الجيرينيكا .. زمن الحرب والسحرالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2015-11-17 11:11:08

د. هاني حجاج - مصر

كاتب ومترجم

"هتلر" يجتاح العالم بجيوشه الجرارة، والحرب الأهلية تشتعل في "أسبانيا"، عندما بدات قرية "الجيرينيكا" الأسبانية تتعرض للقذف النازي، فكان من الطبيعي أن يغلي اللهيب في روح فنان ثائر تجري في عروقه الدماء الإسبانية الحارة وحمى الفن المجنون مثل "بيكاسو" ..

في باريس جاءته الأنباء الحزينة، وكان قد هاجر إليها ليروي ظمأه للفن، ولأنه أيضًا كان على خلاف مع الفاشيست، وفي الواقع فإن اليوم الذي أعلن فيه التاريخ بداية ميلاد رحلة الحرمان والمجد هو يوم الخامس والعشرين من مارس عام ألف وتسع مئه وواحد، عندما عرفت أزقة "باتولافورا" الشاب المعدم "بابلود بييجو فرانسيسكو خوان نييو بورثينو ماريا دي لوسس ريميد يوس لبريانودي سانتيما تيرينيداد بيكاسو" عندما عرف أول امرأة في حياته، "فيرناند أوليفييه" عام 1904م، التي تركت زوجها النحات المخبول لتشارك "بابلو" عاطفته الثائرة وكفاحه المضني والحب الحارق في قلبه، هذا الحب الذي كان سببًا في رحيلها عنه، إذ دخلت امرأة أخرى حياته، هي "إيفا جويل" التي سرقها من عشيقها عام 1911م، ليسرقها الموت منه ليصبح وحيدًا مرة أخرى.

بكل أحزانه على فراقها راح يبكي بدموع من دم تحت قدمي الباليرينا "أولجا كاكلوف" التي تزوج منها فيما بعد، لكنه لم يكن سعيدًا معها تمامًا، لأنه شعر بأنه يفقد حريته تحت وطأه محاولاتها المستمرة في تحويله إلى إنسان (عادي) يحيا بشكل تقليدي كالآخرين، وليمارس حياة هادئه ليرضي مطالب زوجته المدللة، ولكن "بيكاسو" لم يكن من هذا النوع على الإطلاق، فراح ببركان العواطف المتدفق بين جوانحه يلقي بنفسه بين أحضان الشقراء "ماري تيريز والتر" .. التي لا تروي كل ظمئه، فيحاول أن ينهل من الحب هذه المرة من يدي السمراء "دورا مار"، ثم تأتي "فرانسواز جيلو" لتدخل حياته في 1945م، ثم تتركه لتفضح أدق أسراره ونزواته، عندما تقرر أن تكتب مذكراتها، لكنه أخيرًا يستقر مع "جاكلين روك" التي احتملته في صبر.

وكانت وفاة رفيق كفاحة "كارلوس كازاجيماس" هي أول نقطة زرقاء تلمس لوحات "بيكاسو" فيما عرف بعد ذلك بالمرحلة الزرقاء، وكان "كارلوس" قد شاركه شقاءه في حي "مونمارتر"، قبل انتقاله إلى شارع "كليشيه"، ليتعرف هناك على فتاة تدفعه إلى معاقرة الخمر والانتحار. وقتها قال "بيكاسو": "إن الحزن العميق هو ما يصنع الفن الأصيل"، ورسم وقتها أشد لوحاته قتامة ... "مأتم" و"جنازة".. ورسم المشوهين والمومياوات والعجائز والجثث.

وبدأ يشبه أسلوبه أسلوب التأثيري "بيير برنار" (1867-1947) بتضمين الموضوع واستخدام اللون الرمزي والابتعاد عن البعد الثالث بتسطيح المساحة، وحتى ملامحه، بشعره الخفيف ونظرته المذهوله الحائرة.

وشيئًا فشيئًا تبدأ البهجة في العودة إليه ثانية، ليدخل فن "بيكاسو" المرحلة الوردية، لتشتعل لوحاته بحيوية وشباب باريس، وفي المدة التي شهدت إنقسام السيزانيين، تولى "بيكاسو" زعامة الطائفة التي نادت باقتباس لمسة من وحشية الفن الإفريقي، بينما تزعم "مارتيس" فريق المحافظين، ومن هذه اللمسة الزنجية البدائية ابتكر "بيكاسو" أسلوبه الشهير ... "التكعيبية" (ومن المفارقات أن يعود ماتيس إلى بلده محبطًا عام 1902م، وهو العام نفسه الذي ترك فيه بيكاسو ليعود إلى برشلونة .. وإن يدخل كل منهما مرحلته الزرقاء في الوقت ذاته عندما رسم بيكاسو "جنازات" ورسم ماتيس "العاريات الزرقاوات".. بالرغم من الفارق الشاسع بينهما، إذ كان بيكاسو فوضويًّا مستهترًا بينما كان ماتيس شديد التحفظ، كما يؤكد كتاب "ليوستين" الشهير "تذوق"، وبينما كان ماتيس يقول: "أريد أن أصنع فنًّا يتسم بالنقاء والرقي .. يهدئ الأعصاب ويريح البال". كان بيكاسو يقول: "ولماذا يكون الفن مفهومًا وواضحًا؟.. لماذا يكون أي شيء مفهومًا وواضحًا؟"

وفي باريس جاءته أنباء الاعتداء الغاشم على قرية "الجيرينيكا"، فتثور الدماء الحارة في عروقه وتغلي روحه بلهيب الغضب والعصيان، وكانت سكينه التي يغرسها في قلب الغازي هي فرشاته، فبعد أن ملأ صفحات الجرائد، والمجلات وقتها بعشرات المقالات يندد بالقذف، رأي أن كل هذا لا يكفي، وغرس فرشاته في قلب ألوانه، وكان وقتها يمر بمرحلته الوردية مما جعل لوحته "الجيرينيكا" تشتعل بحراره لهيب نار الغضب، ويري البعض أنه لو كان العدوان قد حدث في أثناء المرحلة الزرقاء لاختلف الأمر كثيرًا، ولعلاها اليأس والوجوم وكراهية العالم في صمت، أما الآن وكل الألوان النارية تشتعل في يده وكل مقته للنازي يتحرك في روحه وذكريات سنوات من الحرمان تعود لتحتل العالم أمام عينيه.

كما يضع الكاتب عدة مسوّدات لنصُّه الأهم، أخضع بيكاسو لوحته جيرنيكا لعملية تأليف وإنشاء مثيرة ومعقدة؛ فأمضى ذلك الشهر من عام 1937 في تنفيذ عدة مسوّدات ومخططات وتصاميم تمهيدية ورسوم تجريبية للتحضير قبل العمل. بلغ عددها 61 سكتشًا، عاملها الفنان بأهمية العمل الفني ذاته، فأرّخها ووقّعها. حملت الرسوم انفعالاته اليومية وانطباعاته عن الأشياء المختلفة في أطواره المزاجية المعروفة بالتقلُّب المستمر، وسجلت لصعوبات العمل وتجهيزات اللوحة الجدارية والتصميم البنياني العام، وأصبحت هذه المخططات مادة إضافية لدراسة اللوحة نفسها، وقال بيكاسو عن ذلك: "إنه لمثير حقًّا أن نحتفظ بصور فوتوغرافية ليس لأطوار لوحة معينة بل لتحوّلاتها. فلعلنا نستطيع إذ ذاك أن نستكشف المسار الذي يسلكه الذهن في تجسيده للحلم. ولكن في الأمر ما يثير الاستغراب. ذلك أننا نلاحظ أن الصورة لا تتغير أساسًا، وأن الرؤيا الأولى تبقى هي هي تقريبًا، برغم اختلاف المظاهر."

ذلك أن جيرنيكا مرّت بعملية تنفيذ من سبعة أطوار رئيسية سجّلتها آلة تصوير رفيقته اليوغسلافية دورا مار والتي كانت موديل لعدة لوحات للفنان. في السكتش الأول رسم بيكاسو خطوط بسيطة معبّرة لبناء محترق وأربع شخصيات: المقاتل والحصان والثور وحاملة القناديل. كلها مستمدة من جو (مصارعة المينوتور) كما خلقت الرومانتيكية إبداعاتها وسط الطبيعة العارية العذراء، وحاكت خيوطًا متينة ما بين الإنسان والهندسة الغنية بجُملة من الشواهد والنُّضُب التي انتشرت، وأثرت على مفهوم الميلانخوليا؛ فبدأ الفنان التعبير عن انفعالاته عبر هذه الرؤية الأولى، التي باتت أضيق من أن تستطيع تصوير هول المأساة، فمثلاً تفرعت الشخصية النسائية إلى أربع شخصيات، بحيث صارت عملية التعديلات والتأليف مسارًا من الطفرات المتناقضة عبَّر عنه كريستيان زيرفوس؛ الرسم بواسطة النقض، الرسم بالضد، من تقاطع وتضافر أحداث تؤدي إلى الاصطراع بين المشاعر والأفكار في روح عبقرية استثنائية.

الرمزيات التي رسمها "بابلو بيكاسو" في "الجيرينيكا" تتناثر هنا وهناك على أرضية اللوحة، وهذه الفوضوية المقصودة تشير بأصبع الاتهام إلى نظام العالم المهترئ المفكك، حيث كل شيء أصبح ممكنًا، وكل شيء صار من الممكن تبريه، وحتى أي مصير، أصبح متوقعًا.

جاءت "الجيرينيكا" بعد ظهور المدرسة الوحشية "Faussism" بسنوات، لكن "بيكاسو" هنا لا يري وحشية النازي فحسب، بل يري وحشية العالم إزاءه طوال سنوات الحرمان التي عاناها، والحيوانات في اللوحة خرجت من ذكريات طفولته لتتحول إلى رمز للطغيان.

الوجوه المتصلبة في "الجيرينيكا" ترمق الأحداث سلبًا، أو هي لا تبالي بما يتم اقترانه من إثم، ولا يعنيها حجم الألم، كما يلاحظ في التركيب البنائي للمشهد وجود خيط من الإيقاع الخفي يربط بين الوجوه المتشنجة.

وبينما "بيكاسو" منهمكًا في تصوير اللحظة الزمنية بكل توترها، تنطبع من ماضي الفنان صورة الثور الهائج المليئة بالدلالات، وحتى الخنجر المضي صار شعاعًا وسط كل هذا الظلام، .. وأخيرًا يعلن "بابلو بيكاسو" عن وجوده في لوحته مصورًا نفسه جوادًا صارخًا إزاء كل هذه الأحداث.

إن التعبيرية التكعيبية هي التي كانت وراء ترابط عناصر "الجيرينيكا"، لكن الرموز التي استعادها الفنان من شبابه وطفولته، جعلتها صعبة التصنيف، إلا أنه من المؤكد أن "الجيرينيكا" لو كانت قد رسمت في مرحلة مثل مرحلته الكلاسيكية مثلاً لاختلف الأمر تمامًا. ويقول "بابلو بيكاسو":  "إن اللوحات ليست أدوات للزينة تعلقها في دارك، والفنان ليس مجرد حرفي يعمل بالقطعة، بل هو رجل سياسي، ولوحاته ليست إلا أسلحة للدفاع والهجوم على الأعداء".

وفي حقبة احتلال الألمان لفرنسا كان الجنود الألمان يزورون منزله الذي تحول إلى معرض فني، وسألوه عن لوحته الجيرينيكا: "هل أنت الذي صنعت هذا؟"

فأجاب: "بل أنتم الذين صنعتموه!!"


عدد القراء: 4336

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-