الفوضى والشر في أدب المدينة الفاسدة


أدب المدينة الفاسدة أو ديستوبيا أو عالم الواقع المرير Dystopia هو مجتمع خيالي، فاسد أو مخيف أو غير مرغوب فيه بطريقة ما. وقد تعني الديستوبيا مجتمع غير فاضل تسوده الفوضى، فهو عالم وهمي ليس للخير فيه مكان، يحكمه الشر المطلق، ومن أبرز ملامحه الخراب، والقتل والقمع والفقر والمرض، باختصار هو عالم يتجرد فيه الإنسان من إنسانيته يتحوّل فيه المجتمع إلى مجموعة من المسوخ تناحر بعضها بعضًا. ومعنى الديستوبيا باللغة اليونانية المكان الخبيث وهي عكس المكان الفاضل يوتوبيا. ولقد ظهرت قصص مثل هذه المجتمعات في العديد من الأعمال الخيالية، خصوصًا في القصص التي تقع في مستقبل تأملي. والديستوبيات تتميز غالبًا بالتجرد من الإنسانية، والحكومات الشمولية والكوارث البيئية أو غيرها من الخصائص المرتبطة بانحطاط كارثي في المجتمع.

وتتنوع عناصر الديستوبيا من القضايا السياسية إلى القضايا الاقتصادية أو حتى البيئية. فالمجتمعات الديستوبية قد توجت في سلسلة واسعة من الأنواع الفرعية من الخيال العلمي، وعادة تستخدم هذه القصص والروايات لتسليط الضوء على القضايا الموجودة في العالم الواقعي المتعلقة بالمجتمع والبيئة والسياسية والدين وعلم النفس والقيم الروحية أو التكنولوجيا التي قد تصبح الحاضر في المستقبل. لهذا السبب، اتخذت الديستوبيا شكل العديد من التكهنات، مثل التلوث والفقر والانهيار المجتمعي والقمع السياسي أو الشمولية.

يصف أفلاطون في كتابه «الجمهوريّة» مدينة مستقبليّة فاضلة يحكمها الفلاسفة. لكن «اليوتوبيا» كما نفهمها اليوم كنوعٍ أدبي تسميّة نحتها البريطاني توماس مور في القرن السادس عشر الميلادي، ليصف بها حكاية جزيرة تعيش أجواء نظام مختلف عن إقطاعات العصور الوسطى المظلمة في أوروبا، فالناس فيها يعملون لست ساعات على الأكثر يوميًا، ويشتركون في الموارد فيما بينهم. وعلى الرغم من أن مور خلال روايته تلك لم يقّدم الكثير على صعيد التأمل بالاتجاهات الممكنة لتطور التكنولوجيّات مستقبلاً، إلا أن «يوتوبيا» تحولت إلى فاتحة نوع أدبي جديد ترافق صعوده مع البدايات الأولى لعصر النهضة، وبلغ ذروته بعد 300 عام تقريبًا على ضفاف النظام الرأسمالي الحديث، الذي أعطى البشريّة أملاً بغد أفضل قبل انتكاسة ذاك الأمل بدايات القرن العشرين، مع تفشي الغزوات الاستعماريّة ومآسي الحربين العالميتين، التي أنتجت أعمالاً في غاية التشاؤم حتى وصفت بالدستوبيا - أي نقيض اليوتوبيا - مثل الرواية المقلقة «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي أو «1984» لجورج أورويل.

منذ نهاية الحرب العالميّة الثانية عام 1945 بما شهدته من قنابل نووية وهولوكوست وموت مدن وضحايا بالملايين، وآلام لا تنتهي ومشاهد فاجعة، بدا أن البشرية قد استوعبت درسها، وبدأت تتجه بثقة إلى أفضل أوقاتها على الإطلاق. فالقوى الكبرى في أوروبا تقاربت، ولم تعد تلجأ للسلاح لحل خلافاتها، وتحوّلت الصين واليابان إلى إمبراطوريات اقتصاد وثقافة، وسقط القطب السوفياتي الذي كان مصدر القلق الأكبر للإمبراطورية الأمريكية العظمى. وفي موازاة ذلك فإن تقدّم العلوم والتكنولوجيا جعل من حياة البشر عموماً أطول، وأكثر أمانًا، وأوفر صحة ومنحهم تواصلاً ومعارف غير مسبوقين. ومع ذلك فإن الأدب عمومًا خلال الفترة ذاتها، وتحديدًا النّوع الروائي الذي يتصوّر شكل المستقبل منه، بدا أنه يعيش في أجواء مختلفة تمامًا، تغلب عليها مناخات القلق والتشاؤم والسوداوية بدلاً من التفاؤل بعد أكثر إشراقًا. ولعل زيارة خاطفة إلى أي متجر كتب في الغرب، أو مراجعة سريعة لقوائم أكثرها مبيعًا في الصحف تؤكد غلبة ذلك المزاج الكئيب، سواء في الرّوايات الصّادرة حديثًا مثل «المحطّة الحادية عشرة» لجون ماندل أو «حرب أمريكيّة» لعمر العقاد، أو حتى في الكلاسيكيّات المستعادة كـ«1984» لجورج أورويل أو قصّة «الخادمة» لمارغريت أتوود. ولا يقتصر الأمر على منظومة تجارة الكتب، بل وتعدتها إلى الجوائز الأدبيّة التي منحت تلك الديستوبيّات أرفع تكريماتها «الأرض المكسورة» لإن كيه جيميسين حصلت على جائزة «هيوغو» 2017، و«القوّة» لناعومي إلديرمان حصلت على جائزة «بيليز» للكتابة النسائيّة 2017. كما وأن أكثر المسلسلات التلفزيونيّة المأخوذة عن أعمال روائيّة رواجًا في العام الحالي كانت «الموتى السائرون» المأخوذة عن سلسلة كوميكس ديستوبيّة بالاسم ذاته، وكذلك «قصّة خادمة منزل» المأخوذة عن رواية أتوود المعروفة.

ويعد أدب المدينة الفاسدة أو ديستوبيا (dystopia) وهي المضادة لكلمة (اليوتوبيا) الخاصة بالجمهوريات والمدن الفاضلة بدءًا بجمهورية أفلاطون مرورًا إلى يوتوبيا توماس مور.

وديستوبيا أدب غير فاضل تسوده الفوضى، فهو عالم وهمي ليس للخير فيه مكان، يحكمه الشر المطلق، ومن أبرز ملامحه الخراب، والقتل والقمع والفقر والمرض، فعالمه يتجرد فيه الإنسان من إنسانيته يتحوّل فيه المجتمع إلى مجموعة من المسوخ تناحر بعضها بعضًا.

وتعني «الديستوبيا» باللغة اليونانية المكان الخبيث وهي عكس المكان الفاضل يوتوبيا. ولقد ظهرت قصص مثل هذه المجتمعات في العديد من الأعمال الخيالية، خصوصًا في القصص التي تقع في مستقبل تأملي. وتتميز غالبًا الديستوبيات بالتجرد من الإنسانية، والحكومات الشمولية والكوارث البيئية أو غيرها من الخصائص المرتبطة بالانحطاط الكارثي في المجتمع.

والأدب الديستوبي هو نوع من الأدب الخيالي الذي عادة ما يصور مجتمعات مستقبلية سيئة بغرض تسليط الضوء على قضايا سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو دينية أو فلسفية.

ويمكن تعريف الديستوبيا بأنها نوع من الأدب الذي يحكي عن مجتمع (متخيل غالبًا) منظم بطريقة تجعل من الصعب على أفراده أن يكونوا سعداء.

وغالبًا فإن هذه الحياة الكابوسية التي يعيشها الأفراد ناتجة عن تنظيم سياسي هدفه (حسب مديري المجتمع، السلطة) جعل المجتمع أفضل عن طريق غرس أفكار بعينها ومحاولة تحويل الأفراد إلى نسخ من بعضهم.

ولعل أشهر ما كُتب في ذلك الوقت رواية «العقب الحديدية» للروائي الأمريكي «جاك لندن».

ومن أبرز ملامح الأدب الديستوبي هو التجرد من الإنسانية.

وكذلك القمع، الفقر، الظلم، الكوارث البيئية، أكثر ما يميز الأدب الديستوبي.

البداية للأدب الديستوبي:

بدأ الأدب الديستوبي في الانتشار مع الثورة الصناعية، حين اتسعت الفوارق الاجتماعية بين العمال والطبقة الغنية، مما دفع الأدباء وقتها إلى الغرق في التشاؤم.

وبعد الحرب العالمية الأولى، شعر الأدباء والفنانون بمدى الانحطاط الذي وصل إليه العالم، وساد تيار تشاؤمي عدمي في إنتاجهم، ويُعتبر الروسي «يفغيني زامياتين»، بروايته «نحن»، الأب الروحي للأدب الديستوبي الحديث، إذ يعبِّر في روايته عن غضبه من المسار الذي اتخذته الثورة في روسيا.

ويتنوع هذا النوع من الأدب بين من القضايا السياسية إلى القضايا الاقتصادية أو حتى البيئية، فالمجتمع داخل المدينة الفاسدة قد توج في سلسلة واسعة من الأنواع الفرعية من الخيال العلمي، وعادة تستخدم هذه القصص والروايات لتسليط الضوء على القضايا الموجودة في العالم الواقعي المتعلقة بالمجتمع والبيئة والسياسية والدين وعلم النفس والقيم الروحية أو التكنولوجيا التي قد تصبح الحاضر في المستقبل. لهذا السبب، اتخذت الديستوبيا شكل العديد من التكهنات، مثل التلوث والفقر والانهيار المجتمعي والقمع السياسي أو الشمولية.

وعادة ما يتم الخلط بين الأدب الديستوبي وأدب نهاية العالم، على الرغم من استخدامهما معًا في حالات كثيرة فهما مختلفان جوهريًا عن بعضهما.

الديستوبيا في السينما:

وفي السينما ظهرت سلسلة أفلام ألعاب الجوعى أو (The Hunger Games) وتدور أحداثها في عالم مستقبلي عن المراهقة الفقيرة «كاتنيس إيفردين» التي يتم اعتبارها في حكم الميت، عندما تقرر مضطرة إنقاذ أختها بالمشاركة في مسابقة سنوية تليفزيونية دموية (أقرها الكبار كعقاب بعد ثورة ما)، بين دستة من المراهقين، لا تنتهي إلا ببقاء واحد فقط حيًّا.

بعد أن حققت تلك الثلاثية نجاحًا باهرًا في دور العرض العالمي، انتجت هوليوود عشرات الأعمال التي تتبع نفس الخط، لاستقطاب نفس الجمهور والشريحة العمرية، فيما يطلق عليه بـ «ديستوبيا البالغين الصغار». فظهرت أفلام كـ «أرض الغد (Tomorrowland)»، و«عداء المتاهة (The Maze Runner)» بجزئيه والمختلفة (Divergent) بجزئيه أيضًا.

أفكار هذا النوع تمزج فكرة الديستوبيا باحتياجات الجيل الحالي وسماته، فأبطاله مراهقون، يدفعون ثمن خطايا الأجيال السابقة الفاشلة ويحاولون إصلاحها (النموذج السلطوي القمعي من حكومات أو عائلات)، يمثله باستمرار كبار في السن. في أغلب هذه الأعمال.

المجتمع مُقسم إلى نوعين أو أكثر، والتفرقة عادة مرتبطة بالثراء، مصير الإنسان بيد السلطة مسبقًا أيًا كانت. في أحد مشاهد فيلم «المعطي (The Giver)» وهو واحد من تلك النوعية، تظهر عدة لقطات سريعة لثورات (الربيع) في مصر وتونس وليبيا، تأتي حينما يتحدث البطل المراهق عن أحداث معينة في العالم قبل أن تخيم الديستوبيا عليه، لتذكره بأخطاء الجيل السابق (الفاشل).

فيلم The Matrix: جاءت سلسلة أفلام The Matrix التي تقع في عالم سيطرت فيه الآلات حيث يعيش البشر في واقع افتراضي ضمن «المصفوفة»، حيث يكونون في الواقع في حالة سبات ضمن آلة تصل وعيهم بالواقع الافتراضي.

جاءت فكرة الأختين «واتشوسكي» لتقديم فيلمهما الأهم «The Matrix» في أواخر تسعينيات القرن الماضي، وهي صناعة فيلم حركي في بصريته، وإثارة في ظاهره، بينما يقول في أعماقه الكثير عن مستقبل تسيطر فيه الآلات ويُهمّش فيه الكيان البشري.

يحكي الفيلم عن مبرمِج وهاكر يسمى «توماس آندرسون»، يتورط في أحداث غير متوقعة يتعرف فيها إلى شخص آخر يُدعى «مورفيوس»، يدعوه إلى اكتشاف ماهية «الماتريكس».

يعاني أعضاء هذا العالم من حرب تدور بين الإنسان والذكاء الصناعي، فالآلات تستخدم أجسادهم لإنتاج الطاقة في إطار التخيير. يقدم مورفيوس حبتين إلى آندرسون، تجعل إحداهما منه إنسانًا عاديًّا يرى الأمور بسيطة، والأخرى تُدخله إلى ذلك العالم الغامض. ولأن الفيلم يتحرك في مساحة فلسفية، سيختار دخول هذا العالم ليكتشفه.

تعتبر سلسلة الأفلام هذه من السلاسل الأكثر شهرة وتأثيرًا في السينما الحديثة.

فيلم The Giver: فيلم من انتاج عام 2014 وتدور أحداثه في عالم مثالي، الحصول على الأطفال فيه عن طريق نساء مهمتهن في الحياة الحمل والولادة فقط، ويتم العناية بالمواليد الجدد على يد متخصصون في ذلك أيضًا، والطفل الذي لا يتوافق مع المعايير الخاصة بالصحة والوزن والحجم المثالي يتم إعدامه في الحال لتقليص عدد المرضى في المجتمع، وبعد سن معين يتم إعطاء كل عائلة أطفال لتربيتها وفقًا للقوانين الموضوعة من مجلس الحكماء، وفي احتفال سنوي يتم اختيار الوظيفة المناسبة لكل مواطن.

يكتشف المشاهد بعد ذلك الخطوات السابقة لإنشاء هذا المجتمع المثالي بالأبيض والأسود فقط، فقد قرر الحكماء إزالة الذكريات عن المجتمع بشكله السابق من عقول المواطنين وهم أنفسهم، مع الاحتفاظ بها مع شخص واحد يسمي The Giver ويتم اختيار تلميذ جديد له كل عشر سنوات ليتلقى منه هذه الذكريات ويحفظها، والتلميذ الجديد يكتشف أن السعادة والرضا الذي يشعر بهم المواطنون طوال الوقت بسبب الجرعة اليومية من الدواء التي يحصل عليها المواطنون قبل خروجهم من المنزل، وحين توقف عن تناولها، يكتشف أن لديه مشاعر أخرى مثل الحب، الخوف، الشجاعة في الدفاع عن أخيه الصغير المتوقع قتله بسبب سوء صحته.

 فيلم The Lobster: ويتخيل مخرج فيلم «The Lobster» مستقبلًا كئيبًا ينفصل فيه المجتمع على أساس الحُب، فالمرتبطون يسكنون المدينة، والعُزّاب يسكنون الغابة، وبين العالمين هناك الفندق الذي يدخله الباحث عن الارتباط، ولو فشل يتحول إلى حيوان من اختياره.

العالَم الأول الذي يدخله البطل هو الفندق، الذي يرمز الى الأنظمة والحكومات الشمولية، وفي ذلك العالم يجب عليه أن يعثر على حبيبة وإلا يُعاقَب، وفي هذا تصوير سوداوي متطرف من المخرج، يجعل المُشاهد يفكر في الضغوط التي توضع عليه وتُبرّر بأنها في صالحه، بينما هي في واقع الأمر قمعية ومتسلطة.

العالَم الآخر الذي يدخله البطل هو عالم الهاربين من الفندق، الذين يطلقون على أنفسهم «الوحيدين»، وتختلف جماعتهم عن جماعة الفندق ظاهريًّا، فالفندق نظيف ومرتب، وشكله يوحي بتحضر ورُقي رغم التسلط السائد فيه، أما عالم الوحيدين فيبدو فوضويًّا، يصطاد سكانه طعامهم بأنفسهم، لكن في العمق لا يوجد اختلاف بين العالمين، هناك قمع وخواء وعنف.

مُتخذًا الخيال وسيلة، يقول الفيلم الكثير عن الواقع الذي نعيشه وعن اختيارات الإنسان وتوابعها، يعرض خوفًا من الأنظمة التي تَدّعي حماية المجتمع وتحقيق النظام، بينما هي في الواقع ليست سوى نظام استبدادي.

يقول الفيلسوف والناقد السينمائي «جيل دولوز»، في كتابه «الصورة – الزمن»، إن السينما هي أكثر الفنون البصرية تأثيرًا، فما تفعله هو «إحداث صدمة في الفكر، ولمس الجهاز العصبي على نحو مباشر». ويصف النقاد السينمائيين بأنهم فلاسفة المستقبل، ويصل بين الفلسفة والسينما بقوله إن السينما هي الصورة، والفلسفة هي المفهوم.

فيلم  Time Bandits: في أوائل الثمانينيات، قدم المخرج «تيري غيليام» فيلمه «Time Bandits»، وهو الجزء الأول من ثلاثيته التي تدور حول الرغبة في الحرية والهروب من النظام، وبعدها قدم «Brazil» و«The Adventures of Baron Munchausen».

في أهم أعمال الثلاثية وأفضلها، وربما أهم أعمال غيليام على الإطلاق، يقدم «Brazil» أجواء قريبة من أجواء جورج أورويل في «1984». فبينما قُدِّمت ديكتاتورية «الأخ الأكبر» الذي يراقب الجميع في رواية أورويل، أهتم الفيلم بالأجهزة التي تمارس الديكتاتورية: الأمن والسلطة والتكنولوجيا الهائلة.

في عالم «البرازيل»، البيروقراطية هي الآفة، تستنزف كل حريات الفرد ومعتقداته، وتختنق أفكاره، وتُذهب أحاسيسه أدراج الرياح، لكن بطل الفيلم يحارب ذلك الروتين والرتابة في أحلامه، ويتخيل أنه ينقذ حبيبته الجميلة، لكن السلطات لا تسمح بذلك حتى وإن كان مجرد حلم، فتفرض سيطرتها وتُجَرِّد الناس من حقوقهم وحرياتهم وتدفن أحلامهم.

يؤكد الفيلم أهمية الحلم في مواجهة الاستعباد والقمع، فلولاه لما قامت ثورات أو تحققت أهداف.

وعلى عكس سوداوية أفلام الديستوبيا السياسية خصوصًا، يُغرق فيلم «V For Vendetta» في التفاؤل. يرتدي بطل الفيلم، الذي يحركه دافع الثأر والرغبة في تغيير الواقع السياسي وإسقاط النظام، قناعًا طوال أحداثه، لأن الحلم لا يعترف إلا بالإنسانية والرغبة الحقيقية في التغيير. يهتم الفيلم بصورة كبيرة بالأقليات ومن تُعاملهم الحكومات على أنهم قذارة يجب التخلص منها.

فيلم Blade Runner: لا يكتمل الحديث عن أفلام المستقبل المرير دون ذكر فيلم «Blade Runner»، تحفة «ريدلي سكوت» وأحد أعظم أفلام الخيال العلمي على الإطلاق.

تدور أحداث الفيلم حول «ريك ديكارد»، الشرطي المتقاعد في مدينة لوس أنجلوس المستقبلية، تحديدًا في عام 2019، المليء بالتلوث الناتج عن الثورة الصناعية المهولة. ديكارد يعمل ضمن مجموعة «Blade Runner»، المسؤولة عن القبض على روبوتات تُعرف بـ«Replicants» (المستنسَخين)، الذين تطورهم إحدى الشركات كي يحاكون الجنس البشري من أجل استعمار الفضاء، لكن بعضهم يتمرد.

كان الفيلم في عصره ثورة تقنية وفكرية لا تتكرر، إذ قدم آليين بشكل بشري، ومزج في تقديمه للديستوبيا أجواءَ أفلام الإثارة والنوار (أي الفيلم الأسود، ويُستخدم للإشارة إلى الدراما والجريمة التي ترتكز إلى التشاؤم والتهكم والغرائز)، وطرح الفيلم سؤاله الأهم: ماذا يعني أن تكون إنسانًا؟ ما الذي يجعلك «إنسانًا» فعلًا؟ هل هي سمات بيولوجية؟ ريك مثلًا في بعض المَشاهد يبدو أقل إنسانيةً من الآليين ذاتهم، فهل يجعلهم ذلك بشرًا حقيقيين؟

فيلم Children of Men: وفي عام 2006، تنبأ «ألفونسو كوارون» في فيلمه «Children of Men» بأن البشرية ستنتهي بحلول عام 2027، وذلك بعد تعرض العالم لموجة هائلة من الحروب والأمراض.

في الفيلم، تفقد النساء القدرة على الإنجاب منذ 18 عامًا، ما يهدد العالم بالفناء. وفناء هذا العالم من وجهة نظر صانعي الفيلم قائم على عدمية البشر، لأنهم فقدوا الدافع الأهم للحياة: الاستمرار. أدى عدم وجود جيل جديد إلى فقدان الأمل في المستقبل والرغبة في فعل شيء، ثم تأتي نقطة النور أخيرًا حين تظهر امرأة حامل، كنايةً عن المسيح المنتظَر الذي سينقذ الكوكب، مسيح ذو بشرة سمراء، لأن المستقبل يجب أن يتعايش فيه كلٌّ مع الآخَر دون النظر لا إلى دين ولا لون ولا عِرق.

في عام 2017، أخرج «دينيس فيلينوف» فيلمًا مكمِّلًا لفيلم ريدلي سكوت هو «Blade Runner 2049»، حاول فيه أن يقدم تفسيرات للجزء السابق، لكنه ناقش هذه المرة الهوية والعاطفة والذكريات، وأسقط فيه على المسيح المنتظَر، الذي سينقذ الأرض من الكوارث التي حلت بها.

فيلم Ex Machina: في عام 2005، ظهرت رواية «Never Let Me Go» للكاتب البريطاني «كازو إيشيغورو»، وبعدها بخمسة أعوام اقتبسها «أليكس غارلاند» في فيلم أخرجه «مارك رومانك». قدم غارلاند في هذا الفيلم رؤيته عن الفناء من منظور «من يستحق العيش؟»، وكانت الإجابة: بالطبع أصحاب الثروة.

وفي 2014، قدم غارلاند رؤية جديدة عن الفناء في «Ex Machina»، كان هو مؤلفها ومخرجها. لا يقدم الفيلم رؤية غارلاند عن الفناء فحسب، بل يمزجها بتعاطف مع قضية النسوية والصراع الأبدي بين الذكر والأنثى، وينتصر فيه في النهاية للاتجاه النسوي. بينما في «Mad Max: Fury Road» يتجاوز «جورج ميلر» المفهوم التقليدي لأفلام ما بعد الفناء، تلك التي كان مُخلِصًا لها في الأجزاء السابقة.

فيلمه هذا لا يمكن اعتباره سيناريو بالمعنى التقليدي، بل هو شيء أشبه بأفلام «الويسترن» الكلاسيكية، لكن بدلًا من الأحصنة هناك شاحنات، ويحرك ميلر شخصياته على الجانبين، طرف تحركه الرغبة في الخلاص والحرية والبقاء، رغبةٌ تتضح دون محاضرات أو مشاهد شرحية، والطرف الآخر تحركه مفاهيم الإيمان والخلود.

في كتابه «الفيلموسوفي»، يناقش «دانييل فرامبتون» ماهية السينما، لكنه لا يحاول الربط بين السينما والفلسفة، إنما اعتبر السينما فلسفة بحد ذاتها، وكائنًا حيًّا يتطور ولا يمكن فصل أجزائه ومكوناته عن بعضها، كائنٌ يجب فهمه حتى نستطيع الربط بينه وبين القضايا الحداثية.

لن يتوقف صُناع السينما عن تصوير الديستوبيا في أفلامهم، فتصوير المستقبل بهذا الشكل العنيف هو محاولة إبداعية للاقتراب من الجمال والقفز على المشاكل ومواجهة الفناء، ذلك الذي توقعه غارلاند في مقابلة صحفية، حين سُئل عمّن سيتولى مهمة إفناء الجنس البشري، فكانت إجابته أن الإنسان هو من سيؤدي هذه المهمة، وعلى أكمل وجه.

 

المصادر:

- حنان عقيل، أدب المدن الفاسدة يجتاح الرواية العربية، جريدة العرب، العدد: 10531، 2/2/ 2017.

- مرزوق مشعان العتيبي، أدب المدينة الفاسدة، جريدة مكة، 15 أكتوبر 2015.

- محمد السجيني، ديستوبيا السينما: لأن الواقع ليس سيئًا كما تظن، موقع "منشور"4/2/2018 - https://manshoor.com/art/dystopian-movies-and-literature/

- طارق علي سرحان، (نحن الجيل الضحية) .. كيف تسوق هوليوود فكرة ؟، الوطن، 14 أكتوبر,2015

http://alwatan.com/details/80941

 


عدد القراء: 2064

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-