«ما وراء الشتاء».. رواية عن المهاجرين والحب المتأخر

نشر بتاريخ: 2018-04-08

المحرر الثقافي:

الكتاب: "ما وراء الشتاء"

المؤلف: ايزابيل الليندي

المترجم: صالح علماني

الناشر: مكتبة "تنمية" في القاهرة ودار "الآداب" في بيروت

تخرج رواية ايزابيل الليندي «ما وراء الشتاء»، الصادرة حديثًا، عن سياق رواياتها السابقة المصنفة بمعظمها في اطار الكوميديا السوداء، التي تمزج حس الفكاهة بالسوداوية. نحن أمام رواية تشغل فيها الانفعالات والعاطفة حيزًا واسعًا تبرع فيه الليندي في جعل شخصياتها واحداثها تنتقل بخفة مذهلة بين الدعة والكآبة خارج أي اتساق أو توقع.

لقاء المهاجرين

تروي الليندي سيرة ثلاث شخصيات من المهاجرين الوافدين إلى الولايات المتحدة، من بلدان تركت داخل كل واحد منهم شروخًا وتشوهات تصعب مداواتها. إيفلين أورتيغا، مهاجرة غير شرعية هربت من غواتيمالا في ظروف مروعة لتقيم وتعمل في الولايات المتحدة بأوضاع لا تقل سوءًا. لوسيا ماراز استاذة جامعية من أصول تشيلية تجاوزت الستين من عمرها، أقامت في كندا لعقود قبل أن تنتقل إلى الولايات المتحدة. وأخيرًا ريتشارد بووماستر في الستين من عمره باحث أكاديمي كئيب ومنعزل، ويحاول صد محاولات زميلته الجامعية لوسيا بسبب تجربة زواج سابقة بشابة برازيلية حولت حياتهما في ريو دي جانيرو إلى سلسلة من المآسي العائلية المدمرة.

حب متأخر

تفتتح رواية «ما وراء الشتاء» على يوم عاصف ومثلج في بروكلين يتسبب بحادث مرور بسيط بين الأستاذ الجامعي ريتشارد والمربية الغواتيمالية ايفلين. ما يبدو في البداية مجرد حادثة مزعجة يأخذ بعدًا غير متوقع وأكثر خطورة عندما تلجأ ايفلين مذعورة إلى منزل الأستاذ الجامعي طلبًا للمساعدة، لكونها لا تملك رخصة قيادة ولأن ثمة جثة في صندوق سيارتها. ذعر ايفلين وتوسلها يرغم ريتشارد الذي كيّف حياته على إيقاع لا مكان فيه للمفاجآت أو الاضطرابات، على استدعاء زميلته لوسيا لطلب مشورتها في التعامل مع هذه الورطة. حادث بسيط سيبدل حياة الثلاثة ويأخذهم في مسارات لم تكن في حسبانهم، والأهم أنه سيقود إلى قصة حب غير متوقعة بين شخصين اعتقدا أنهما أصبحا على مسافة بعيدة منه بسبب البرودة التي تكتنف شتاء أعمارهما على أبواب الكهولة.

لقاء الثلاثة في بروكلين بسبب هذا الحادث سيشكل منطلقًا إلى تفرع السرد ومناخاته مكانيا وزمنيًا. تمضي الليندي في اقتفاء ماضي شخصياتها وسيرهم في كل من غواتيمالا والبرازيل وتشيلي في حقبات من الماضي القريب والبعيد، لنكتشف أن في حياة كل منهم صندوقًا أسود أكثر إثارة ورعبًا من الجثة الموضوعة في السيارة.

ندوب الماضي

تعود الليندي بالزمن على طريقة فلاش باك لتكشف لنا خلفيات أبطال روايتها الخالية من أي ملمح كوميدي، بل البائسة في تراجيديتها. فنعرف ان وراء مزاجية وتجهم ريتشارد حوادث مروعة نجا منها لكنها سببت له صدمات نفسية، وأن لوسيا عانت خلال حكم الدكتاتوري بينوشيه وفقدت شقيقها، أما المربية الشابة التي يحاول لوسيا وريتشارد مساعدتها فقد تعرضت خلال طفولتها في غواتيمالا لعمليات تعذيب شوهت عقلها وجسدها.

لا تهمل الليندي أي تفصيل دراماتيكي يكشف عن معاناة اناس يخاطرون بحياتهم للمجيء إلى الولايات المتحدة، وتشي كتاباتها غالبًا بتعاطف معهم، مدركة العجز والخوف الذي يعيشه هؤلاء المهاجرون المعرضون لخطر اعادتهم إلى الجحيم الذي فروا منه.

تضمين الرواية مشاهد مرعبة ليس غريبًا على الروائية التشيلية التي طبعت حياتها حوادث مريرة. فهي إحدى الناجيات من انقلاب تشيلي في عام 1973 الذي أطاح قريبها الرئيس سلفادور الليندي آنذاك، كما إنها فقدت ابنتها في عام 1992 عن عمر 28 عامًا. وتناولت عبر مؤلفاتها التي تجاوزت العشرين حكايات المظلومين والمهمشين.

سيرة ضمنية

قصة إيفلين هي من بين أفضل فصول الكتاب. من خلالها تتراءى لنا فصول من سيرة الليندي نفسها في بلدها الأم تشيلي، ونضالها الدائم في الدفاع عن حقوق الإنسان، لاسيما حين تروي قصة هروب ايفلين الشاق من غواتيمالا عبر المكسيك، ومنها إلى حدود الولايات المتحدة، وسط لامبالاة مسؤولي الحدود الأمريكيين الذين يتعاملون يوميًا مع مئات المهاجرين المحتملين.

استلهمت الليندي عنوان روايتها من عبارة البير كامو الذي عاش هو الآخر تموجات من الفرح والحزن في آن معًا، «في خضم الشتاء عرفت أخيرًا أن في داخلي صيفًا لا يقهر»، تختزل رغبة عميقة في مخاتلة كآبة الواقع وقتامته، لأن العالم يولد كل يوم من ضوء جديد كما يقول كامو نفسه. لكن التحدي بالنسبة للروائي يكمن في تمرير هذه الرغبة الى القارئ من دون تسخيف أهوال الحياة أو تزييف احتمالات السعادة. بمعنى آخر في عدم تحويل التبشير بالأمل الى مهزلة أخرى من مهازل الحياة.

إيزابيل ألليندي، التي وُلدتْ في البيرو، وترعرعتْ في التشيلي، هي صاحبة الروايات الأكثر مبيعًا واحتفاءً من قِبل النقّاد، كـ "بيت الأرواح" و"باولا" و"العاشق الياباني". بيع من رواياتها أكثر من 65 مليون نسخة في أرجاء العالم كافَّة.


عدد القراء: 332

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-