الشخصية العربية في الأدب العبري


خاص: مجلة فكر الثقافية

أخذ الأدب الإسرائيلي المكتوب بالعبرية ينحو منحى الرؤيا القيامية، بصورة واضحة، منذ بداية الثمانينيات. ويمكن، في هذا الصدد، اعتبار رواية «الطريق إلى عين حارود»، التي كتبها عاموس كينان، من النماذج الأولى التي في مقدورنا إدراجها في عداد هذا النوع من الأدب، بل وشكلت إرهاصًا به.

أخذ الأدب الإسرائيلي المكتوب بالعبرية ينحو منحى الرؤيا القيامية، بصورة واضحة، منذ بداية الثمانينيات. ويمكن، في هذا الصدد، اعتبار رواية «الطريق إلى عين حارود»، التي كتبها عاموس كينان، من النماذج الأولى التي في مقدورنا إدراجها في عداد هذا النوع من الأدب، بل وشكلت إرهاصًا به.

بعد رواية كينان هذه صدرت أعمال إسرائيلية باللغة العبرية تندرج في إطار الأدب الأبوكاليبتي. ومن أبرز هذه الأعمال يمكن ذكر رواية «فندق يرمياهو» لبنيامين تموز، ورواية «الملائكة قادمون» لإسحاق بن نير. وفي الأحوال جميعًا ربما يكون ضربًا من المبالغة المجازفة النظر إلى هذه الأعمال باعتبارها ظاهرة في الأدب الإسرائيلي الحديث، غير أن تلك النماذج القليلة من الأدب العبري القيامي تلتقي عند مفترق واحد يتمثل في كونها تشكّل تأويلات مجازية أو استعارية للوجود المحدد. وينسجم مع هذا، ولعله الأمر الأشد أهمية، أن هذه الأعمال تشكل في جانب معين الدلالة المضادة، يمكن القول المستحقة، للنماذج اليوتوبية في هذا الأدب، والتي كان حافلاً بها منذ نشوء الحركة الصهيونية ومشروعها الاستعماري في فلسطين.

ومع انتقاء إيهود بن عيزر الصورة التي صور بها شخصية العربي في الأدب العبري الحديث لا يمكن أن نفهمها وحدها بمعزل عن هذه الأنماط التي سادت الأدب العبري الحديث. كانت الشخصية العربية ضرورة في هذا الأدب لوضعها ضدًّا حادًّا لهذه النماذج والأنماط الأدبية التي سادت الأدب العبري الحديث تعبيرًا عن "الأدب المجند". وبالتالي جاء ظهور الشخصية العربية في الأدب العبري عاكسًا التفاعل بين هذه الشخصيات في أرض الواقع ومحاولة إبراز أبعاد الشخصيات الجديدة التي ابتكرها هذا الأدب من خلال وضعها أمام النموذج العكسي وهو الشخصية العربية.

ويمكن أن نلمس ذلك بوضوح في النماذج التي قدمها إيهود بن عيزر في هذه المختارات، وبترتيبها الزمني، حيث تعكس لنا مراحل نمو الشخصية العربية في الأدب العبري في الوقت نفسه الذي تعرض لنا نظرة هذا الأدب للشخصية العربية ومراحل تطور العلاقة بين الشخصيتين اللتين تتصارعان على أرض واحدة، أو كما أراد أن يسميه إيهود بن عيزر الصراع على وطن تتناقض فيه الأشواق.

ويسعف ما كتبه، مثلاً، الكاتب والصحافي أهارون بخار ضمن إحدى حلقات زاويته الأسبوعية «بروفيل» (ملامح شخصية)، التي ظل ينشرها في جريدة «يديعوت أحرونوت» حتى وفاته في أواسط الثمانينيات، في توضيح أبعاد ما نقصده من اعتماد توقيت الحرب على لبنان.

حملت هذه الحلقة ظهرت في 10 ديسمبر 1982 بعنوان: «صهيونية ليست بين مزدوجين»، وحاول بخار من خلالها أن يستنطق مجايليه ممن شنفت آذانهم بسماع فكرة «الوطن القومي اليهودي» فسبقت عواطفهم عقولهم إليه، في لهجة هي مزيج من العتاب ومحاسبة الذات وإسقاط هموم الحاضر على الماضي.

على غير صلة، تحديدًا، بالمسألة الفلسطينية يشير الكاتب ب. ميخائيل، في أحد مقالاته الذي نشر في جريدة «يديعوت أحرونوت»، في 4 فبراير 2005، إلى أنه «يتبيّن في الوقت الراهن أنّ الأهل والمدرسين قد ألقمونا خلال سنوات طفولتنا وشبابنا بمعلومات مغرضة، كاذبة أو زائفة. ومن نافلة القول إن هدف هذه المعلومات هو أن يزرعوا في رؤوسنا أسطورة مرارة حياة اليهودي وصعوبتها في الآن ذاته. فقد ظلمه الطواغيت، ونكل به المارقون، وذبحه القتلة، والأشرار نغصوا حياته ومعيشته من خلال القرارات والأحكام الجائرة عبر الأجيال. الآن فقط، وفي هذه الأيام تحديدًا؛ بدأ التاريخ اليهودي عملية شفاء إلى ناحية الرقة والنعومة، الاعتدال والتقلص، والتعديل والتقويم. وأخيرًا فقط تمّ إدراج كل شيء في سياقه التاريخي المناسب والملائم». وفي ذلك إشارة صافية وصريحة إلى كون حملة التشكيك تطول أيضًا جوانب أخرى في الصهيونية ترتبط بماهية العلاقة بينها وبين التاريخ اليهودي كذلك.

وقد أشار إلى ذلك جرشون شيكيد، المحاضر في قسم الأدب العبري، بقوله: «إن هناك أدباء عبريين صوروا العربي بالعربي التقليدي، ساكن صحراء، راعي جمال تستولي عليه دائمًا غريزة الثأر والانتقام والشعور بالأصالة وحب الأبهة والاعتزاز والشهرة».

إن ظهور العربي في الأدب الإسرائيلي أخذ خطوة أبعد, فبينما نجد البطل العربي في رواية «في مواجهة الغابات» (1963) لم تتح له فرصة الكلام, نجد أن الأدب الإسرائيلي بعد عام 1977 بدأ يعطي مساحة للعربي ليتحدث بشخصه. ومن الأشياء الشائقة أن العربي يظهر في أعمال اليهود السفارد (الشرقيين) مثل رواية (الملاذ) لسامي ميخائيل والتي ظهرت عام 1977. تمثل القصتان تحديًا كبيرًا للنماذج النمطية للعربي الموجودة من قبل. وفي رواية (بروتوكول) (1982) والتي كتبها إسحاق بن نير تستخدم مدينة حيفا كمدينة عربية إسرائيلية. في هذه الروايات الثلاثة نجد العربي يسقط شكله القديم ليصبح شخصية كاملة الأبعاد.

تعدد الكتّاب

هناك وجود فرق بين الكتاب الذين ولدوا في فلسطين والكتاب الذين هاجروا إليها من أوروبا، وكذلك بين الكتاب الذين ينتمون لأحزاب اليمين المتطرف أو اليسار أو التيار المعتدل، فكان لكل أديب نظرته الخاصة للعربي وحياته وعاداته ومجتمعه، فمنهم من عرف العربي على حقيقته وأبرز حسناته وسيئاته، ومنهم من أغمض عينيه عن حسناته وأبرز سيئاته لإظهار العربي متأخرًا متخلفًا، وكان معظم ما كتب قبل عام 1948 ليس نتاج صلة وثيقة بالعرب، فقد اعتمد الكتاب على ما قرأوه في الكتب أو الصحف أو آراء مسبقة خاطئة عن العرب، لكن الخط الصهيوني بقي هو الغالب على النتاج الأدبي، حيث تميز بالنظرة المتعالية والسخرية والاستخفاف بالعرب واعتبارهم سذجًا وبسطاء.

يندرج الكتّاب الإسرائيليون عمومًا في ثلاث مجموعات: (1) أولئك الذين وُلدوا خارج فلسطين (مثل موشى سميلانسكي), (2) كتّاب وُلدوا في فلسطين قبل عام 1948 (مثل س. يزهار), (3) والكتّاب الذين كانوا صغارًا عام 1948 وبالتالي لم يشتركوا في حرب 1948 أو حرب الاستقلال كما يسميها الإسرائيليون (على سبيل المثال عاموس عوز, آ. ب. يهوشواع). كل هؤلاء الأدباء ـ ورغم الاختلافات الكبيرة فيما بينهم ـ يُظهرون في أعمالهم عدم الفهم الصحيح للشخصية العربية. فالأشكناز (اليهود الغربيون) منهم كانوا مفتونين بالشرق وسحره لكنهم تجاهلوا مشاكل الفلسطينيين. أما اليهود الشرقيون فقد فهموا الثقافة العربية لكنهم لم يُظهروا أي تعاطف تجاه العرب رغم جو السماح الذي عاشوا فيه قبل رحيلهم إلى فلسطين المحتلة. أما كتّاب ما بعد حرب 1948 فقد كانت معرفتهم بالعرب جيدة لكنهم لم يستطيعوا تقبل فكرة أن للعرب حقًّا في أرض فلسطين. ونتيجة لكل هذا, نجد أن صورة العربي في الأدب العبري لا ترتفع أبدًا عن صورة النموذج النمطي المحمل دائمًا بكل ما هو سلبي.

ظهور الشخصية العربية في الأدب العبري

ومن مراحل ظهور الشخصية العربية في الأدب العبري الذي كتبه أدباء اليهود في فلسطين، فهناك أدباء الهجرة الأولى أمثال موشيه سميلانسكي وغيره يصورون شخصية العربي كفرد جدير بالتقدير والفهم والتقليد في بعض الأحيان.

أما «بريز» الذي يعد رائد الواقعية في الأدب العبري في فلسطين، فلا يتعامل مع الشخصيات العربية كأفراد، بل نجده يراهم جوهرًا عامًا معاديًا يهدد الوجود اليهودي الواهي، وتصور المنفى في فلسطين. أما أدباء الهجرة الثالثة فقد تأرجحوا بين النظرة الرومانسية للأرض التي رسموها لأنفسهم قبل الهجرة وبين مرارة الواقع، بينما نجد أدباء جيل 1948 الذين ولد أغلبهم في فلسطين أو نشأوا فيها، لا ينظرون للعربي كفرد بصورته الواقعية الملموسة، بل يرونه شخصية في مواجهة المحارب.

يقول الدكتور عبدالوهاب المسيري في كتابه «الصهيونية واليهودية»: أن الأدب الإسرائيلي حديثًا صار أكثر واقعية وبدأ يتجه اتجاه مُعاكس عما كانت عليه الأدبيات الإسرائيلية التي صارت تُلمح الآن لقرب زوال إسرائيل من الوجود، وفي ذلك يَستشهد الدكتور عبدالوهاب بقصة حارس الغابة الصهيوني والغابة هنا هي رمز للدولة حيث أنها قرية فلسطينية، يظهر لهذا الحارس شاب فلسطيني أبكم وفقد قدرته على الكلام بسبب هول المشاهد التي مرت عليه من مذابح في قريته على يد الصهاينة. بذلك تنشأ بين الصهيوني واليهودي علاقة كره وحب في آن واحد ويبدأ الصهيوني بالإحساس بالذنب تجاه الفلسطيني وتنتهي القصة بأن الفلسطيني الأبكم يقوم بحرق الغابة ويُساعده على ذلك الشاب الصهيوني ليشعر بعد ذلك بالراحة.

أزمة هوية الأدب الصهيوني

حسب ما يراه الدكتور عبدالوهاب المسيري، أن الصهيونية أساسًا واقعة في فخ أزمة الهوية اليهودية. أساس الصهيونية كان مناداة بوطن لليهود كل يهود العالم، إلا إنها فعليًا فشلت في تعريف الهوية اليهودية. فمثلاً قبائل كثيرة من آسيا وأفريقيا ادعت أنها يهودية فقط للاستفادة من حق اليهود في العالم بالذهاب لإسرائيل والحصول على المواطنة الإسرائيلي. من هذا المنطلق يصعب تحديد ما هو هذا الأدب، هل هو أدب عبري، يهودي أم صهيوني؟ عُقد مؤتمر في القدس وكان مضمونه تعريف من هو الكاتب اليهودي، وحين قيل أن الكاتب اليهودي هو من يكتب بالعبرية تصدى لهذا الاتجاه الروائي الأمريكي «ملفين جول باكيت» حيث قال أن تأطير الأدب باللغة العبرية يعني تجاهل شريحة كبيرة من الكتاب اليهود اللذين يكتبون بلغات أخرى. وفي ذلك مثال وهي الكاتبة الروسية التي هاجرت لإسرائيل «مايا كاجانسكايا» التي ما تزال تكتب باللغة الروسية. وإنها تشعر بعمق الصلة بينها وبين كبار الكاب الروس متعلقةً بإطار التقاليد الأدبية الروسية. وبمناسبة تصريح هذه الكاتبة بأنها هاجرت لإسرائيل لكنها متعلقة بعادات الروس، هنا مِصداق لما فسره الدكتور المسيري حيث يقول بأن ليس هناك ما يسمى وحدة يهودية، أي لا توجد سمات معينة يتصف بها الشخص لكي نقول عنه يهودي. لا توجد معايير لسلطة مركزية سواء كانت دينية أو زمنية تحدد شخصية الشخص اليهودي. لذلك يطلق الدكتور المسيري على اليهود مصطلح «الجماعات اليهودية» كل جماعة مكتسبة سماتها وشخصياتها من محيطها الحضاري ومجتمعها التي تعيش فيه لا من التوراة ولا من التلمود. إذًا لا يوجد شيء في نظر الدكتور المسيري ما يسمى «خصوصية يهودية واحدة» أو «وحدة يهودية» بل يوجد «خصوصيات يهودية» كلاً حسب المجتمع الذي ينشأ فيه. ومثال على ذلك الكاتب موسى بن ميمون أو الحاخام موشيه بن ميمون الذي عاش في المغرب، الأندلس والقاهرة. كل كتاباته نجد أنها متأثرة بالتراث الإسلامي على الرغم أنه يهودي. إذًا نستخلص أن اللغة العبرية ليست شرطًا في تقييم العمل الأدبي كونه أدب يهودي. ماذا لو نظرنا إلى تصنيف يستند لمضمون العمل! أي كل عمل يتكلم عن اليهودية هو بالمفترض أدب يهودي! فقصيدة كتبها شاعر روسي يهودي عن اليهود باللغة الروسية، ورواية كتبها مؤلف فرنسي يهودي عن اليهود باللغة الفرنسية، وقصة قصيرة كتبها كاتب أمريكي يهودي عن اليهود باللغة الإنجليزية، ومقال أدبي كتبه أديب من ليتوانيا باليديشية، ودراسة نقدية كتبها أديب إسرائيلي بالعبرية، تُصنَّف كلها باعتبارها «أدبًا يهوديًا» هذا التصنيف غير مقبول ولا يسانده الكثير من الجماعات اليهودية لأنه يختزل العمل الأدبي في بُعد واحد ويُأطر الثقافة الفكرية اليهودية و يُفقد الأدب صفة التنوع والخصوصية. فكثير من الأعمال اليهودية يكون مؤلفيها يهود لكنهم لا يتكلمون فيها عن اليهودية مثل مؤلفات الناقد اليهودي الأمريكي ليونيل تريلنج. من أكثر ما يُثير قضية الهوية الأدبية للكاتب اليهودي وأزمتها هي الشاعرة «إليشيفا» وهي الأديبة المسيحية الروسية التي تكتب بالعبرية. على الرغم أنها هاجرت لفلسطين المُحتلة وإنها من أنصار الحركة الصهيونية والمناداة بالقومية اليهودية إلا إنها غير يهودية وظلت متمسكة بعقيدتها المسيحية وأدبها مرتبط بعادتها الروسية، فهل يُعد ما تكتبه بالعبرية أدب يهودي؟.

وقد حاول عدد من الكتاب اليهود التهرب من هذا المأزق فجعلوا أحداث رواياتهم تدور في بلدان أوروبية بعيدًا عن فلسطين لتأكيد موضوعية التنافر الحتمي بين اليهود والأغيار، أما إذا جرت الأحداث في فلسطين فإن الطرف الآخر إما بريطاني أو تركي أو حتى روسي، أما العرب باعتبارهم بعضًا من الأغيار، فلا يظهرون إلا في حالة التلاشي العربي.

شخصية اليهودي في الأدب العبري

كانت اللغة العبرية ــ إلى وقت قريب ــ لغة ميتة، اقتصر استعمالها على الكتاب المقدس والطقوس الدينية، وقد حاول رجال الدين اليهود النأي باللغة العبرية عن العامة، وحفاظًا على قدسيتها، ولكن اليعزر بن يهودا قام «بدور كبير في إحياء اللغة العبرية التي كانت لغة ميتة بالنسبة لليهود أنفسهم، وتحديثها لكي تتلاءم مع الاستعمال اليومي ومتطلبات العصر، وعكف على وضع قاموس شامل للغة العبرية وقضى معظم سني حياته في وضع قاموسه». وبسبب عمله هذا كفره حاخامات اليهود، وعندما توفي دفن خارج المقابر اليهودية عقابًا له على فعلته، ولم يرد له الاعتبار إلا في وقتٍ متأخر، ورغم أنه لم ينجح في جعل اللغة العبرية لغة الحديث اليومي في اليشوف، لأن اللغة التي كانت دارجة لدى العامة هي «اليدش أو اللادينو مختلطة بكلمات عربية، أما المثقفون فكانوا يتحدثون بالروسية والفرنسية».

أما الأدب العبري فقد مر بفترة ازدهار إبان العصر الأندلسي الذي بدأ قبل البعث الأوروبي بحوالي خمسة قرون وقد شمل هذا العصر الأدبي (الأندلسي العبري) تفسير التوراة ووضع قواعد اللغة العبرية، واستمر عصر النهضة هذا على أسس التقدم الفكري والفلسفة والرياضيات والطب، فقد عاش اليهود في هدوء ونعيم بعد انتقال مركز التوراة من العراق إلى الأندلس، وقد نسج الأدباء و الشعراء اليهود على منوال الثقافة العربية التي شكلت ينبوعاً للثقافة اليهودية.

وقد قدم بعض اليهود من إسبانيا إلى فلسطين في أواخر القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر، وكانت دوافعهم دينية محضة ولم تكن وراء قدومهم أية دوافع سياسية أو استيطانية. أما الهجرة في العصر الحديث فقد تمت على شكل دفعات، فكانت الهجرة الأولى من (1882ــ 1903)، وهي هجرة دينية جاءت من روسيا ورومانيا، أما الهجرة الثانية فقد امتدت بين عامي (1904ــ 1914)، وهي أخطر وأهم الهجرات، حيث هاجر إلى فلسطين عدد من زعماء بوعالي تسيون (عمال صهيون) ومنهم: بن جوريون (1886ــ 1973) وإسحاق شمشيليفتش (إسحاق بن تسفي)(1884ــ1963) وهما من مؤسسي دولة إسرائيل فيما بعد، والهجرة الثانية ذات بعدين هامين:

أولهما: زمني تعود بدايته إلى مطلع عام 1904، حيث غادر روسيا عدد جديد من المهاجرين بسبب الاضطهاد القيصري لليهود و فشل ثورة 1905 في روسيا.

والثاني: فكري حيث حمل المهاجرون الشباب أفكاراً قومية واجتماعية بحكم كونهم أعضاء في جماعات ثورية روسية، وقد تأثروا بالأفكار الاشتراكية، وقد تركزت أهداف الهجرة الثانية في ثلاثة شعارات هي: (أرض عبرية ـ عمل عبري ـ لغة عبرية).

وقد لعب الأدب العبري دورًا كبيرًا في إيجاد رأي عام مؤيد لإسرائيل، فقد خدم كتاب اكسودس (الخروج) الدعاية الصهيونية وإسرائيل أكثر من أي كتاب سياسي. ولعل الأثر النفسي الذي أحدثته كتابات وروايات "بنسكر" و"هرتزل" و"أحاد هاعام" لا يقل أهمية عن أثر كتاباتهم السياسية والأيدولوجية. وقد ركزت جورج إليوت اهتمامها في كتابها (دانييل ديروندا) على تفسير اصطلاح شعب الله المختار، وهي ترى أنه يعني أن الله اختار اليهود لينقذوا الإنسانية، فوجود اليهود هو وجود في سبيل الشعوب الأخرى. بينما يرى غيوتن أستاذ الدراسات الشرقية في الجامعة العبرية أن أسبقية الدين اليهودي تعطي الإنسان اليهودي أسبقية في الوعي والقيمة على بقية البشر. ومن الغريب أن ما يطلق عليه الأدب العبري استمر في منطقة غير تلك التي نبت فيها، فقد بدأ في أوروبا وانقطع ليتصل في إسرائيل.

ويعد شالوم ابراموفيتش ــ المعروف بلقب "مندلي موخير سفارديم" (مندلي بائع الكتب) ــ خالق الأسلوب العبري الحديث، كما يعد إسحاق بيرتس رائد القصة القصيرة في الأدب العبري الحديث، فقد كتب قصصه باليديش وترجمت إلى العبرية، ومن كبار كتاب القصة القصيرة والرواية أيضًا شموئيل يوسف عجنون، ويعده البعض من أكبر كتاب الأدب الملحمي في العبرية، ويختلط عنده الرمز بالواقعية والخيال الابداعي. والكتاب والنقاد في العالم وفي إسرائيل على السواء، موزعون بين تسميات مختلفة لهذا الأدب، فمنهم من يطلق عليه (الأدب الصهيوني) ومنهم من يرى أنه أدب عبري، وآخرون يرون أنه أدب إسرائيلي، ولكن النقاد اليهود يرون أن إطلاق صفة الأدب الإسرائيلي على هذا الأدب ونسبته إلى إسرائيل تحرمه من تراث ثلاثة آلاف عام من الكتابة بالعبرية وتحصره في فترة لا تزيد عن خمسين عامًا تقريبًا هي عمر إسرائيل، ويرى صلاح حزين أن الأدب الإسرائيلي لم يكن ابن إسرائيل أو ابن المنطقة، وإنما هو ابن الإبداع الأوروبي.

 

المصادر:

- أنطوان شلحت، صورة العربي في الثقافة الإسرائيلية، صحيفة الشرق الأوسط، 17 أبريل 2005، العدد 9637.

- إيلي سعادة، أدباء عبريون عمدوا إلى تشويه صورة العربي بغية ترسيخ "الأدب المجند"، صحيفة الحياة، 18/6/1422، العدد: 14053، الصفحة: 16.

- إيهاب فايق، العربي في الأدب الإسرائيلي، مجلة العربي، أكتوبر 2002.

- الأدب والمجتمع، ندوة مصرية، صحيفة الشرق الأوسط، 25 أبريل 2003، العدد 8914.

- بديعة أمين- الأسس الأيدولوجية  ص226.

- عبد الوهاب وهب الله- الاستيطان اليهودي في الأدب الصهيوني ص28.

- السابق ص22.

- جودت السعد- الأدب الصهيوني- ط1 1982 ص22.

- مشارف - عدد 2- سبتمبر 95. صلاح حزين- الأدب الإسرائيلي ص135.

- بدأت الاضطرابات في كيشيفف التي يقطنها عدد كبير من اليهود في 1903.

- عبد الوهاب وهب الله. الاستيطان اليهودي في الأدب الصهيوني ص 17 – 37.

- غسان كنفاني- أدب المقاومة في الأرض المحتلة ص53.

- جودت السعد- الأدب الصهيوني- ص35.

- غسان كنفاني- أدب المقاومة. ص57.

- السابق ص60.

- مشارف- عدد 2 صلاح حزين ص139.


عدد القراء: 2176

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-