إمبراطوريات الضعفاء.. قصة التوسع الأوروبي وإنشاء النظام الجديد

نشر بتاريخ: 2019-08-12

المحرر الثقافي:

الكتاب: "إمبراطوريات الضعفاء.. قصة التوسع الأوروبي وإنشاء النظام الجديد"

المؤلف: جي.سي شارمان

الناشر: Princeton University Press

اللغة: الإنجليزية

تاريخ النشر: 5 فبراير 2019

عدد الصفحات: 216 صفحة

كيف كان صعود الغرب استثناءً مؤقتاً للنظام العالمي المهيمن؟ ما الذي يفسر نهوض الدولة، وإنشاء أول نظام عالمي، وهيمنة الغرب؟ تؤكد الإجابة التقليدية أن التكنولوجيا والتكتيكات والمؤسسات المتفوقة التي أقامتها المنافسة العسكرية أعطت الأوروبيين ميزة حاسمة في الحرب على الحضارات الأخرى من عام 1500م فصاعداً. يشير هذا الكتاب إلى أن الأوروبيين لم يكن لديهم في الواقع تفوق عسكري عام في أوائل العصر الحديث. لكن كيف؟

كان الأوروبيون يشعرون بالرهبة من الإمبراطوريات الشرقية العظيمة في ذلك اليوم، والتي كانت رائدة في الابتكارات العسكرية الرئيسية وكانت تقوم بالغزوات منذ فجر التاريخ. وعلى ضوء الرأي القائل بأن الأوروبيين حققوا فوزاً دائماً، يؤكد شارمان أن إمبريالية أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين كانت تطوراً عابراً وشاذّاً نسبياً في السياسة العالمية انتهت بخسائر غربية خلال تمردات مختلفة. وإذا كان للقرن الحادي والعشرين أن تهيمن عليه قوى غير غربية مثل الصين، فإن هذا يمثل عودة إلى القاعدة السائدة في العصر الحديث.

يتوقف الكتاب عند فكرة أن أوروبا حكمت العالم بسبب الهيمنة العسكرية، وأن صعود الغرب كان استثناءً في النظام العالمي السائد. يعلق الكاتب على ذلك قائلاً: «إن التوسع الأوروبي من نهاية القرن الخامس عشر وحتى نهاية القرن الثامن عشر قد دفع العالم إلى إنشاء أول أنظمة سياسية واقتصادية عالمية حقيقية. وقد بدأ ذلك برحلات شبه متزامنة عبر المحيط الأطلسي إلى الأمريكيتين، وجنوباً وشرقاً حول ساحل إفريقيا، عبر المحيط الهندي إلى آسيا بواسطة مستكشفين مثل كريستوفر كولومبوس وفاسكو دا جاما».

ويضيف: «غالباً ما يقال إن النمو اللاحق للوجود الأوروبي عبر المحيطات كان نتيجة لقوة عسكرية متفوقة: أسلحة أفضل، ومنظمات أفضل لاستخدامها، وهي تعرف باسم أطروحة الثورة العسكرية التي تفيد أن التوسع كان في المقام الأول نتيجة للجيوش والدول التي تفوقت على المعارضين في الخارج، لأن الأوروبيين كانوا أكثر تكيفاً مع متطلبات الحرب، بعد أن نجوا وتعلموا من المنافسة الشرسة في الداخل. يعتمد ذلك على افتراض أن المنافسة تنتج منظمات أكثر كفاءة تتكيف بشكل أفضل مع بيئتها، وذلك بفضل مزيج من التعلم العقلاني والاختيار الدارويني».

تشكيك في الرواية الغربية

في هذا الكتاب، يشكك المؤلف في كل عنصر من عناصر هذه الرواية، ويقترح شرحاً بديلاً، ويشير إلى أن الأوروبيين لم يتمتعوا بأي تفوق عسكري كبير في مواجهة المعارضين غير الغربيين في بداية العصر الحديث، حتى في أوروبا. كان التوسّع بمنزلة قصة عن الاحترام والتبعية الأوروبيين، بقدر ما كانت قصة الهيمنة. بدلاً من جيوش الدولة أو قوات البحرية، كان في طليعة التوسع عصابات صغيرة من المغامرين أو الشركات المأجورة التي اعتمدت على رعاية الحلفاء المحليين. وكان من العوامل الأساسية لنجاح الأوروبيين وبقائهم وجود استراتيجية بحرية تجنبت تحدي الأولويات البرية للسياسات المحلية، وحدوث الأوبئة في الأمريكيتين تسبب في كارثة سكانية. «كان أعظم الغزاة وبناة الإمبراطورية في أوائل العصر الحديث في الواقع إمبراطوريات آسيوية، من العثمانيين في الشرق الأدنى، إلى المغول في جنوب آسيا، ومينغ ومانشو تشينغ في الصين. يساعد إبداء الاهتمام الواجب لهذه القوى العظمى في تصحيح مركزية أوروبا التي غالباً ما كانت متحيزة في الدراسات السابقة، وتثير تساؤلات حول قصص السبب والنتيجة التقليدية بشأن شن الحرب وصنع القوانين». يتناقض هذا المنظور البديل مع النظرة التقليدية للتوسع الأوروبي باعتباره مجهوداً موجهاً من قِبل الدولة، ويستند إلى استخدام نفس التكتيكات والتكنولوجيا كما في الحرب بين الأوروبيين. وهو يشكك في فكرة وجود صلات قوية بين السبب والنتيجة بين الأسلحة الجديدة والتكتيكات والجيوش الكبيرة الدائمة وصعود الدولة ذات السيادة. على نطاق أوسع، فإن الحجة المطروحة هنا تتناقض وتحل محل نموذج المنافسة العسكرية التي تنتج منظمات قتالية فعالة ومتكيفة من خلال مزيج من التعلم والإقصاء».

إن أهمية العملية التي تم بها إنشاء أول نظام عالمي واضحة من نواحٍ كثيرة. فقد كانت الحضارات القديمة والمعزولة في السابق على اتصال منتظم مع بقية العالم،؛حيث كانت هناك حركة للناس والبضائع والأفكار في جميع أنحاء العالم لأول مرة، مما أدى إلى تغيير المجتمعات والبيئة عقب ذلك.

نظام خارج السيطرة

«لقد كان لدينا نظام دولي مرتبط منذ حوالي 500 عام، وهي فترة غالباً ما تُعتبر مرادفة لعصر الهيمنة الغربية. والافتراضات التي دعمت دراسة النظام الدولي والنظريات التي تم تطويرها لتفسيرها تبدأ من فرضية الهيمنة العسكرية والسياسية الغربية. ولكن في الواقع، لأكثر من نصف الوقت كان هناك نظام عالمي، لم يسيطر عليه الغرب».

«على النقيض من ذلك، فإن الدول الأوروبية كانت ضعيفة مقارنة بالقوى العظمى الآسيوية مثل إمبراطوريات المغول أو مينغ وتشينغ الصينية من حيث عدد السكان والثروات والقوة العسكرية. وحقيقة أن هذا لم يتم الاعتراف به في كثير من الأحيان يوضح مدى تشويهنا العميق للتطور التاريخي للسياسة الدولية، وله انعكاسات كبيرة على فهمنا للماضي والحاضر والمستقبل. إن التحيزات في المكان والزمان لم تبالغ في تقدير أهمية القوى الأوروبية بشكل منهجي فقط، بل قللت من أهمية تلك الموجودة في مناطق أخرى، كما أنها حددت أيضاً طريقاً حاسماً واحداً لتطوير المؤسسات العسكرية باعتبارها تشكل القاعدة التاريخية».

«تاريخ الحرب أمر حاسم باعتباره المادة الخام لتوليد واختبار العديد من نظريات العلوم الاجتماعية. والقوة العسكرية هي المحدّد النهائي في السياسة العالمية. تشكّل أطروحة الثورة العسكرية التي تقول إن الحروب المتكررة بين القوة العظمى دفعت إلى الابتكار العسكري وبناء الدولة في أوروبا، والتي أعطت هذه الدول فيما بعد ميزة تنافسية استخدمتها للسيطرة على الأنظمة السياسية غير الأوروبية، حجر الأساس للكثير من العلوم الاجتماعية ذات التوجه التاريخي. فقد قدمت لنا فهماً لصعود الدولة ذات السيادة ونظام الدولة الحديثة. ولذلك نجد العلماء يهتمون بشكل متزايد بصعود وسقوط الأنظمة الدولية».

«المقدار الذي نعتقد أننا نعرفه عن الطريقة التي تعمل بها السياسة الدولية هو في الحقيقة منظور ضيق أوروبي مركزي حول الطريقة التي تعمل بها السياسة الدولية الغربية. ولدى أوائل العصر الحديث القدرة على الإجابة عن هذا السؤال بشكل فريد».


عدد القراء: 1043

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-