السحر يتملك الكون: تاريخٌ مختلف للعلوم الطبيعية

نشر بتاريخ: 2019-02-26

المحرر الثقافي:

الكتاب: "السحر يتملك الكون: تاريخٌ مختلف للعلوم الطبيعية"

المؤلف: إرنست بيتر فيشر

الناشر: Siedler Verlag

تاريخ النشر: 2014

عدد الصفحات: 336 صفحة

في تصريحات الكاتب الألماني الذائع والصحفي في الشؤون العلمية إرنست بيتر فيشر حول عجائب الكون والتساؤلات الكبرى التي تخالج علماء الطبيعة وغموض الخلق نستشعر حماسًا وفي الوقت نفسه تواضعًا إلى درجة تدفع البعض إلى توقع سماع مجاهرة إيمانية في نهاية الكتاب. ولكن بدلًا من ذلك يعتنق فيشر مذهبًا آخر، مذهبًا ملفتًا للنظر إلى درجة كبيرة بالنسبة لعالم رياضيات وفيزياء وأحياء من مواليد 1947 وحاصل على درجة الدكتوراه من ولاية كاليفورنيا: فهو ينظر إلى الانتماء الديني والعقلانية العلمية باعتبارهما إمكانيتان مكمِّلتان للعقل البشري لفهم وإدراك الواقع- وذلك بوصفهما شكلان من أشكال التفسير الكوني، شكلان متناقضان غير تبادليان بأية حال من الأحوال وإن كانا متكافئان.  

 إن هذا المنظور المختلف قليلًا عن دور ووضع العلوم الطبيعية والكامن في عنوان الكتاب تحول إلى مبدأ ومنهج. فقد صاغ فيشر الفرضية المضادة وفقًا لمصطلح ”نزع السحر عن العالم“ والذي سبق واستخدمه ماكس فيبر بقوة والتقطه كل من هوركهايمر وأدورنو في مجموعة المقالات المجمَّعة التي صدرت تحت عنوان ”جدل التنوير.“ ووفقًا للمفهوم الشعبي يقضي هذا المصطلح بأنه كان من شأن العلم والتكنولوجيا ذات التوجهات العلمية في العصر الحديث عقلنة الطبيعة والبيئة المعيشية للبشر وسلبهما كافة الأسرار وكذا تعزيز قابليتهما للتفسير إلى أقصى درجة، وذلك من خلال التطبيق المستمر لنموذج ”قابلية التنبؤ.“

 إلا أن إرنست بيتر فيشر يعبِّر بأسلوب شديد الحيوية والوضوح أن هذا المفهوم ليس فقط  وهمًا بل “فكرة شاذة” بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فتلك الفكرة تحصر التفكير وتستدرجه إما إلى التشكيك العلمي غير العقلاني أو إلى العلموية المبالغ فيها. يسعى الكاتب إلى مواجهة هذا التفكير ”بتاريخ مختلف للعلوم الطبيعية،“  تاريخ لا يتبارى في إطاره العلم والعقيدة، بل يبرز أن الاستنتاجات العلمية تستقطب تساؤلات جديدة أكثر تعقيدًا وأن نماذج التفسير الكوني الأكثر تقدمًا وفقًا للمعايير الحالية لا تكشف غموض الكون وأسراره أو تدمرها بل تعمِّقها.

ومن بين الأمثلة الكثيرة استعان فيشر بقانون الجاذبية الذي كشف تصوريًا فقط عن سر ظاهرة السقوط، إلا أنه في حقيقة الأمر أعادنا مرة أخرى إلى ”سر الجاذبية الأكثر غموضًا.“ يرى ألبرت أينشتاين، والذي يستشهد به الكاتب من البداية، أن الغموض هو ”الشعور الجذري الكائن عند مهد العلوم والفنون الأصيلة.“

 بأسلوب جدلي عنيف إلى أقصى درجة ينتقد فيشر طرائق التدريس في المدارس والجامعات التي تهدف إلى حرماننا من ذلك الشعور الجذري وتجريدنا من الشعور بالدهشة. يسعى فيشر إلى التوفيق بين العلوم والفنون وما يرتبط بهما من علوم طبيعية وإنسانية، والتي تباعدت على نحو متزايد منذ زمن أينشتاين، وذلك من خلال التذكير بما كان لهم من جذور مشتركة إبان العصر الرومانسي. وينظر فيشر في هذا الصدد إلى النظريات باعتبارها اكتشافات خلاقة وإلى العلماء باعتبارهم رواة، ترقى تفاسيرهم الكونية في أفضل الأحوال إلى حدود الشعر.

إن دعوته إلى الدهشة والفضول والتي تعكس عرضًا نسبية التصور الكوني المزدوج للغرب، ليست بالمعالجة الجافة بل هي مقال غير منهجي مشبَّع بالشغف ومليء بالمفاجآت والنوادر، إضافة إلى كونه سهل القراءة وذو طابع معاصر في أي سياق من السياقات الثقافية.

المؤلف:

ولد إرنست بيتر فيشر عام 1947، ودرس الرياضيات وعلم الفيزياء وعلم الأحياء وحصل على الدكتوراه من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا في عام 1947. وفي عام 1987 تأهل كأستاذ في مادة تاريخ العلوم وقام في الأعوام اللاحقة بالتدريس في جامعتي كونستانس وهايدلبيرج. ويكتب فيشر بصفته صحفيًا في الشؤون العلمية في عدد من الصحف من بينها “دي فيلت” و”فوكوس”.


عدد القراء: 380

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-