المجلد الأخير من «مراسلات بيكيت»: الخوف من الشيخوخة والحرمان

نشر بتاريخ: 2018-08-13

المحرر الثقافي:

صدر حديثاً عن دار "غاليمار" الفرنسية المجلد الرابع والأخير من مراسلات الكاتب الإيرلندي صامويل بيكيت، ويتضمّن مراسلاته في آخر 24 عاماً من حياته من 1966 وحتى 1989.

يظهر في المراسلات قلق بيكيت من الشيخوخة وخوفه منها، وهو الذي كان في معظم أعماله يبدي تعاطفاً مع الشخصيات المسنة، حيث تكشف المراسلات مخاوفه نحو الحرمان من المتع القديمة، وألم فقدان أصدقائه القدامى وفي الوقت نفسه حرصه على أن يظلّ يكتب ويعمل حتى النهاية.

كما أن المراسلات التي دارت في سنوات مهمة في حياته وفي باريس بالعموم، تتضمّن انتفاضة 1968 التي تجاهلها تماماً ولم يكتب كلمة عنها ولم يكن شريكاً فيها، وفوزه بنويل عام 1969، حيث سمع بالخبر وهو في مدينة الحمامات التونسية يستجم وظلّ مختبئاً لكي لا يصل إليه الصحافيون، ورحيل زوجته قبل ستة أشهر من وفاته هو، جعل أصدقائه وطبيبه يوصي بنقله إلى دار للمسنين بعد رحيلها، وهذا ما حدث فعلاً.

عانى الكاتب في آخر سنوات حياته من إعتام عدستي العينين، سببه ورم ليفي انتقل إلى أصابع يديه وتسبّب في تصلّب مفاصله، وتسبب له ذلك بالسقوط أكثر من مرة وبالشعور المتضخم بالقلق.

المراسلات التي يضمّها هذا المجلد كانت مع عدد من أصدقائه وبعض الكتّاب، ومن بينهم: ناشره غاستون غاليمار، وصديقه رسام الكاريكاتير إرجيه، ومؤرخ الفن الألماني دانييل هنري كانفايلر، والروائي البلجيكي جورج سيمنون (الذي رحل قبل بيكيت بثلاثة أشهر).

المراسلات من 4000 صفحة وتغطي مساحة زمنية من 1966 إلى 1989.

يعد بيكيت صاحب روائع مسرحية عدة: «في انتظار غودو»، «نهاية اللعبة»، «الشريط الأخير»، و«كرّت الأيام الجميلة».. من دون إهمال روايات له مهمة، وضعها قبل أن يكتب مسرحياته، بدأ روائياً، ثم باحثاً في كتاب عن مارسيل.

والغريب أن بيكيت كتب مسرحيته الأولى وهو في السابعة والأربعين، وقدمت في باريس، لكن لم يتجاوز الحضور عدد اليد الوحدة. إنها مسرح ضد المسرح السائد. فلنقل ثورة جذرية فيه، قابله فيها أوجين يونسكو صاحب روائع «الملك يموت» و«المغنية الصلعاء» و«الكراسي»..

إنهما الكاتبان الآتيان من خارج فرنسا (باريس)، ليفجّرا ثورة في الكتابة المسرحية، غزت العالم وتأثر بها عشرات الكتّاب الكبار، أبرزهم هارولد بنتر (نوبل)؛ ولم ينحصر تأثير بيكيت على الغرب بل تلقفه عدد من المسرحيين العرب: إنه المسرح العبثي، بشخصيات عبثية، وبكتابة مختزلة تركت للصمت مسافة واسعة.

لكن، علينا أن نوضح أن عبثية بيكيت (وإلى حد يونسكو) هي تجريدية، فلسفية، منعزلة عن الظواهر الاجتماعية والسياسية. يونسكو أكثر امتزاجاً بالواقع وحتى بالسياسة. في مسرحية «وحيد القرن» مقاربة كوميدية سوداء عن التوتاليتارية السياسية.

بالنسبة إلى الكاتب المقيم في باريس، إنه زمن تكريس نوبل له التي منحت له عام 1969. وهذا لم يمنع السجالات الصاخبة، وأحياناً العنيفة المرتبطة بمسرحه الذي رفض في البداية واعتبره البعض «لا مسرحاً» ولا كتابة مسرحية، بل هذيان، وتفكك، وغموض، وعبث. مسرح بيكيت إذن ليس مسرحاً! هذا صحيح إذا قسناه بالمنظور الكلاسيكي الممتد من القرن السابع عشر حتى تلك اللحظة؛ مع الإشارة إلى أنه ظهرت كتابات وأعمال وتنظيرات ثورية أو متجاوزة كمدرسة «المسرح داخل المسرح» عند بيرانولد، والتنظير لمسرح «القسوة» عند انطونان ارطو، و«المسرح الفقير» عند بيرانولد، و«المسرح الوثائقي»عند بيتر فايس ونتذكر رائعته هنا «مارا - ساد!»، من دون أن ننسى البرشتية بملحميتها التي طغت في فرنسا وأوروبا وسواهما على كل الاتجاهات، تقديماً وتأثيراً، وانتماء، وتقليداً، حاملة في تضاعيفها أيديولوجيا شيوعية موجهة أصلاً عند برشت والبرشتيين ضد النازية، (وبعدها عند بعض المسرحيين العرب، ضد الأنظمة الفاشية ومنها إسرائيل): أما برشت فهو رجل «اللا» مثل الشاعر الفرنسي (البلجيكي الأصل) هنري ميشو (أو فلسفياً سيدران تلميذ شبنهاور). لا لقاء. لا تردّد على الصالونات والتجمعات، لا كتابة مقالات، أو وضع مقدمات! وقد رفض بيكيت كما هو معروف بيع مخطوط «في انتظار غودو» أو السماح بالاقتباس السينمائي، وكما أعلم بيكيت المخرج رومان بولانسكي عم 1967، كما رفض كرسي الشعر في جامعة أوكسفورد.

في مراسلاته نجد بيكيت مثل بيكيت! بعيداً عن الأفكار الجاهزة، منعزلاً، لكن «غيري». وكذلك فهو يبدي رأيه في ما يقرأ من شعر أو مسرح.

وفي المراسلات يبدي رأيه في شعر بول أوستر، وروايات سيلين، وأشعار باوند.. ويصف ما يرى في باريس، أو في منزله الريفي...

ونقرأ علاقاته بكبار الشعراء والمسرحيين، مثل هارولد بنتر (من رواد مسرح الغضب في انكلترا) الذي تأثر به كثيراً وكذلك بيونسكو، لكنه قلب العبثية الفلسفية - الذهنية إلى مواجهة اجتماعية سياسية..

وفي المراسلات يتعرف القارئ إلى رحلاته مع رفيقته سوزان إلى البرتغال، والجبال الإيطالية، وطنجة المغربية وتونس، ومالطا.. لكن بيكيت الذي لا يرى في المسرح لا وسيلة للتغيير، ولا الثورة، ولا هدفية لكتابتها، بدأ يشعر مع مرور الزمن، بهذا الأفول.. المعذب. ففي 1974، وكان يقترب من الثمانين... وفي آخر أيامه كأنه بدأ يشيد بكل مسرحيته المونودرامية (وكان كل كل مسرح بيكيت مونودرامي لطغيان سوء التفاهم على شخصياته وحواراته).«الشريط الأخير»، كراب، العجوز المحبط، الذي يذكر الشاعر البرتغالي الكبير بيسوله، ومالرمه وكيش، وكانط وابولينير وليوباردي... وجلهم من تلك المصائر التراجيدية، أو الحياة المنزوية، العبثية.

صحيح أن بيكيت رحل في 22 ديسمبر من عام 1989، وقد طبقت شهرته الآفاق وترجم مسرحه إلى معظم لغات العالم، وقدّم في أهم المسارح... إلا أنه فتح باب المأوى الذي لجأ إليه في آخر أيامه، وعلى مهل، وربما بلا مبالاة، ولا أسف - لا يلتفت إلى الوراء.. وخرج إلى الأبد!

ربما كان وراءه بعض شخصياته الكبيرة فلاديمير واستراغون... أو كراب!

ذهب بيكيت بعيداً.. وبقي مسرحه مشعاً، ونضراً، مثيراً للسجالات، والحوارات..

سبق مسرحه إلى المغادرة!

فكم كان وحيداً.

ب. ش.

كلام الصورة

بيكيت عام 1976


عدد القراء: 600

التعليقات 1

  • بواسطة ليلى من تونس
    بتاريخ 2018-10-22 22:54:37

    ..حتما حين يكتب بيكيت فإنه يريد قول شيئ يراه القارئ غامضا..لانه في الحقيقة كذلك..ربما بيكيت في حد ذاته لا يعرف بالضبط ماذا يريد ان يقول لان الاحاسيس أحيانا تنعقد ألسنتها فلا تقول شيئا و إن كانت تقول الكثير..بيكيت لا يعطيك خيطا واضحا ..بل كومة خيوط دون إبرة و لك ان تبحث عن الطريق نحو طرف الخيط..معقد اجل مبعثر اجل ..بعيد أجل..قريب أجل..غامض اجل كل الغموض..لكنه أنيق رصين بعيد المدى بالأفكار ..

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-