المحكيّ والمحكيّ النّفسيالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2022-05-29 06:26:25

أ.د. سيدي محمَّد بن مالك

المركز الجامعي مغنيَّة - الجزائر

تأليف: جيرار – دوني فارسي

ترجمة: أ.د. سيدي محمَّد بن مالك

 

تقديم:

كنّا قد أشرنا، في مقالنا الموسوم "تمثُّلات مصطلح المحكيّ في السرديّات" (المنشور في العدد 27 من مجلّة فكر)، إلى الاضطراب الذي اعتور مصطلح المحكيّ في السّرديات الغربيّة، من حيث إحالتُه، كما يعتقد جيرار جينيت Gérard Genette، إلى ثلاثة مفاهيم متباينة، هي الحكاية والخطاب والسّرد في الآن نفسه. وهو ما يؤكِّده جيرار – دوني فارسي Gérard – Denis Farcy في كتابه "معجم النّقد"، حيث يُلمِح إلى الاختلاف الذي يسِم علماء السّرد الغربيّين في وضْعهم لتصوُّر هذا المصطلح؛ إذْ يجنح بعضُهم، مرتبكين ومتذبذبين نوعًا ما، إلى الانتصار لمفهوم واحد من المفاهيم الثّلاثة، بينما يفضّل بعضُهم الآخر استعمال المصطلح بتصوُّراته المتعدِّدة. ومن ثمّ، يغدو المحكيّ من المصطلحات السّردية القليلة التي لا تعرف ثباتًا مفهوميًا في السّرديات الغربيّة. وهو ما سيُولِّد، لا محالة، اضطرابًا في المصطلحات الواصِفة له، تلك التي تأتي في صيغة مصطلح مُركَّب يحدِّد المصطلح المركزي ويشرحه، من قبيل مصطلح المحكيّ النّفسي الذي يبدو، هو الآخر، ملتبِسًا، بالنّظر إلى المصطلح الموصوف الذي يتأسَّس عليه أوّلًا؛ إذْ هل المحكيّ النّفسي حكاية أو خطاب أو سرد؟، ثمّ بالنّظر إلى المصطلحات التي تجري مجراه، والتي يريد أن يكون بديلًا عنها، مثل محكيّ الأفكار.       

المحكيّ:

نادرةٌ هي المصطلحات التي أُسيء استخدامُها نظيرَ هذا المصطلح؛ فقد كان قصارى جهد المتخصِّصين ضبطه دون ارتباك. عمومًا، فقد تمّ تحديد ثلاثة تعريفات، حيث إنّ أكثرها دقّة ليس هو الأكثر شيوعًا. يتعلّق الأمر، وهو ما تمّ الانتصار له وبيانه في صور III، بذلك الذي يكون المحكيّ، بموجبه، ما يُقرَأ من الحكاية، ما رُوِيَ والطّريقة التي رُوِيَ بها: «... ملفوظ، وخطاب أو نص سردي...»(1). الثّاني، في المقابل، هو الأكثر شيوعًا، ويصدُر عن متخصِّصين متباينين جدّا (بريمون Brémond، وتودوروف Todorov، وغريماس Greimas): المحكيّ هو الحكاية مثلما يؤكّده (منطق المحكيّ).

مُرتبكًا، إلى حدّ ما، ومتأخِّرًا، يحاول بريمون تمييز «المحكيّ الرّاوي» عن «المحكيّ المرويّ»(2). للأسف، فإنّ التّمييز يضفي على الارتباك حشوًا (لا يمكن أن يكون المحكيّ إلّا مرويّا) ومفارَقةً (لا يمكن أن يُروى المحكيّ إلّا في حالة تضمين). البديل الثّالث أخيرًا: اعتبارُ المحكيّ مصطلحًا متشعِّبًا. وهو ما قام به، من ضمن آخرين، بارت Barthes (التّحليل البنيوي للمحكيّات)، فضلًا عن ج. - م. آدم J. - M. Adam الذي يتضمَّن مُؤلَّفه ذو العنوان المفرَد صيغةَ جمعٍ مكثّفةً نوعًا ما(3).

أمّا تودوروف فيقترح، بدءًا من 1966، التّمييز بين المحكيّ بوصفه حكاية والمحكيّ بوصفه خطابًا(4)، وهو ما كان يمكن أن يفضيَ إلى استبعاد المحكيّ. ولكنْ، لأنّ الحكاية، فعلًا، غير مقبولة، فقد تمّ الاحتفاظ بثنائيّة محكيّ – خطاب، بالإضافة إلى الإحالة غير الدّقيقة إلى بنفنست (Benveniste(5. إنّها غير دقيقة لسببيْن: من جهة، لا يتحدّث بنفنست سوى عن التّلفُّظات (الحكاية والخطاب)، وليس عن المضامين. ومن جهة أخرى، لا يستخدم محكيّ إلّا نادرًا، باستثناء نعْت الملفوظ المناسب للتّلفُّظ التّاريخي بالمحكيّ التّاريخي. هل كان ينبغي الالتفاف بهذه الطّريقة للوصول إلى هذه النّتيجة؟ لقد أصبح الخطاب (المستخدَم لأحد التّلفُّظات ولمادته) ينطبق على كلّ ملفوظٍ؛ لاسيَّما المحكيّ، يُلازِمُه الخطاب، ويتولّد عن علاقاته بالتّلفُّظ التّاريخي، ويحرز قَصَبَ السّبْق، ويشير، من ثمّ، إلى الحكاية باعتبارها مضمونًا.

من بين تقلُّبات مثل هذا التّعريف، يمكن أن نذكر هذا الإبدال الملتبس حقّا: المحكيّ الذي يحدِّد الحكاية هو سردٌ يُستخدَم في المحكيّ(6).عيبٌ آخر كبيرٌ، هذه المرّة في مجال المسرح، حيث للمحكيّ معنى دقيق بالفعل. على أيّ حال، سيكون للمحكيّ، أيضًا، معنى الحكاية أو الفعل: «... زمن المحكيّ من أربعٍ وعشرين ساعة يمكن أن يُقلَّص إلى مدةِ خطابٍ من بضع ساعات»(7).

طالما لم يفقد هويّته وقَرابته من الخطاب، فإنّ التّعريف الأوّل يستدعي التّنوُّع، وكذلك، الخضوع لأسئلة أكثر دقّة. وبذلك، يمكن لهويّة نصّ – محكيّ أن تكون، بلا شكّ، موضع تساؤُل حين يكون معيار السّردي ثابتًا بصرامة: ما يُروى من الحكاية يكون محكيّا بالمعنى الدّقيق، وما هو غير ذلك – الاستطرادات مثلًا – ينبثق من النّص(8). لن نبسُط العديدَ من الأنواع الفرعيّة التي يُعرِب عنها المصطلح الأساس المشفوع، مع ذلك، بركيزة وصفيّة؛ فأغلبها معروفٌ وله مُتخصِّصوه: المحكيّ التّأمُّلي (ل. دالنباخ L. Dallenbäch)، والمحكيّ المتضمَّن الذي يفضي، من جانب جينيت، إلى صنافة والتباسات مصطلحيّة(9)، والـ «المحكيّ العاديّ» المعروف، أكثر، بفضل ج. - م. آدم، والذي نستطيع تعريفه بوصفه محكيًّا شفويًّا غير تخييليّ، والمحكيّ التّاريخي، وأخيرًا المحكيّ المسرحيّ. 

المحكيّ النّفسي:

لفظة مستحدَثة مترجَمة من الإنجليزية، اقترحها د. كوهْن (D. Cohn) لتحديد خطاب الرّاوي حول الحياة الباطنيّة للشّخصية؛ خطاب الرّاوي حول حياته الباطنيّة الخاصّة بوصفه محكيًّا ذاتيًا(10). هل هذا الاقتراح مجرّد إعادة تشكيل، وإبدال مصطلحيّ، وربّما خطوة إلى الوراء؟ بهذا الخصوص، فإنّ جينيت غير مقتنع، وحججه ليست مفاجِئة: بِنَوِيًا، التّصور مُركّب، لأنّه يضمّ ما كان مدمجًا (المسافة، والمنظور، والشّخص)، ومُرتبك من حيث وصْلُه، بشكلٍ خاطئٍ، بالتّصوُّرات التّكميلية أو التّمايُزية(11). من حيث الجوهرُ، الأمور متباينة: محكيّ الأفكار ليس نمطًا أسلوبيًا أو «أثرًا»، وينبغي، خاصّة، أن يكون محلّ تقدير على أساس قدرته على تصوير «الحياة النّفسية» للآخر. يبدو، بعبارة أخرى، أنّ ملاءمة المحكيّ النّفسي تكمُن في وظيفته الوجدانيّة أكثر من بنيته السّردية، وهو ما يفسِّر، بشكلٍ كافٍ، تحفّظات السّرديات الفرنسيّة تجاهه.

الهوامش:

(1)  Nouveau discours du récit, Le Seuil, 1983, p 72.

 (2) Op. cit, p 32.

 (3) Le récit, PUF (« Que sais-je ? », n° 2149), 1987.

 (4 ) In Les catégories du récit littéraire, Communications, n° 8, 1966.

(5)  Les relations de temps dans le verbe français, Problèmes de linguistique générale,  Gallimard, 1966.

 (6) En témoignent Barthes et J. - M. Adam (voir dans son ouvrage cité le chapitre III qui annonce de la narration mais parle de récit...)

(7)  Groupe y, La rhétorique générale, Larousse, 1 9 7 0 , p 178.

(8)  Autre couple possible discours, narratif ! discours extranarratif.

 (9) Voir Nouveau discours du récit, Le Seuil, 1983, p 55 sq.

 (10) La transparence intérieure, Le Seuil, 1981.

 (11) Nouveau discours du récit, Le Seuil, 1983, p 39 sq.


عدد القراء: 996

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-