الصالون الأدبي وأثره في الحركة الثقافية والفكرية


خاص - مجلة فكر الثقافية:

يعود ظهور الصالونات الأدبية إلى جذر المعرفة الإنسانية، فكان في الحضارات القديمة، آثار لنفس فكرة الصالون الثقافي، فعند الفراعنة تواجدت التجمعات التي يتم فيها الغناء وإلقاء الشعر. وكذلك عند البابليين. كما اهتم الإغريق بمثل هذه التجمعات الثقافية، حيث الالتفاف حول الغناء وقراءة الشعر في أماكن محددة. وفي العصر الجاهلي اشتهر سوق عكاظ، وقد كان منصة ثقافية عند العرب.

من الثابت تاريخيًا أن بروز ظاهرة الصالونات الأدبية أثّر بشكل كبير على الحركة الثقافية والتحول السياسي والاجتماعي في أوروبا، حيث كان الظهور الحقيقي للصالون الأدبي بشكله الحديث، منذ ظهور الصالون الأدبي في إيطاليا «إيزابيلا ديستيه» ثم انتقاله إلى فرنسا «مادلين دوسكيديري» و«كونرار» و«بروكوب» - الذي كان أدبيًا صرفًا ارتاده فولتير وقادة الثورة الفرنسية– وبريطانيا «مارزين» في القرن السادس عشر وما تلاه من قرون.

وعرفت إيطاليا في القرن السادس عشر الصالونات الأدبية بصورتها العملية دون أن تسمى "صالونًا أدبيًا"، إلا أنّها كانت ترعى حركة الأدب والفن على أيدي متنفذين وميسورين ينتمون للطبقة الارستقراطية. وتجدر الإشارة إلى أنّ النساء كنّ الأكثر اهتمامًا برعاية الآداب والفنون في قصورهنّ من الرجال.

وفي فرنسا كان أول "صالونٍ أدبي" فرنسي بدأ نسائيًا عام 1608، وكان يُعقد في فندق مدام كاترين دو رومبوييه واستمر حتى وفاتها عام 1659، ثم صالون السيدة مادلين دو سكوديري (1607-1701).

وكانت أهمّ الصالونات الأدبية الذكورية تلك التي أسسها فالنتين كونرار عام 1629. ومن رحم هذا الصالون ولدت فكرة الأكاديمية الفرنسية التي تعد أهم صرح لرعاية اللغة الفرنسية حتى هذا التاريخ. كما أنشأ الأرستقراطي بول سكارون (1610-1660)، وذلك في عهد لويس لويس الرابع عشر أحد أهم هذه الصالونات التي ضمت في اجتماعاتها نخبةً من مفكري هذه المرحلة.

عُرف الصالون الأدبي مقرًا يستضيف فيه مثقف مجموعةً من المثقفين لتبادل المعارف والحوارات الثقافية والأفكار التي من شأنها أن تنهض بالمجتمع والدولة فكريًا وثقافيًا وتنمويًا في عدة مجالات حضارية، وعادةً يهتم ذوو الوجاهة والأثرياء بإدارة الصالون الأدبي لرعاية الأدب والفن.

قد يختلف الباحثون في تحديد أقدم صالون أدبي عرفه التراث العربي تبعًا لتحديد المفهوم وخصائصه الذي يحدده كل باحث، فالملوك العرب في العصر الجاهلي كانوا يجمعون الشعراء وأهل البلاغة لسماع منتجاتهم الأدبية والمفاضلة بينهم. سوق عكاظ كانت إحدى العلامات التاريخية البارزة في هذا المجال، لكن بعضهم يؤكد أن سكينة بنت الحسين كانت تدير أشهر ملتقى ثقافي عربي، حيث يجتمع عندها في بيتها بالمدينة المنورة نخبة الأمة من علماء وفقهاء ولغويين وشعراء وفصحاء، يتناقشون ويتحاورون ويتنافسون بحضرتها وقد كانت أحيانًا ترجّح بينهم أو تُغلّط بعضًا منهم أو توجّه برؤية نقدية حاذقة مبنية على أصول الموازنة النقدية، مروراً بصالونات الخلفاء الأمويين والعباسيين، ولعل من أشهرها الصالونات التي كان يقيمها الخليفة المأمون العباسي. وقبل الإسلام مثل عُرف مجلس قيس بن عاصم.

وللمجالس والأندية الأدبية في العصر العباسي مكانة رفيعة وشكل باذخ ودقة في التنظيم والترتيب والزخرفة؛ فهذا الأصمعي يصف مجلس الفضل بن يحيى، وهذا الخطيب البغدادي يصف مجلس المقتدر، وابن المعتز يصف مجلس الأمين وما يتحلى به من تصاوير وقد ذهبَّت أسقفه وحيطانه.. إلخ. وللمجالس آداب وضوابط وأصول يجب مراعاتها وعدم الخروج عليها، وكان صاحب المجلس- خليفة أو وزيرًا أو أميرًا أو قائدًا- هو السيد فيه. يدير مجلسه حسبما يرى، وكيفما يشتهي من أدب وغناء وشراب ومجادلة ومناظرة.. إلخ.

في الأندلس، اشتهرت ولادة بنت المستكفي بصالونها الأدبي في قرطبة الذي كان يضم نخبة من كبار الشعراء والمبدعين مثل ابن زيدون، والذي كان مصدرًا لخلود شعره، ومنبرًا جمع المبدعين في ذلك الوقت للحديث حول إبداعاتهم.

وكان المأمون-على سبيل المثال- يجعل لكل غرض يومًا معينًا له، إذ كان يجلس للمناظرة في الفقه كل ثلاثاء وهكذا.. إلخ.

وقد تناول طه حسين هذه المجالس في العصر العباسي بالتفصيل في (حديث الأربعاء) وقال: إن مثل هذه المجالس قد أثرت في حركة الأدب والشعر والفكر تأثيرًا كبيرًا. ثم انتقلت تلك المجالس إلى الشام ومصر، وسميت بالصالونات، ومن أشهرها وأحدثها صالون مي زيادة ومجالس مصطفى صادق الرفاعي وعباس محمود العقاد وطه حسين وأحمد حسين ومحمود شاكر وغيرهم.

وكثرت الصالونات الأدبية أو الثقافية في حواضر العالم الإسلامي، في ضحى الإسلام وظهره، فكان بعض الأدباء والعلماء ووجهاء الناس يعقدون مجالس يجري فيها العلم بأنواعه، وكان أصحاب المجالس يتنافسون في ذلك، من ذلك مجلس الوزير المهلبي الذي كان من نتيجته كتاب الأغاني ومن المجالس المشهورة مجلس سيف الدولة الحمداني الذي تخرج منه المتنبي وأبو فراس والفارابي وابن خالويه وغيرهم كثير ومن مجالس العلماء مجلس ابي سليمان المنطقي وابن أبي عامر وكانت تلك المجالس تعقد للمتعة العقلية، ويجتمع فيها مسلمون ونصارى ويهود وأصحاب ديانات أُخر، ومن أشهر فرسان تلك المجالس ابن زرعة، وابن الخمار، وابن السمح، والقُمسي، ومسكويه، ويحيى بن عُدي، وعيسى بن عدي، وابو حيان التوحيدي الذي دوّن محاضر بعض هذه المجالس في كتابه (المقابسات).

ويروى أن الجهشياري قام بتأليف كتاب يحتوي على أربعمائة وثمانين سمرة من سمر العرب، وكان ينوي أن يجعلها على نسق ألف ليلة وليلة، ولكن المنية سبقته، ومثله فعل مسكويه وابن الداية وغيرهما، وكلها نتاج مما جمعوه في الصالونات الأدبية والثقافية، هذا ما كان، وأولئك هم نفر من نفر كانوا رواد الأمسيات الثقافية، وقد ملأوا الدنيا علمًا وأدبًا وصلنا بعضه، وضاع مثله أو أكثر مع ما ضاع من تراث هذه الأمة.

أما المجالس الأدبية الخاصة. فقد كان لـ(أبي علي القالي) العالم اللغوي مجلس عام أسبوعي في مسجد قرطبة يحضره من شاء من العامة ومجلس آخر لأبناء الأشراف والأعيان، ويومين يلقي فيهما المحاضرات للجميع. وغيره من أصحاب المجالس الأدبية مثل: صاعد البغدادي، وأبي يحيى زكريا التطيلي وأبي الحسن بن بشر الأنطاكي، وغيرهم، وهناك مجالس للهزل والضحك ومجالس للأصدقاء والندماء مثل مجلس (ابن الخطيب) ومجلس (أبي بكر بن زهر) ومجالس أخرى للغناء مثل مجلس (زرياب) ومجلس (ابن باجه) ومجالس للجدل، وغيرها وقد ذكرت أخبار تلك المجالس بالتفصيل في كتب (العقد الفريد) و (بهجة المجالس وانس المجالس) و (المقتطف من أزاهير الطُرف) وغيرها.

ولو دققنا في المشكلات التي تواجه الصالونات الأدبية في البلاد العربية، فإن معظمها تم تأسيسه بجهد فردي، دون العودة إلى وزارة الثقافة، الذي كان سيوفر التمويل اللازم لضمان استمرارها. لكن المؤسس للصالون الأدبي، يرجو من خلال ذلك، الخروج من عباءة البروتوكول الحكومي، والتنميط في طرح القضايا في المؤسسات الثقافية البيروقراطية، وهو أمر مطلوب، من أجل التعددية، لكنه يسقط في معضلة أخرى، ألا وهي غياب الممول. وما إن تمر فترة قصيرة حتى يتوقف الصالون.

الصالونات والنقاشات الفقيرة:

في العصر الحديث لا يخفى هيمنة الكاتب الذي أنشأ الصالون على الأمور كلها، إذ هو من يحدد الضيوف للحوار، وهو من يختص نفسه باختيار القضايا، وهو من يسيطر على إدارة النقاش، أو يكون الحوار حسب توجهاته ورؤيته. ما ينتج ثقافة في تجاه واحد، ضحلة المنبع، لا تجديد ولا إثارة ولا تجريب فيها. كما وأن البعض استخدم الصالون الثقافي للترويج لمرشح سياسي ما، مقابل مصالح شخصية.

فتجد صاحب الصالون هو المستأثر بالحديث فيه وهو الذي يختار المتحدثين حسب الأعلى مكانة، رغم أنه من أدبيات المجالس يبدأ الحديث بمن طلب ذلك أولاً.

ولا يخلو الصالون الأدبي القائم على الوجاهة الاجتماعية أكثر من الثقافة، ومجرد دعوة توجه لمسؤول ونختتمها بالعشاء دون نتيجة، وأصبحت مجرد لقاءات تبدأ من الأحد إلى السبت.

غير أنَّ هذا اللون مِن الحَراك الأدبيِّ قد اشتهر منذ القدم برقَّة النَّقْد؛ حيث تَسود المجاملات والإطراء، في حين لا يتحدث عن العيوب والأخطاء إلا في إيماء وتورية، وخيرُ دليل على ذلك ما قاله الدكتور عمر الدسوقي في معرض حديثه عن شعر إسماعيل صبري: "إنه شاعر "صالون" وشاعر "الصالون" كما علمت يُراعي دائمًا غيره قبل أن يُراعي نفسَه، وقلَّما يفرغ إلى شعوره ووجدانه، وفي "الصالون" يسود الذكاء، والنكتة، وحُسْن التعبير، والمجامَلة".

ويقول د. عبدالحميد محمد بدران: «لا أُجاوز الحقيقة إذا قلتُ: إن معظم المنتديات سواء أكانت جادَّةً أم بينَ بينَ، لا تُقدِّم لروَّادِها إلَّا وجبةً دسمةً مِن الإطراء غير الممَنْهج، يحسُّون مِن خلاله أنهم تربَّعوا على عرش الشعر بعصا موسى التي وهبتها إيَّاهم هذه المنتديات؛ ممَّا يجعلهم يَجوبون منتديات الشعر قاطبةً، باحثين عن كل ما يُلبِّي طموحهم ورغباتهم، فيُقابَلون بشهادة تقدير من هنا، أو كلمةِ إعجابٍ مِن ها هنا، أو لقب مِن هناك، وقد يخرج أنصاف الشعراء مِن مِثْل هذه المنتديات وقد صاروا أرباعَ شعراء؛ حيث لم يُفيدوا قاعدةً تضبط البنية، ولا لطيفةً تضبط الإيقاع، فكُلُّ همِّهم رَصْفُ كلماتٍ وتدبيجُ قوافٍ، فإذا ما قُوبلوا مرةً بتوجيه ناقد، انتفختْ أوْداجُهم، وولَّوا على أعقابهم مُدبرين».

وبعد ملاحظة التجربة، فإن الصالونات الأدبية أو الثقافية المعاصرة في المنطقة العربية، يدور حولها جدل، من جهة أهمية بقائها، أو تطويرها، أو إلى أي مدى فقدت القيمة الأصيلة التي وُجدت لأجلها؟. فقد تحولت الصالونات الأدبية في غالبيتها، إلى صيغة نمطية، بغياب الابتكار، والتجديد، في أسلوب الإدارة، والمحتوى، والأفكار؛ ما يعني بقاء إطارها الشكلي، لكنّ هنالك فراغًا هائلًا في المضمون، الذي يطمح إليه رواد تلك الصالونات.

والرسالة التي يقوم عليها الصالون الثقافي، حيث الحوار، والتجريب، والتنوع الفكري، وتعليم أسس الديمقراطية الثقافية، والبحث عن الظواهر الثقافية، والاجتماعية، ومن ثم بلورة النقد الفكري، والإبداعي، لها، تحتم على مؤسسي الصالونات الثقافية العربية حاليًّا إعادة تقييم الشكل، والمضمون أيضًا، إذ يتم من خلالهما إدارة تلك التجمعات، والعودة لتاريخ الصالونات العربية، وعمل مقاربة بين واقع ذلك التاريخ، وبين واقع الصالون اليوم. فلعل التعلم من تجربة سابقة، قد يكون طريقًا للنجاح والاستمرار.

وشهدت السنوات الأخيرة تغييرات ثقافية كبيرة، فالمتتبع للقاءات الصوالين الأدبية والملتقيات والمجالس المختلفة في مناطق مختلفة من المملكة، يجد أن أغلبيتها العظمى تبحث عن استضافة كبار المسؤولين، وبعض مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي، الذين يستأثرون بالحديث ولا يمنحون الآخرين فرصة لطرح فكرة مغايرة أو إبداء الرأي، ويحضرها ضيوفًا إما من النخبة أو كبار السن من أصدقاء المضيف، فيما تقدم موضوعات هامشية لا تهم المجتمع، أو شائعات وكلام هنا وهناك، أشبه ما تكون بـ "الثرثرة".

وبحسب مثقفين، فإن مجالس وصوالين كثيرة لا يمكن أن يطلق على الموضوعات التي تطرحها إلا "سواليف مجالس" أو "ثرثرة أشخاص" تحكمهم أدبيات الصداقة، ولا تقدم سوى إضاعة الوقت والتنظير فيما لا طائل منه، لكن آخرين يدافعون عنها كونها تساعد في إثراء الحركة الثقافية، وإن اضمحل معظمها، وغابت جرأة الموضوعات وقوتها عما كانت عليه سابقًا.

بدء نشوء الصالون الأدبي في العصر الحديث:

صالون الأميرة نازلي

في العصر الحديث؛ اشتهرت في مصر وبعض البلدان العربية صالونات ثقافية مهمة أثّرت في الحركة الاجتماعية الفكرية والثقافية، من أشهرها صالون الأميرة نازلي هي بنت مصطفى فاضل باشا الملقب بأبي الأحرار، وكانت ذات عقل وفكر وثقافة واسعة، فقد نشأت نشأة حسنة، وتلقت من العلوم والآداب الكثير، وثقفت الحديث من العلوم، وأحوال البلاد والتمدن، وكثيراً من العلوم السياسية والاجتماعية، وساعدها على ذلك عدد من العوامل هي:

الأول: أنها كانت تتقن أربع لغات هي الفرنسية، والإنجليزية، والعربية،  والتركية.

والثاني: إقامتها المتعددة في عدد من العواصم الأوروبية مع زوجها الذي كان وزيراً في الدولة العثمانية، وسفيراً لها في هذه العواصم.

والثالث: معرفتها الواسعة بكثير من العظماء والكبار في مصر والخارج، وتقديرهم لها، حتى إن السلطان عبد الحميد منحها وسام (شفقت) من الدرجة الأولى.

وفي أواخر القرن التاسع عشر كان لها صالونها الثقافي، ويعد أقدم صالون في العصر الحديث .. وكان كما يقول أنور الجندي ـ عملاً جريئاً في هذه الفترة أن تفتح سيدة ناديها لتستقبل الرجال الأعلام والوزراء والكبار، وأن تدير الحديث، وتعرض القضايا، فيكون الرأي الأغلب فيها وفق اتجاه الحضارة، لا وفق حاجة الأمة.

وكان يتردد على صالونها كبار المصريين والأوروبيين، ومنهم الإمام محمد عبده، وسعد زغلول، وقاسم أمين، ومحمد المويلحي وآخرون ممن ساهموا في تطور الحياة الثقافية والاجتماعية في مصر،

صالون ماريانا مراش

صالون ماريانا مراش (1849-1919) في حلب، وكانت ماريانا أول أديبة سورية برزت في مجالات الأدب والشعر والصحافة في عصرنا الحديث، وصدر لها ديوان شعر في سنة 1893. ومنذ صباها بدأت تكتب في مجلة «الجنان» اللبنانية ثم مجلة «لسان الحال» اللبنانية و«المقتطف» وكانت مريانا تجمع بين الثقافتين العربية الفرنسية، وكان صالون مي زيادة من أهم وأشهر الصالونات العربية في العصر الحديث أشهر وأحفلها بالشخصيات التي تتردد عليه،

صالون مي زيادة

صالون الأديبة مي زيادة (1886-1941)، التي برعت في مجال الأدب مبكرًا وأخذت بحظ وفير من الثقافة، وكانت تجيد الفرنسية، الإنجليزية والألمانية، وتكتب بالعربية بأسلوب أخاذ. وكان ديوانها الشعري الأول «أزاهير الحلم» باللغة الفرنسية.، حيث ارتاده نخبة من ألمع المثقفين والمفكرين العرب.

وكان ينشر لـ«مي زيادة» باب ثابت في صحيفة المحروسة تحت عنوان (يوميات فتاة)، وصدر لها عدد من الكتب مثل (باحثة البادية)، (ظلمات وأشعة)، (سوانح فتاة)، (بين المد والجزر)، (الصحائف والرسائل)، (وردة اليازجي)، وغيرهم، وكان صالونها الأدبي الذي تقيمه في بيتها كل ثلاثاء من أبرز نشاطاتها، إذ استمرّ لما يقرب من 20 سنة.

بدأ صالون مي عام 1911 في مسكنها في شارع عدلي، حيث إنها لم تكن متزوجة، ثم أن صالونها كان الوحيد الذي تستقبل فيه ضيوفها من الجنسين، وقد كان لوجود صالونها في بيت العائلة مزية تجعله يتمتع بمكانة اجتماعية مرموقة لمحافظته على هذا الاطار التقليدي، لذا كان صالونها ملتقى لشخصيات متميزة امتد نشاطهم فيه لمدة عشرين عامًا يتبادلون فيه الآراء من دون تمييز لفارق عقائدي أو فكري أو اجتماعي. ثم انتقل إلى الطابق الذي قدمته لها جريدة «الأهرام». واستمر حتى نهاية الثلاثينيات، و كان رحبًا فسيحًا، وتأنقت في اختيار أثاثه، والصور المعلقة على جدرانه والتماثيل القائمة في أركانه.

وكانت تستقبل ضيوفها فيه كل يوم ثلاثاء، وتساعدها أمها بالترحيب بالضيوف، وتجلس في صدر الصالون تدبر الحديث، وتوجه الكلام وحواليها حشد فيه: إسماعيل باشا صبري، ومنصور باشا فهمي. وولي الدين يكن، وأحمد لطفي السيد، والشيخ رشيد رضا صاحب مجلة «المنار»، والشيخ علي عبد الرزاق، وخليل مطران، وحافظ إبراهيم وسلامة موسى، وعباس العقاد ومصطفى صادق الرافعي، وأحمد شوقي وعبد القادر المازني وغيرهم، والذي كانت له آثار واضحة في حركة الأدب والثقافة، إذ أشعل المعارك الأدبية بين رواده، ما ساهم في إنتاج محتوى أدبي متميز، كما ساهم في إبراز أسماء أدبية جديدة لم تكن معروفة من قبل، وازداد رواده شهرة.

وكان من أبرز هذه الشخصيات العلامة الأزهري مصطفى عبدالرازق، ويعارضه في الفكر الدكتور شبلي شميل صاحب المذهب الداروني، ووصفه طه حسين بأنه صالون «ديموقراطي» على عكس صالون «نازلي» «الارستقراطي»، حيث كان صالون نازلي أول صالون قد تأسس في الوطن العربي.

وبعد أن بدأ العمر يتقدم بصاحبته، وأخذت الشيخوخة تزحف عليها واختطف الموت بعضًا من رواده، وانفض الآخرون لأن الصالون كان يفتقر للمنهج والغاية، ويتوقف على جمال صاحبته، وأنوثتها وعقلها، فلما تقدم السن انفض المعجبون وتخلف الرواد وتحولت حياة صاحبة الصالون إلى خواء، فسيطر عليها الهم والقلق وحاصرتها الأمراض النفسية حتى ودعت الدنيا وحيدة في المستشفى في 17 أكتوبر 1941.

صالون العقاد

كان صالون العقاد أحد المظاهر المهمّة في المشهد الثقافي في الخمسينيات، ومنتصف الستينيات، وكان روّاده من كافة حقول المعرفة: الفلسفة، والأدب، وعلم النفس، والفن، والصحافة.

ويعد صالون العقاد من الصالونات الرائدة في عصره، والتي أنجبت الكثير من الأطروحات الثقافية والأدبية البارزة والهامة، إذ كان يعقد في صباح كل جمعة بحضور الكثير من الشخصيات العربية البارزة مثل أحمد إبراهيم الشريف، محمد طاهر الجبلاوي، أنيس منصور، أحمد حمدي إمام، عبدالحي دياب، وعبدالرحمن صدقي.

وكان الصالون يناقش الكثير من الموضوعات المتنوعة ما بين الفكر والأدب والفلسفة والنقد، والذي كتب عنه أنيس منصور كتاب (في صالون العقاد كانت لنا أيام)، والذي يعدّ مرجعًا هامًا عن أهم الإنجازات التي حققها صالون العقاد.

صالون أحمد تيمور

في عام 1987، أسس الشاعر المصري الدكتور أحمد تيمور صالونه الثقافي الشهري في شارع الهرم بالجيزة، معلنًا ضرورة تحقيق التنوير بمفهومه الأصيل الذي يسترفد الماضي والحاضر، والاعتماد على التجريب الداخلي، وإشباع الأنواع الأدبية والثقافية المظلومة التي لا تنال من الآخرين كثيرا من الاهتمام.

ونجح الصالون منذ تأسيسه في مناقشة قضايا ثقافية هامة مثل مكانة الشعر في مجتمعات التقنية، والحداثة وما بعد الحداثة، كما نجح في استقطاب عدد كبير من الإعلاميين وأساتذة الجامعة والمثقفين منهم نادر الطويل، محمد حجي، ومحمود الهندي، وإسماعيل إمام، وغيرهم.

صالون محمد حسن عبدالله

ويعدّ صالون محمد حسن عبدالله من أقدم الصالونات الثقافية في مصر اليوم، والذي يعقد في الجمعة الأخيرة من كل شهر، والذي اتخذ له أهدافًا، وهي تنمية المعارف وإشاعة ثقافة التنوير، والتركيز على مناقشة قضايا فكرية وأدبية، والاحتفاء بالإصدارات الجديدة.

صالون المعادي الثقافي

أيضًا، يعتبر صالون المعادي الثقافي، الذي أسسه الطبيب وسيم السيسي عام 1990، من أبرز الصالونات الثقافية، والتي يتم من خلالها تبادل المناقشات حول المواضيع المختلفة سواء سياسية أو ثقافية.

وفي عام 1987 أسس الشاعر والطبيب أحمد تيمور في منزله بحي الهرم في محافظة الجيزة، صالونه الأدبي، الذي انضم إليه نخبة من المثقفين والمفكرين، ويعنى الصالون بمناقشة كافة القضايا الأدبية والثقافية والعلمية والسياسية.

أيضًا، يقيم الدكتور عبدالمنعم تليمة، أستاذ الأدب العربي بجامعة القاهرة، صالونًا أدبيًا في الخميس من كل أسبوع، وتتمّ فيه مناقشة الموضوعات الثقافية والفكرية وغيرها، كما يقيم الدكتور حامد طاهر، أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم، صالونًا أدبيًا يجمع المثقفين من الأدباء والفنانين والسياسيين والإعلاميين لتبادل النقاش حول القضايا المجتمعية المختلفة.


عدد القراء: 676

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-