أدوات الكتابة ومتغيراتهاالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2015-05-10 05:04:30

د. أمير تاج السر

كاتب وروائي سوداني

بديهي أن كل من يشتغل بالكتابة الإبداعية يملك ولو قليلاً من الأدوات تؤهله للسير في ذلك الدرب الوعر. هناك من يصمد بشدة، ويقاوم كل المحبطات الملازمة لذلك الدرب، ليكوّن مشروعه الخاص الذي سيؤرخ له في يوم ما بالتأكيد، وهناك من يبتئس سريعًا، ويفارق الدرب بلا نية في العودة إليه.

على أن الكتابة المؤثرة التي تمتلك الوجدان، وتجلس الناس مقرفصين في قلب معاناتهم تبقى، حتى لو كانت مجرد قصة قصيرة واحدة أو رواية يتيمة أو قصيدة شعر، أو مجموعة أعمال إبداعية قليلة، لا يتعدى حجمها مجتمعة حجم رواية واحدة غير مؤثرة.

ولدينا أمثلة كثيرة لتلك الإشراقات التي يزيدها الزمن بريقًا، مثل رواية "موبي ديك" للأمريكي هيرمان ملفيل، الصادرة في عام 1851، وتحكي عن صراع تراجيدي بين حوت وإنسان، قرأ الروائي من خلاله طبائع البشر والمجتمعات.

وكذلك بقيت رواية "قلب الظلام" للبريطاني جوزيف كونراد الصادرة في بداية القرن الماضي، وحوت - بفصولها الثلاثة وعدد صفحاتها القليلة جدًا- ما لم تحوه رواية ممتدة في مئات الصفحات. ولدينا في الأدب العربي مثلا، ما كتبه الراحل إبراهيم أصلان من أعمال قليلة غاية في التأثير، وما كتبه الطيب صالح طوال عمره، وجعل منه إحدى القامات الكبيرة المرعية.

لقد قلت: إن الدرب وعر، ويحتاج إلى شيء من الأدوات قبل بداية السير فيه، أدوات قد يمتلكها المبدع فطريًّا، وهي موهبته القدرية التي ولد بها، ولا مفر من اتباع إشاراتها، والسير معها إلى حيث تسير، وذاكرته التي لا بد من تميزها، لتمتص كل ما يمكن أن يصنع عالمًا، وهذه يمكن تدريبها بكل تأكيد.

أي أن الذاكرة حتى لو كانت خامدة تبقى قابلة للتنشيط من قبل المبدع، وهذا يأتي بالاسترخاء ومحاولة تذكر أحداثًا مرت وشكلت محورًا في الحياة ذات يوم، أو أخرى عبرت في لحظات، ولكن أضافت شيئًا.

أدوات أخرى يمكن استعارتها من الذين يملكونها، وهذه تأتي بمحاولة اكتساب المعرفة، ولا أعني بها التعليم النظامي، الذي يفرض مواد دراسية معينة، ويمنح المتلقي في نهايته شهادة تؤهله لوظيفة، ولكن التعليم الخاص الذي يتلقاه المبدع في خلواته.

لا تكفي قراءة كتب الأدب وحدها وحفظ الشعر ونسيانه، كما كان يقال للشعراء المبدئين قديمًا. وإنما قراءة كل ما يضيف إلى الموهبة ويطورها، وأقول بكل تأكيد: إن قراءة الكتب الدينية وكتب التاريخ والجغرافيا وعادات الشعوب والأساطير والتراث  العالمي، وحتى قراءة علم الفلك وكتب الحظ والأبراج، يمكن أن تضيف للمبدع أدوات يستطيع أن يستخدمها في درب الكتابة.

وأصف الأعمال العظيمة دائمًا بأنها تلك التي عملت على الإنسان وما ابتكره من أجل البقاء، وما يستطيع أن يبتكره في كل يوم جديد. وما لم ترتبط الكتابة بذلك، لا أعتقدها تصمد، خاصة في هذا الزمن الذي أصبح فيه كل شيء مدروسًا بدقة، ولا وجود لمشاريع عشوائية.

من أدوات الكتابة أيضًا -وأعتبرها أداة مهمة للغاية- مسألة وجود رقيب داخلي للمبدع، وهو أداة يخترعها المبدع بنفسه، وتقوم (بفلترة) الكتابة في أثناء اشتعالها في الذهن أو على الورق، وقبل أن تخرج إلى الناس.

الرقيب هنا يترك ما هو صالح للنشر بالفعل، ويقصي ما هو ضار، وبذلك تخرج الكتابة نظيفة وغير جارحة، ولا تترك لمن يتلقاها أي فرصة، لوصفها بواحد من تلك الأوصاف غير اللائقة، تمامًا مثل وظيفة الأمعاء في الجسم البشري، حين تحتفظ بما ينفع الجسم، وترسل ما لا ينفع في شكل مواد لا بد من التخلص منها.

بعض الذين يكتبون في الوطن العربي يهملون وظيفة الرقيب الداخلي، أو لعلهم يسجنونه في أعماق أذهانهم، فلا يصدر منه أي صوت معارض، هذه الحجة تقارن دائمًا بالنصوص التي تولد في الغرب، وتجد من يتحدث عن حرية الرأي وأن المبدع يكتب ما يريد بلا رقابة ولا حجر على إبداعه، ولن يظهر من يحاكمه على إيراد لفظ بذئ في رواية، أو إكثاره من المواقف الجنسية، أو حتى كتابة حماقات تمس الدين بشكل أو بآخر.

ربما كانت في الغرب حرية مثل هذه لا تقود إلى المحاكم، لكن تقود إلى محاكم أكبر، وهي المحاكم التي ينصبها القراء لمثل هذه الكتابة، وقد قرأت تعليقات كثيرة من قراء غربيين على روايات تجاوزت حدود الحشمة، وكانت تعليقات سلبية للغاية. وحتى رواية "مئة عام من العزلة" لماركيز، تم انتقادها من قراء كثيرين، بسبب مشاهد جنسية اعتبرت زائدة ولا ضرورة لها على الإطلاق.

وأذكر تلك الرواية الصينية المشهورة "طفلة شنغهاي" التي صدرت لها طبعة عربية بجانب عشرات الطبعات بلغات أخرى، وكانت قد اعتبرت في الصين رواية غير لائقة بالمرة، ولا تبرز من المرأة الصينية العظيمة المكافحة سوى جسد يتسول الجنس في كل لحظة. وقيل: إن متعصبين جمعوا نسخًا منها وأحرقوها، احتجاجًا على كتابتها ونشرها.

لقد قرأت هذه الرواية، وأجدها خالية من الفن الكتابي-إلى حد ما- وكان التشويق فيها، هو تشويق الجسد المستفز ولا شيء آخر.

لو تجاوزنا عن أداة الرقيب الداخلي التي وصفتها، وذكرت أنها مطلوبة حتى في الغرب الحر، وتساءلنا عن ضرورات الكتابة، وهل كل ما يحدث في الحياة، يستحق أن نكتبه، ويمثل ضرورة؟

أعتقد أن القارئ، حين يمسك بكتاب، فهو يمسك بقطعة من مجتمعه، أو مجتمع آخر غريب عنه، هذا المجتمع فيه شخوص وحارات، وأزقة، وشوارع نظيفة ومغبرة، فيه ملابس تستر، وأخرى تعري، باختصار فيه كل شيء.

القراء هنا في معظمهم، يبحثون عن التسلية أو الدهشة، وتوجد أعمال إبداعية للتسلية، وأخرى للإدهاش، وسأتحدث عن كتابة الإدهاش، وأقول: إنها الكتابة التي وصفتها بالخلود، والبقاء أطول حقبة ممكنة في الذهن، ولن تكون الكتابة مدهشة إذا ما وصفت الأشياء بمسمياتها، إذا ما وصفت الحياة اليومية بكل سترها وعوراتها، فلا بد من بهارات من خيال الكاتب، تضيف ما يدهش، أو ما يستفز لممارسة فعل القراءة.

وأعتقد أن كتابة الجنس في كل سطر وصفحة، ليست بهارا جيدا، استخدام سباب الشوارع المعروف، ليس بهارا إطلاقا، وما لم تدخل جزيئية خيالية، حتى في عناق عادي لحبيبين، أو موقف عادي من مواقف الشوارع المألوفة، فلن تدهش أحدا على الإطلاق.

أقول في النهاية: إن الزمن تغير كثيرًا، والكتابة من الأشياء التي طالتها التحديثات، فعلى الذين يكتبون أن يجددوا أدواتهم من حين لآخر، حتى يظل المشروع الكتابي بارزًا ومؤطرًا من ضمن المشاريع الحياتية الأخرى.


عدد القراء: 1905

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-