس أو المحللين النفسيين، فإن أغلبية الاهتمامات - رغم قلتها- قد انصبت على المبدع دون القارئ، وعلى نوع إبداعي بعينه، غالبًا ما كان هو الشعر، دون الأنواع الأخرى، وفي الكثير من الأحيان كان المنحى التحليلي النفسي هو السائد والغالب على هذه الدراسات.

كذلك أدى الانشغال الزائد بالجوانب اللاشعورية في الدراسات التحليلية النفسية للأدب إلى المبالغة في الاهتمام بالجوانب المرضية والغريبة منه، وإلى هيمنة موضوعات بحثية قليلة تتعلق بالشخصية والخصائص الانفعالية والدافعية المميزة لها وإلى إهمال الجوانب الأكثر إيجابية وأكثر معرفية في الشخصية الإنسانية. رغم أن الأدب لا يمثل فقط الجوانب السالبة لدى الإنسان، بل يمثل أيضًا نجاح هذا الإنسان في علاج أزماته ومشقاته النفسية ويمثل نموه وتحقيقه لذاته وشعوره بالكفاءة والانتماء.

بعد قرون عدة ازداد اهتمام النقاد والشعراء الرومنطيقيين بهذا الجانب النفسي في كتاباتهم حتى إننا نجد شاعرًا مثل وردزورث يؤكد في مقدمة ديوانه "مواويل غنائية" وجود فروق في النوع، وليس في الدرجة، بين الشاعر وغيره من البشر، فالشاعر في رأيه يكون "أكثر حساسية، وأكثر حماسًا، وأكثر رقة، ولديه معرفة أعظم من غيره بالطبيعة البشرية، كما أن روحه تكون أكثر اتساعًا وشمولاً وقدرة على التفكير، وعلى الشعور، بما يعتمل في باطن الروح الإنسانية من انفعالات".

ويشير عبدالحميد إلى أنه في بداية القرن العشرين بدأ ظهور الاهتمام بالدراسات النفسية للأدب مع إسهامات التحليل النفسي في ميدان الأدب، فظهرت كتابات فرويد ويونج ووساخس وجونز وغيرهم في هذا الشأن. وقد تباينت استجابات نقاد الأدب والفن وعلماء النفس إزاء ما قدمه التحليل النفسي، بين المؤيد تمامًا لهذا الاتجاه، أو المعارض تماما له، وبين هؤلاء وهؤلاء وقف البعض الثالث في مرحلة المنزلة بين المنزلتين، بين التأييد والمعارضة.

وخلال العقدين أو العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين بدا أن الإسهام التحليلي النفسي، في ميدان الأدب، قد بدأ يشحب بدرجة واضحة، وبدأ الإسهام الخاص بما يسمى بالمنحى الموضوعي في دراسة الأدب يتزايد ويقدم إسهاما متميزا تلو الآخر.

في العقد الأخير من ذلك القرن وما بعده بدا أن حالة الكمون التي أصابت التحليل النفسي في هذا المجال قد انتهت، ومن ثم عاود هذا الاتجاه دراسة الأدب من خلال مفاهيم جديدة أو من خلال مفاهيم قديمة تم كشف الغطاء عنها فاستخدمت بأشكال بارعة جديدة ومنها، تحديدًا، مفهوم الغرابة.

وتوجد، على المستوى العربي، منذ زمن طويل، اهتمامات واضحة من قبل النقاد والأدباء بالبعد النفسي في الأدب. وقد تجلت هذه الاهتمامات في كتابات عبدالقاهر الجرجاني، خاصة في أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز، ولدى ابن قتيبة، في الشعر والشعراء. ولدى الفارابي وابن مسكويه وإخوان الصفا وحازم القرطاجنى وغيرهم، مقدمين إشارات وتصورات عديدة حول الإدراك والصور الذهنية والذاكرة والخيال والإبداع.

وقد اعتبر محمد خلف الله أحمد عام 1914 تاريخًا لميلاد فكرة الاهتمام العلمي بالبعد النفسي في الأدب، ففي ذلك العام حصل طه حسين على الدكتوراه في الأدب عن أبي العلاء المعري ووردت في هذه الدراسة وغيرها من دراسات طه حسين إشارات واضحة إلى اهتمامه الملحوظ بالبعد النفسي في الأدب وتجلى ذلك، أيضًا، في كتبه "حافظ وشوقي" و"مع المتنبي" ودراساته عن بشار بن برد وأبى تمام وغيرهما.

ثم بدأ هذا الموضوع يأخذ مكانه في جدول الدراسات العليا بقسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة القاهرة، وهناك أيضًا إسهامات مهمة في هذا السياق، قدمها حامد عبدالقادر والنهويهى ثم العقاد.

من الأمثلة الشهيرة أيضًا في هذا السياق ذلك الإسهام الذي قدمه عزالدين إسماعيل في كتابه "التفسير النفسي للأدب" والذي أكد فيه أن "العلاقة بين الأدب وعلم النفس لا تحتاج إلى إثبات، وكل ما تدعو الحاجة إليه هو بيان هذه العلاقة وشرح عناصرها، وأن النفس تصنع الأدب، كذلك يصنع الأدب النفس". وقد استفاد إسماعيل في كتابه هذا من كتابات "فرويد" خاصة "الكبت واللاشعور"، و"التناقض الوجداني"، و"عقدة أوديب".

قدم الأدباء الكثير من الدراسات المتعلقة بما قدمه الأدباء ونقاد الأدب من إسهامات في مجال اكتشاف الأبعاد النفسية للأدب، أي بذلك الاتجاه الذي كان يسير من الأدب ويتجه نحو علم النفس، وقد كان أصحابه من المشتغلين بالأدب لكنهم حاولوا أن يتوصلوا إلى فهم أكبر للظاهرة الأدبية، كما تتجلى في بعدها النفسي.

ويتناول هذا الكتاب عددًا من الموضوعات المهمة ذات الفائدة الكبيرة للقارئ العام وكذلك الباحث المهتم بهذا المجال، وقد أفاض المؤلف في الحديث عن الاتجاه التحليلي النفسي، خاصة لدى فرويد، ويونج ولاكان، باعتباره المنحى الذي تصدى أكثر من غيره لدراسة الأدب والأدباء والذي يعرفه قراء العربية أكثر من غيره أيضًا على الرغم ممّا يعانيه هذا الاتجاه من جوانب قصور وثغرات.


عدد القراء: 192

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-