الدخول الأدبي الفرنسي.. موسم الرواية الأولى

نشر بتاريخ: 2018-09-07

المحرر الثقافي:

الدّخول الأدبي الفرنسي 2018، الّذي انطلق قبل أيّام ويستمرّ على مدى شهرين ونصف، وهو مناسبة تعكس الاستثناء الثقافي الفرنسي، الّذي لا نجد له مثيلاً في باقي دول العالم، لأنّها تُعدُّ سنوياً أهمّ  وأكبر المواعيد الأدبية بالنسبة للكتّاب والنقاد والقراء ودور النشر والمكتبات على السواء. في هذه الورقة، إطلالة على أبرز مستجدّات هذا الموسم وأفضل الروايات المرشّحة من طرف النقّاد والصحافة.

حضور للروايات الأولى

يبلغ العدد الإجمالي للروايات التي سوف تصدر هذا الخريف، أي خلال شهرين ونصف، 587 رواية جديدة، من بينها 381 رواية فرنسية جديدة، تضم بدورها 94 رواية لكتاب فرنسيين جدد يدخلون الساحة الأدبية لأوّل مرة، وبذلك يكون هذا الدخول الأكثر غنىً من حيث الروايات الأولى منذ عام 2007.  أما بالنسبة للروايات الأجنبية، فقد بلغ عددها 186 رواية مترجمة من لغات عدّة، تتصدّرها أسماء كتاب عالميين معروفين، في حين تتوارى إلى الظلّ أسماء المترجمين كالعادة، حتّى حين تتمّ الإشارة إليها أو التعليق عليها أو اختيار فقرات منها للدعاية، وقد صار هذا الأمر مألوفاً منذ سنوات، وهو من العادات السيّئة للصحافة الثقافية الفرنسية.

وهذه الصحافة ذاتها تعيش منذ أيام على إيقاعٍ محموم، ما بين قراءات وعروض ودعايات وإعلانات وحوارات وتوقّعات بخصوص الجوائز الأدبية، وقد تجنّدت جميع أقسام الثقافة في الصحف والمجلات، قبل أسابيع طويلة، لإثارة انتباه القرّاء المحتملين والمكتبات، لكنها أيضاً لم تعد تغفل الدّور الكبير الّذي يلعبه أصحاب المدوّنات، ومستعملو الإنستغرام واليوتيوب، وكلّ المؤثّرين في عالم الميديا المعاصرة. لقد صار، مثلاً، عدد "اللّايكات" الّتي يحصل عليها غلاف كتابٍ جديد من طرف المتابعين ذا دلالة كبيرة اليوم، وقد يكون أحد العوامل الحاسمة في توجيه رغبات القراء قبل شراء أيّ كتاب. ذلك أنّ كلّ الوسائل متاحة لكي يفرض الكتاب وجوده، حتّى ولو كان ظهوره في الإعلام محتشماً وسريع الزوال، علماً أنّ عمر تغريدة التويتر يقارب العشرين دقيقة، بينما "بوست" على الفيسبوك يدوم خمس ساعات، و21 ساعة على الإنستغرام. لكن، هذا لا يعني إهمال القارئ الكلاسيكي، الّذي ما يزال يعتمد وسيلة المشافهة، خصوصاً إذا علمنا أنّ الرواية هي شغف الفرنسيين الأوّل، حسب ما تخبرنا أرقام المبيعات المدهشة: بيعت في فرنسا 111 مليون نسخة من الروايات وحدها عام 2017.

وعموماً، ما يميّز الدخول الأدبي لهذا العام هو تنوّع العرض واستقرار عدد الروايات المطروحة (581 رواية في العام الماضي). ومن بين الكتّاب المنتظرين أكثر من غيرهم، نجد: مايليز دي كيرانغال، آلان مابانكو، جيروم فيراري، سيرج جونكور، كريستوف بولتانسكي أو كريستوف دونر، أغنيس ديسارت، دون أن ننسى الكاتبة المثيرة للجدل أميلي نوثومب، المواظبة على إصدار  رواية كلّ عام منذ أزيد من ربع قرن، والّتي عادة ما تمنح الدخول الأدبي نكهة مختلفة، وهذه المرّة بإصدارها رواية بعنوان "الأسماء الخنثى". أمّا بالنسبة للإصدارات الأجنبية، فينتظر القرّاء روايات كل من: سلمان رشدي، خابيير ثيركاس، ج.م. كويتزي، فيفيان غورنيك، جون كالمان ستيفنسون، زادي سميث، ودانييل ماغاريل.

من بين الروايات الصادرة أخيراً: "جاك في الحرب" للكاتب والممثّل الفرنسي فيليب توريتون (بلون)، و"ليلة صيف تقريباً" للفيتنامية تي تو (ريفاج)، و"الفكرة الكبرى" للفرنسي أونتون بيرابار (غليمار)، و"شارع الانتصار" للروماني الأصل دوف هوينيغ (روبار لافونت).

وإن كانت أعمال هؤلاء تتقاطع في مواضيع الحرب والأزمات والعلاقات الإنسانية، فإن كتّاباً آخرين اختاروا مقاربة قضايا اجتماعية ونفسية شائكة؛ كما هو الحال بالنسبة إلى الإيرانية عبروس شالماني في باكورتها الروائية "المنفيون يموتون من الحب أيضاً" (غراسيه)، والتي تفكّك إشكالية الهوية والمنفى، من خلال قصّة فتاة فرّت من نظام الخميني إلى باريس، بينما تُثير البلجيكية أدلين ديودونيه في "الحياة الحقيقيّة" مسألة العنف الأسري من منظور طفلة موهوبة.

وتسلّط "دار ألبان ميشال" الضوء على المرأة الكاتبة، من خلال تقديم أسماء روائية جديدة للقارئ باللغة الفرنسية؛ من بينها: إيناس بيارد مؤلّفة "تعاسة الأسفل"، والتي تسرد فيها بأسلوب بوليسي تراجيديا امرأة اغتُصبت من قبل مديرها، فيما تعود أوريلي رازامبو في "حياة من الحجارة الساخنة" إلى الثورة الجزائرية وجراح الذاكرة بين البلدين.

وعموماً، تحضر المرأة الكاتبة بنسبة 43% خلال هذه السنة، مقابل 9% فقط عام 1986 بحسب إحصائيات نشرها "المركز الوطني للكتاب" وصحيفة "لوموند".

وبالتأكيد، فإن القرّاء ينتظرون روايات دون غيرها، بفضل قوّة الدعاية أو شهرة مؤلّفيها، ومن بينها: البلجيكية إميلي نوتومب (ألبان ميشال)، و"منعطف في الحياة" للفرنسية كريستين أوغو (فلاماريون)، و"العالم في متناول يديك" لمواطنتها مايليس دو كيرونغال (غاليمار). يُمكن أن نذكر هنا، أيضاً، روايتَين صدرتا عن "دار سوي"؛ هما: "اللقالق الخالدة" للكونغولي ألان مابونكو، و"منتصف النهار" للفرنسية كلويي كورمان.

أمّا الروايات المترجَمة، فهي في أغلبها قادمة من فضاءات الأدب الأنكلوسكسوني؛ ومن بينها: "عاهل الظلال" للإسباني خافيير ساركاس عن دار النشر نفسها، إضافة إلى "المرأة على انفراد" للأمريكية فيفيان غورنيك (ريفاج)، و"المسلخ الزجاجي" للجنوب أفريقي الحائز على "نوبل للآداب" عام 2003، جون ماكسوال كوتزي، والتي صدرت عن "دار سوي".

اختيارات الصحف والمجلات

منذ شهر يوليو الماضي، كشفت وسائل الإعلام الفرنسية عن لوائحها من الروايات المفضّلة من بين كلّ الإصدارات الجديدة لهذا العام. وفي المجموع، تمّ اختيار 77 رواية مثيرة للاهتمام، ومن بين كتّابها يمكن الإشارة إلى أربعة عشر كاتباً وردت أسماؤهم في أكثر من ثلاث لوائح، عبر مختلف مقالات الصحف الفرنسية الكبرى مثل: لوموند، لوفيغارو، لوباريزيان وغيرها. ومن بين كلّ هذه الروايات، هناك روايتان تمّ اختيارهما خمس مرّات، هما: رواية "على صُورته" لجيروم فيراري، ورواية "المراقب" لكريستوف بولتانسكي. بينما رواية "أركاديا" لإيمانويل بايماك-تام ورواية "عالم في متناول اليد" لمايليز دي كيرانغال تمّ اختيارهما من طرف أربع صحف. أمّا في ما يتعلق بالكتّاب العشرة المتبقّون فهم حصلوا على تزكية ثلاثة صحف على رواياتهم التالية: "الفستان الأبيض" لناثالي ليجي، "وتفكّك" لإيمانويل ريشارد، "حماقة" لبيير غويوتا، و"ملك الظلال" لخافيير ثيركاس، "قبطان" لأدريان بوسك، "اسمك ماريا شنايدر" لفانيسا شنايدر، "فرصة حياتهم" لأنيي ديزارت، "مع كلّ موساتي" لأوليفيا دي لامبرتري، "هيلينا" لجيريمي فيل، وفندق "والدهايم" لفرانسوا باييخو.

مواضيع قديمة/ جديدة

ما يجمع بين العديد من الروايات هو أحياناً تشابهُ المواضيع المطروقة، مع التركيز على آلام الصراعات القديمة والحديثة، مثل ذكريات الحرب العظمى، وآثار الإرهاب، والعنف الاجتماعي. لكن ثمّة مواضيعاً أخرى مختلفة، مثل موضوع نهاية البراءة في رواية "على صورته" لجيروم فيراري، الفائز بجائزة غونكور عام 2012، وهي تحكي عن المصير المأساوي لفنّانة فوتوغرافية خلال الحرب الأهلية في يوغوسلافيا السابقة، ومآزق الحركة القومية في كورسيكا وعلاقتنا الغامضة بالصور. بينما يسرد كريستوف بولتانسكي، الفائز بجائزة "فيمينا" عام 2015، في روايته "المراقب" حكاية عائلية عن ماضي والدته، ويمكن أن تُقرأ مثل رواية بوليسية، والكاتب سيكتشف مع تقدّم التحقيق أنّ بعض الأوروبيين ناضلوا إلى جانب أعضاء جبهة التحرير الوطنية خلال حرب الجزائر. أمّا سيرج جونكور، فقد تناول الحرب العالمية الأولى، من خلال روايته الغامضة "الكلب- الذئب"، وهو نفس موضوع رواية دافيد ديوب "شقيق الروح" الّذي يستحضر مشاركة القنّاصة السينيغاليين في هذه الحرب.

جديد بوعلام صنصال وياسمينة خضرا

كما يعود الكاتب الجزائري بوعلام صنصال إلى موضوعه الأثير، وهو محاربة التطرّف والأصولية الدينية في روايته "قطار إرلينغن"، وهي رواية كفكاوية مرعبة، بينما اختار مواطنه ياسمينا خضرا أن يتقمّص شخصية شابّ انتحاري من الخليل. ويكتب فرانسوا بيغودو واحدة من الروايات المشوّقة لهذا العام، تحمل عنوان "في حرب" وتحكي عن علاقة مستحيلة بين عاملة وشابّ يشغل منصباً سامياً، بينما باسكال مانوكيان يتناول الأزمة الإجتماعية في رواية "مفارقة أندرسون"، وهي قصّة عن النتائج المأساوية للتّسريح من العمل داخل أسرة فرنسية. أما توماس بي. ريفردي فيعود للحظة وصول مارغريت تاتشر إلى الحكم في "شتاء السّخط"، ويغوص آلان مابانكو  في طفولته بمنطقة بوانت-نوار بالكونغو في رواية "اللّقالق خالدة"، ونجد أيضاً الرواية الجديدة للكاتبة مايليز دي كيرانغال، المرشّحة بقوّة لنيل إحدى الجوائز الكبرى هذا العام، والّتي تحمل عنوان "عالمٌ في متناول اليد".

من جهة أخرى، اختار العديد من الكتّاب استحضار أقاربهم في أكثر من رواية، كما في "جاك في الحرب" لفيليب توريتون، "ابن مطيع" للورون سوكسيك، و"سبعة عشر عاماً" لإيريك فوتورينو. وربّما سوف يميل القرّاء أكثر إلى رواية ممتعة بعنوان "إيزيدور والآخرون" لكاميل بوردا، وهي كاتبة شابّة مقيمة في شيكاغو وتنشر مقالاتها بانتظام في مجلة "نيويوركر"، وقد كتبت روايتها أصلاً بالإنجليزية قبل أن تترجمها بنفسها إلى الفرنسية. وأخيراً، يمزج تييري فروجي في روايته الثانية "ليالي آفا" بمهارة بين حياة الممثلة آفا غاردنر وحياة الفنان الفرنسي جوستاف كوربي.

الجوائز الأدبية المرتقبة

وبدءاً من هذا الأسبوع، يحبس المؤلفون والناشرون أنفاسهم في انتظار الإعلان عن قوائم جوائز الخريف الأدبية الكبرى. وقد شرعت فعلاً لجنة جائزة "رينودو" الثلاثاء الماضي في عرض اختيارها من الروايات والأبحاث، ومن المنتظر أن تجتمع يوم الجمعة المقبل في نانسي لجنةُ جائزة "الغونكور" المرموقة، أشهر جوائز الأدب الفرنكفوني على الإطلاق، وذلك برئاسة الناقد ومقدّم البرامج الثقافية السابق "برنار بيفو"، بمناسبة أولى تظاهرات الدخول الأدبي، وهي تظاهرة "كتاب في الساحة". وكالعادة، سيكون اختيارها محطّ اهتمام النقّاد والقرّاء والمتتبّعين، لأنّ اللائحة الطويلة وحدها، التي تضمّ 15 رواية، سوف تمنح أصحابها مقروئية واسعة وانتشاراً كبيراً، خلال الأشهر القليلة المقبلة.

ومن المرتقب، خلال هذا الشهر أيضاً، معرفة اختيارات باقي الجوائز الأدبية، مثل جائزة "ويبلر" التي ستعلن عن قائمتها يوم 9 أيلول، وجائزة "فلور" يوم 12 سبتمبر، وجائزة "ميديسيس" يوم 13، و"فيمينا" يوم 17 سبتمبر، وهما جائزتان تكافئان الروايات الأجنبية المترجمة إلى الفرنسية، ثمّ جائزة "أنترايي" يوم 16، وجائزة "ديسمبر" يوم 26، وجائزة الأكاديمية الفرنسية يوم 27، لتكون بذلك آخر جائزة من جوائز الخريف تكشف عن قائمة اختياراتها لهذا الموسم، لكنها في المقابل ستكون أوّل جائزة تعلن عن اسم الفائز بها في 25 اكتوبر القادم، بينما "الغونكور" سوف لن يُعرف الفائز إلّا يوم 7 نوفمبر 2018.


عدد القراء: 427

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-