الإسلام في أدب فولتير Voltaireالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2022-10-02 03:10:55

د. محمد مرشحة

د. محمد مرشحة - أستاذ مادتي (الأدب المقارن)، و(الآداب العالمية) في جامعة حلب، كلية الآداب

ولد فولتير (فرانسوا ماري آروت) سنة 1694 في باريس. وكتب أولى تراجيدياته عام 1718، "أوديب"  Oedipe 1. وتأثّر بشكسبير في مسرحيتيه "بروتوس" Brutus 1730 و"ايير" Zaïre  1732. والجدير بالذكر أن كتاباتِه الجريئةَ رفضها معاصروه، كرسائله الفلسفية Lettres philosophiques 1734. ومن مسرحياته: سليم Zulime 1740، ومحمد Mahomet 1741، وزاديك Zadig 1747، وكتب كانديد Candide 1759 أفضل أعماله في القص الفلسفي(2)؛ كما أن  أشعاره  La Pucelle "جان دارك" (1755)، أغضبت الكاثوليك. ونجد أن "مقالته في الأخلاق" Essai sur les  moeurs   1756 جلبتْ عليه نقمةَ البروتستانت.

عُرفَ عنه تعطُّشُه الشديدُ للقراءة، وتشهد مكتبتُه الكبيرة أنه قارئٌ شرِه ليلَ نهار، إذ ضمّتْ أكثرَ من أربعمئة عنوان(3). هناك شواهد كثيرة تؤكد ولعه الشديد بالكتب: "إذا لم أستطع الحصول على الكتب التي أحتاجها أصبح حزينًا"، و"أسافر حاملاً معي كتبي"(4) .

دفعتْه دراستُه الدينية إلى الإحاطة بالثقافة اللاتينية، فاطلع على الكتب المختلفة؛ ومعاصره جان جاك روسو هو المؤلفُ الأكثر حظًا في إثارته(5). وقد خصّص أعمالَه كلَّها تقريبًا للدين. ولإقناع الملحدين من أمثال ديدرو بوجود الله أورد دليلين: الدليل الأول يفرض نفسَه عقليًّا؛ ذلك أن الكون هو آلةٌ تستحق الإعجابَ، لأن في العالم ذكاء مدهشًا، والله هو الميقاتي والمهندس الأزلي للعالم؛ والدليلُ الثاني هو أنّ الله مفيدٌ للمجتمع؛ فالخوف من الله المنتقم والغفور هو أفضلُ مبدأ أخلاقي للأنفس البسيطة؛ إذ يكفي أن للفلاسفة عقولاً تساعدهم على البقاء على قيد الحياة (6).

وإن تناولنا علاقته بالإسلام، نتذكر أنه بعد مهاجمته للرسول (محمد صلى الله عليه وسلم) في مسرحيته "محمد" اطلع على القرآن الكريم وقرأه بترجمة أندريه ديري(7) André de RUYER 1647، ففهم الإسلامَ، ومدحه في معجمه الفلسفي Dictionnaire philosophique"؛ والحق أن فولتير استنكرَ جهلَ الفرنسيين بالقرآن، وتبنّيهم أفكارًا خاطئة عن الإسلام، لذلك حلّل سورةَ (الفاتحة)، قائلاً إنها المقدمة، ولما وصل إلى سورة (البقرة) وقف عند (ألم)، فزعم أنه ليس هناك اتفاقٌ عامٌّ يفسّرها، فمنهم من رأى أن (أ) الله، و(ل) لطيف، و(م) ماجد والغفّار والعظيم، ثم أكّد إعجابَه بكلام الله عز وجل، و أن هذا الكلامَ مؤثّرٌ في اللغة العربية أكثر بكثير من تأثيره حين يقرأ باللغة الفرنسية(8)، حتى إنه عدّه أصدقَ كتاب كُتب بالعربية. على أن فولتير عبّر عن اشمئزازه من هجوم القسّيسين المتعصّبين على القرآن الكريم، مفسّرًا بحثَهم العبثي عن أخطاء فيه، بعجزهم عن الرد على الغزو التركي بطريقة أخرى(9). وهاجم الكتّابَ الذين ادّعوا أن القرآن الكريم عدّ النساءَ عبيداتٍ، وأن لا نصيب لهنّ في الدنيا ولا في الآخرة، فلن تدخل امرأةٌ الجنة. وقال إن هذا الزعمَ خطأٌ كبيرٌ، مدعّمًا رأيَه بآيات تُثبتُ احترامَ القرآن الكريم للمرأة(10). وذكر أن النساءَ الشريفاتِ مطيعاتٌ لأزواجهنّ؛ وإن حدثتْ مشكلةٌ بينهما فمن الأفضل اللجوء إلى حَكَمَين من أهله وأهلها، وأنه لا يحق للمسلم أن يتزوج أكثر من أربع نساء، و لا يجوز أخذُ أموال النساء إلا برضائهنَّ، كما لا يجوز أن يمنع الرجل زوجه من الزواج برجل آخر بعد الطلاق، وإن طلقها فيجب أن يدفع مهرَها كاملاً (11).

واستنتج فولتير أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) تعاطف مع النساء، ولم يعاملهنَّ بقسوة(12)، ورفض أن نتصوره شاعرًا وحاكمًا ومفاوضًا يجهل كتابة اسمه. فإن كان القرآنُ سيئًا في مخيلتنا فهو جدُّ جيد عند معاصريه ودينه؛ فقد طهّرَ آسيا كلَّها تقريبًا من الوثنية(13).

وعبّر عن إعجابه بالقرآن الكريم مؤكدًا أن هذا الكلامَ هو الذي أخضع الشرقَ وليس السيف(14)، ولكنه رأى أنه غيرُ مرتّب فنيًّا، فهو جميلٌ ونقيُّ الأسلوب غير مدنس، وهو شعر أو نوع من النثر المقَفّى الذي يستحوذ على 6000 بيت شعر؛ وما من شاعر صنع مثله.

ورفض فولتير ادعاءَ اليهود بأنهم أسهموا في القرآن. كما ناقش قضيةَ خلْقِ القرآن؛ ووصل إلى أن المسلمين أكّدوا أنه أزلي (وعلّق فولتير: أنه ينبغي تبني الرأي الأكثر غرابة؟ نلحظ هنا شكَّه). وانتهى إلى أن محمدًا (صلى الله عليه وسلم) مؤمن بالقدر(15).

ومن آراء فولتير المتسرِّعة أن الله تعالى منزل القرآن الكريم ولكن الرسول (صلى الله عليه وسلم) زوّر واختلق، كما شكّك في حادثة الإسراء والمعراج، زاعمًا أن الحكماء من أصحاب محمد عارضوها سرًّا، وصمت سائر أفراد الشعب(16).

وحافظ محمد (صلى الله عليه وسلم) على أشياء كثيرة كانت معروفة عند العرب، منها الختان والصوم والحج إلى مكة منذ 4000 سنة قبله، والطهارة والإيمان بالآخرة. وأكد محمد (صلى الله عليه وسلم) أن الناس سيحشرون عريانين ليحاسب الرجال والنساء وفق أعمالهم؛ وكذّب فولتير من ادعى أن المرأة لا تدخل الجنة. وحرم الإسلامُ الخمرةَ لأن الناس أخطؤوا في الصلاة كما أن الخمرة تؤثر في الصحة والعقل بسبب حرارة الصحراء(17)، وسمح بتعدّد النِّساء، لأن من عاداتِ العرب في الجاهلية أن يتزوجوا أكثرَ من امرأة. ورأى أن القوانين والشرائعَ الإسلاميةَ جيدةٌ وتتفق وشرائعنا (الفرنسية) ولكنّ الوسائلَ مخيفة: الحدّ والقتل(18). ورأى فولتير أن العرب كانوا بحاجة إلى من يخدعهم؛ إذ إن العرب أحصَوا 124 ألف نبي قبل محمد (صلى الله عليه وسلم) ولن يؤثر نبيٌّ إضافي آخر، وأكد أنه ساوى بين زوجاته. وقيل إنه كان طبيبًا وفعل كل شيء لخداع الناس(19).

ولعلّ ما كتبه فولتير يلخّص رأيه الموضوعي في الإسلام: "أقولها لكم مرة أخرى، أيها الجهَلة الحمقى، الذين أقنعهم جهَلة آخرون: بأنَّ الدِّين المحمديَّ شهواني. ليس الأمر كذلك؛ قد خَدعتم في هذه النقطة كما في أمور متَعَدِّدة أخرى. أيها القساوسة والأحبار، فلو فُرض عليكم قانون يمنعكم من الطعام والشراب من الرابعة صباحًا إلى العاشرة مساء في شهر تموز، شهرِ الصيام، ولو مُنع عنكم القمارُ بكل أنواعه تحت طائلة اللعنة، ولو حرّمت عليكم الخمرةُ، ولو كتب عليكم الحجُّ في الصحراء المحْرِقة، ولو أَمَرْتُم بإخراج اثنين ونصف من دخْلكم للفقراء، ولوِ اقْتَصَرْتم على أربع زوجات، أنتم الذين ألفتم التمتُّع بثماني عشرة امرأةً، فهل يمكن - بكل صدْق - أن تقولوا عن هذا الدين: إنه شهواني؟"(20).

ومات فولتير في شباط (1778) بعد أن كتب هذه الجملة: "أموت عابدًا الله، ومحبًّا لأصدقائي، وغير كاره لأعدائي، وكارهًا للخرافة"(21).

 

الهوامش:

1 - ينظر:

A. Legarde, et L. Michard: Les Grands Auteurs français du programme, 18 siècles, Bordas, p.111.

2 - ينظر نفسه، ص112 زس

3 - ينظر:

Lublinsky, Vladimir  " La Bibliothèque de Voltaire",        

 in Revue d'histoire littéraire de la France, 1958, p. 467- 488

4 - ينظر:

L. Torrey, Havans, Voltaire's Catalogue of his librairy at Ferney, Genève 1959, p.20

5 - ينظر:

Havans, Georges:" Les Notes marginales de Voltaire sur Rousseau"  ,In Revue d'histoire littéraire de la France, n° 40, 1933, p.437.

6 - ينظر نفسه، ص114.

7 - ينظر: شريفي عبد الواحد "أثر" ألف ليلة وليلة "في أدب فولتير القصصي"، 5 حزيران2017،

https://alantologia.com/page/17008/

8 - ينظر:

Voltaire :Dictionnaire philosophique, collection Idéales, Le chasseur abstrait 2005,p.90

9 - ينظر نفسه، ص91.

10 - ينظر نفسه، ص91.

11 - ينظر نفسه، ص91.

12 - ينظر نفسه.

13 - ينظر نفسه، ص 93.

14 - ينظر نفسه.

15 - ينظر نفسه، ص 92-93.

16 - ينظر نفس، ص 93.

17 - ينظر نفسه، ص284.

18 - ينظر نفسه، ص94.

19 - نفسه، ص95.

20 - ينظر: نفسه، ص1537.

21 - ينظر نفسه، ص114.

مصادر البحث ومراجعه

أولاً:

1) شريفي عبد الواحد "أثر "ألف ليلة وليلة" في أدب فولتير القصصي"، 5 حزيران 2017،

 https://alantologia.com/page/17008/

ثانيًا:

1 - Havans, Georges:" Les Notes marginales de Voltaire sur Rousseau"  ,In Revue d'histoire littéraire de la France, n° 40, 1933,

2  - A. Legarde, et L. Michard: Les Grands Auteurs français du programme, 18 siècles, Bordas.

3 -Lublinsky, Vladimir  " La Bibliothèque de Voltaire",    

 in Revue d'histoire littéraire de la France, 1958, p. 467-488.

4 - L. Torrey, Havans, Voltaire's Catalogue of his librairy at Ferney, Genève 1959.

- Voltaire :Dictionnaire philosophique, collection Idéales, Le chasseur abstrait 2005.


عدد القراء: 395

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-