تاريخ الكتابة.. من التعبير التصويري إلى الوسائط الإعلامية المتعددة

نشر بتاريخ: 2018-04-21

المحرر الثقافي:

الكتاب: "تاريخ الكتابة.. من التعبير التصويري إلى الوسائط الإعلامية المتعددة"

المؤلف: إعداد 18 باحثًا

المترجم: إشراف الباحثة آن ماري كريستيان

الناشر: مكتبة الإسكندرية

يتناول هذا الكتاب الذي قام على إعداده 18 باحثًا في مجال الخطوط بمكتبة الإسكندرية تطور مراحل الكتابات والخطوط في العالم بأسره. كما يقدم آخر ما توصلت إليه الأبحاث العلمية في تاريخ الكتابة ويحلل دور الصورة ومنظوراتها المتعددة في كل الكتابات التي عرفتها الشعوب..

يحمل الكتاب الذي يعد بمثابة موسوعة علمية مهمة عنوان «تاريخ الكتابة.. من التعبير التصويري إلى الوسائط الإعلامية المتعددة» وهو مترجم عن الفرنسية تحت إشراف الباحثة آن ماري كريستيان. ويتضمن ثلاثة فصول يحتوي كل فصل منها على العديد من الموضوعات المختلفة، ويعطي كل موضوع معلومات عن نشأة البلد، العادات والتقاليد، التعداد السكاني، الشواهد الأثرية الموجودة، بالإضافة إلى نشأة الكتابات والخطوط التي كانت تستخدم من قبل شعوب هذا البلد. كما يوضح أيضًا كيفية تكوين وتركيب الجمل في كل لغة مع شرح كل القواعد النحوية المستخدمة فيها.

تبدأ موضوعات الفصل الأول بالإرهاصات الباكرة للكلمة المكتوبة في حوض نهر الدانوب، حيث شهد قيام حضارة راقية ما بين الألفية السادسة والألفية الرابعة قبل الميلاد. وقد انتشرت هذه الحضارة إلى مختلف أرجاء وسط القارة الأوروبية. كما تم العثور على الكثير من آثارها في كل من ألمانيا وفرنسا. ويرجع الكتاب الفضل في تطور هذه الحضارة بالدرجة الأولى إلى مهارة أهلها في صنع الفخار، الذي صار صناعة رئيسية، مشيرًا إلى أن الصلصال كان هو الخامة المفضلة لتصنيع أشكال ثلاثية الأبعاد، بما في ذلك التمثيل والتصاوير الزخرفية.

ولقد تطورت فنون النقش الزخرفي في حوض الدانوب لتصبح مجموعة من الإشارات والرموز التي تكتنز بها الفراغات الموجودة على جوانب الأواني المصنوعة من الطين اللبن. وتلك كانت البدايات الأولى التي أتاحت للعين أن تتدرب على قراءة هذه الرموز.

الموضوع الثاني في هذا الفصل هو الكتابة المسمارية التي تعد واحدة من الخصائص الأساسية في حضارة الشرق القديم حيث كان أول ظهورها في جنوب بلاد ما بين النهرين في نهاية الألفية الرابعة قبل الميلاد. ويوضح الكتاب كيف ألحق المكتشفون اسم المسمارية بهذه الكتابة وهي مأخوذة من كلمة لاتينية معناها مسمار، أطلقت على تلك العلامات حادة الشكل، وقد جاء هذا الانطباع نتيجة استخدام قلم محدب لعمل علامات ذات أبعاد ثلاثية على سطح طيني في أغلب الأحيان. ويتتبع الكتاب مسار انتشار الكتابة المسمارية عبر الشرق إلى أن وصلت ذروتها في القرن الثالث عشر قبل الميلاد حتى ظهرت في مصر. ويرصد الكتاب تنوع أشكال الوثائق المكتوبة بهذه الطريقة في الأدب والسجلات العلمية وفي الترانيم السحرية والمراسلات وكتابة التاريخ. وتناول الكتاب أيضًا كيفية فك رموز الكتابة المسمارية ومحاولات العلماء والباحثين في قراءتها.

وركز الكتاب بعد ذلك على موضوع كتابة بلاد ما بين النهرين مستعرضًا أدوات الكتابة التي استخدمها الخطاطون والمواد التي كان يكتب عليها، بدءًا بالصلصال والبوص التي توجد في السهل الرسوبي لنهري دجلة والفرات. ويشير الكتاب إلى أن هذه المواد كانت تستخدم في صنع ألواح تتم الكتابة عليها، وكذلك صناعة الأقلام التي يتم بها نقش أو حفر الرموز على سطح الطين أو الصلصال. لقد كانت ألواح الصلصال تحتاج إلى تصفية وتنقية طويلة وإضافة عامل مزيل للشحم لوقايتها من التشقق أثناء التجفيف وبعد أن يفرغ الكاتب من كتابة النص.

ويشير الكتاب إلى ان تعقيد الكتابة المسمارية قد قيد استخدامها في المجتمع، فالفئة الصغيرة من الكتاب فقط هم الذين كان في استطاعتهم الكتابة.

وتحدث هذا الفصل أيضًا عن كتابات مصر القديمة التي ظهرت في أواخر الألف الرابع قبل الميلاد، كما تناول الرموز والعلامات المصرية القديمة وتطورها بدءًا من الكتابة الهيروغليفية في الحضارة الفرعونية التي تعني الخط المقدس، لافتًا إلى أن الهيروغليفية هي الأصل الأول من الكتابة الذي تطورت عنه كل أنواع الكتابة الأخرى التي ظهرت بعد ذلك في مصر، وقد بدأ المصري الكتابة بها منذ الأسرة الأولى حوالي 3180 ق.م واستمرت حتى نهاية النصف الأول من الأسرة الثامنة عشرة والتي وصلت فيه الهيروغليفية بصيغها وقواعدها النحوية إلى العصر الذهبي. ويذكر الكتاب أن المصريين القدماء حافظوا على الكتابة بالهيروغليفية في كل عصورهم. وبعد ألف عام تقريبًا نشأ نوع سريع من الكتابة استعمل جنبًا إلى جنب مع الكتابة القديمة معتمدًا على الصور المختصرة وقد سجلت به الشؤون الحكومية وشؤون الحياة اليومية أيضًا، وهو ما يعرف بالخط الهيراطيقي بمعنى الخط الكهنوتي. وقد بدأ استخدامها من النصف الثاني للأسرة الثامنة إلى الأسرة الرابعة والعشرين. وخلال القرن الثامن أو السابع قبل الميلاد استحدث المصريون خطًا ثالثًا كان أكثر إيجازًا في صوره عن خطهم الثاني وقد عرف بالخط الديموطيقي أي الخط الشعبي، وتم استخدامه من بداية الأسرة الخامسة والعشرين إلى نهاية العهد الروماني. ثم تناول المؤلف المتوارث والمندثر من الهيروغليفية في العهدين اليوناني والروماني، متطرقًا إلى القواعد الأساسية للهيروغليفية من حيث مظهرها وشكلها وآليات نظامها من خلال ثلاث نقاط وهي العلامات التصويرية والعلامات الصوتية وأخيرًا المخصصات.

أما الكتابة في الصين فتعتبر من الموضوعات الهامة التي تناولها هذا الفصل بإسهاب موضحا كيفية "ممارسة فنون الخط في الصين" والأدوات اللازمة لفن الخط في اللغة الصينية التي يطلق عليها "الكنوز الأربعة لغرفة الباحث" وهي الورق والريشة والحبر والمحبرة. وانتقل الكتاب بعد ذلك إلى موضوع الكتابة في اليابان متتبعا نشأتها عن طريق شبه الجزيرة الكورية مع بداية العصر المسيحي، واختلاطها بالكتابة الصينية والتي أدى انحطاطها إلى ظهور الكتابة اليابانية. وركز المؤلف أيضًا على كتابات شبه القارة الهندية وإقليم جنوب شرق آسيا، وبشكل خاص على الأبجدية الكورية التي تكتب بخط هجائي، يعرف اليوم باسم "هان غول"، وهو خط كان يتألف في الأصل من ثمانية وعشرين حرفًا، ولكن تم اختصارها الآن إلى أربعة وعشرين حرفًا (أربعة عشر حرفًا ساكنًا وثمانية حروف متحركة).

ثم يتطرق الكتاب إلى الكتابة الفيتنامية، ويذكر أن هناك نوعين من الكتابة: كتابة الـnôm التي لم تعد مستخدمة، وكتابة الـ quô’c ng û التي لا تزال شائعة الاستخدام. وقد شكلت أحرف كتابة الـ nôm على نمط كتابة الصين في القرن الثاني عشر الميلادي، وتنقسم هذه الأحرف إلى نمطين: نمط مبسط وآخر مركب. وينتقل الكتاب إلى موضوع التصوير بالكتابة والكتابة في الصورة، متمثلا بكتابة جماعة ناهواتل وهي الكتابة التي كان يستخدمها الهنود الحمر وقت غزو الأسبان لأمريكا الوسطى. وتعد كتابة هنود مايا واحدة من أعظم المنجزات الفنية والثقافية التي ابتدعها أهل هذه البلاد وإن كانت واحدة من أكثر الكتابات تعقيداً بالنسبة للفترة السابقة لوصول كريستوفر كولومبس إلى أمريكا. وهي ـ مثلها في ذلك مثل الخط الهيروغليفي المصري القديم ـ قد ظلت لغزًا وحار العلماء في فك طلاسمها، خاصة أن نصوصها لا تنتمي إلى تتابع زمني متسلسل. وترتبط هذه الكتابة بحضارة أخذت في النمو والتطور ما بين القرنين الثاني والعاشر للميلاد في جنوب شرقي المكسيك، وبوجه خاص في مناطق شبه جزيرة يوكاتان ومرتفعات شياباس.

وينتهي هذا الفصل بالحديث عن الكتابة عند أهل جزيرة الإيستر الرونجو. وتعد الكتابة الخاصة بجزيرة ايستر، بين كتابات أخرى تحتاج إلى من يفك طلاسمها ، بعد أن ظلت موضع جدل لمدة تربو على القرن . وهي كتابة تخص شعبًا بولونيزيًا قدر له أن يعزل عن العالم الخارجي على جزيرة صغيرة في المحيط الهادي.

ويبدأ الفصل الثاني بموضوع الكتابات الإيجية في الألفية الثانية قبل الميلاد التي بها نوعان من الكتابة: الكتابة الكريتية الهيروغليفية (المقدسة الشبيهة بالهيروغليفية المصرية) والكتابة الخطية الأولى. وكانت تلك الكتابات كتابات مقطعية بسيطة وكان كل منها يتألف من نحو مائة رمز من الحروف الصامتة والصائتة.

ثم يناقش الكتاب أصل الأبجدية السامية الغربية، والكتابة العربية والتي تعتبر الأخت الصغرى في منظومة الأبجديات السامية، التي تعتمد على الأصوات الساكنة والمقاطع المتحركة الطويلة.

وتحدث أيضًا الكتاب عن الأبجديات اليونانية والنقوش على آنية الزينة الإغريقية والمراحل المبكرة جدًا من تاريخ الكتابة في إيطاليا. كما تحدث عن الأبجديات المسيحية لأهل القوقاز وهي الكتابات الألبانية، والأرمينية، والجورجية، مشيرًا إلى أن هذه الشعوب الثلاثة كانت تتكلم بلغات تختلف وحدتها عن الأخرى، لأن كل لغة منها تنتمي إلى شجرة لغوية مستقلة. أما الخط الروني فلقد ظهر نظام الكتابة به على يد الشعوب الجرمانية لأول مرة مع بدايات التاريخ الميلادي. وقد تم العثور على عينات من أقدم هذه الكتابات في الدنمرك، في نقوش على الأسلحة وأدوات أخرى من أدوات الحياة اليومية، التي دفنت مع أجساد الموتى. ثم استعرض الكتاب بعد ذلك موضوع الخط الأوجامي.

أما الكتابات في الصحراء الأفريقية فيوضح الكتاب أنها جلبت عن طريق التجارة عبر الصحراء الأفريقية والفتوحات الإسلامية، ويذكر أن أقدم وثيقة عربية تم اكتشافها في أفريقيا جنوب الصحراء كانت وثيقة تجارية، عبارة عن صك مبادلة كتبه تاجر.

وينتهي الكتاب بالفصل الثالث الذي تبدأ موضوعاته بالكتابة في العصور الوسطى. ويذكر أنه برغم أن مصادر العصور الوسطى تعرضت للعديد من أشكال الخطوط، التي كانت تتنوع وتختلف وفقًا لتغيرات الأوقات والأماكن، إلا أن نمطًا معينًا قد نجح في فرض نفسه لمدة تقارب الأربعة قرون على الساحة الأوروبية. وهذا الخط هو المعروف باسم "الخط الكارولنجي المُنمنمْ". وقد ظل هذا الخط سائدًا حتى السنوات الأخيرة من القرن الثامن قبل الميلاد، قبل أن تصل الأبجدية اليونانية إلى شبه الجزيرة الإيطالية والجزر المحيطة بها، والتي سرعان ما طوعها بعض أهل هذه الجزر مثل تروسكيا(Etruscia) لتوائم متطلباتهم الصوتية المحلية.

يتناول هذا الفصل موضوعات أخرى متعددة مثل أشكال من كتابات المدينة في القرن الثامن عشر، والإملاء وضبط الخطوط في فرنسا، فن المراسلة في القرن التاسع عشر، التعلم في المجتمعات الغربية، والكتابات على الملصقات الإعلانية والتوقيع. ويخصص مقالاً عن "فلوبار" باعتباره من أوائل الكتاب الفرنسيين الذين استخدموا الفعل "يكتب" دون أن يكون له مفعول أو بمعنى "فعل غير متعد". ويذكر الكتاب أن الفضل في ازدهار فن المراسلة في القرنين السادس عشر والثامن عشر يرجع إلى رسامي هولندا، ومن بعدهم رسامو فرنسا وفي نهاية هذا الفصل يستعرض الكتاب الأشكال الرقمية الحديثة لفن الطباعة ثم الكتابة والوسائط المتعددة عبر ابتكار تكنولوجي متكامل بواسطة الكومبيوتر، مشيرًا إلى أن هذا التكامل الرقمي يشي دائمًا بإمكانيات أخرى متجددة لهذا التكامل.


عدد القراء: 270

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-