السنوسي .. شاعر الجنوبالباب: وجوه

نشر بتاريخ: 2017-02-03 05:30:26

يحيى محمد بن علي السنوسي

جازان

هناك في جنوب المملكة العربية السعودية حيث تكمن الفصاحة والأدب والشعر، الذي دوّى صداه بين جنبات جبال تهامة. كان من بين هؤلاء الشعراء هو الشاعر الكبير محمد السنوسي ، فكان مثالاً على بلاغة العرب الذي ظهر في شعره.

فهو من الرعيل الأول من شعراء العصر الحديث في المملكة، وله بصمات مضيئة على الأدب السعودي وبخاصة في الجنوب .

ولد الشاعر محمد بن علي السنوسي يرحمه الله في مدينة جازان عام 1343هـ. وقد تتلمذ على مشايخ جازان في ذلك الوقت، ومنهم الشيخ عقيل بن أحمد، والشيخ علي أحمد عيسى، والشيخ علي محمد صالح عبدالحق، كما تعلم أيضًا على يد والده قاضي جازان في ذلك الوقت السيد/علي بن محمد السنوسي، وقد أجاد اللغة العربية والحساب والنحو والصرف مبكرًا، ودرس أيضًا في الكتاتيب الموجودة في جازان في ذلك الوقت، وقد التحق بالوظائف الحكومية في سن مبكرة، وذلك لكي يقوم بمساعدة والده في الإنفاق على الأسرة.

عمل كاتبًا في جمرك جازان عام 1363هـ، استمر في الجمرك حتى وصل مديرًا للجمرك عام 1373هـ، ثم عمل بعد ذلك رئيسًا لبلدية جازان عام 1385هـ، وعمل عضوًا في المجلس البلدي في جازان.

في عام 1390هـ أُحيل على التقاعد بناء على طلبه، وذلك للتفرغ للشعر والأدب. في عام 1392هـ عمل بعد ذلك مديرًا لشركة كهرباء جازان، وكانت حين ذاك شركة أهلية..

تأسيس نادي جازان الأدبي:

في عام 1395هـ تفرغ للأدب وأسس مع صديقة الشاعر محمد العقيلي نادي جازان الأدبي بموافقة صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن فهد يرحمه الله.

استمر في النادي الأدبي نائبًا للرئيس، ثم رئيسًا للنادي حتى عام 1407هـ، وهو العام الذي توفي فيه يرحمه الله.

اهتماماته الكتابية:

بحكم أن والده السيد/ علي بن محمد السنوسي كان شاعرًا في منطقة جازان، فقد اهتم الشاعر محمد بن علي السنوسي يرحمه الله بكتابة الشعر مبكرًا، وقد كتب أول قصيدة وعمره 16 سنة، ومنذ ذلك التاريخ بدأ السنوسي في تأليف القصائد الشعرية تحت إشراف وتشجيع والده، وكان زميله الأستاذ المؤرخ محمد بن أحمد العقيلي، كان أكبر سنًّا منه، كما اهتم الشاعر السنوسي بالكتابة النثرية وكان يكتب للإذاعة السعودية في المواضيع الدينية والتاريخية، وكان  له برنامج خاص يسمى (رجال ومثل)، وقد جمعت كل هذه المقالات في كتاب خاص للأديب الأستاذ/عبد العزيز الهويدي عضو النادي الأدبي في جازان في ذلك الوقت.

واجهت السنوسي بعض الصعوبات في نشر مؤلفاته من أهمها عدم وجود المطابع، وكذلك أجهزة الاتصالات الحديثة، وكان يطبع مؤلفاته خارج المملكة في لبنان ومصر، وقد قام النادي الأدبي بطباعة أعماله الشعرية في كتاب واحد بعنوان المجموعة الشعرية الكاملة، وهو يحتوي على خمس دواوين شعرية.

وتعد مكتبة الشاعر السنوسي مرجعًا لشعراء وأدباء منطقة جازان، وقد وصى رحمه الله بإهدائها إلى جامعة الملك عبدالعزيز، ليستفيد منها الباحثون وطلبة العلم.

سُميت باسمه (جائزة السنوسي الشعرية)، التي ينظمها مجلس التنمية السياحية في منطقة جازان.

شعره:

شاعر وجداني نظم في عدد غير قليل من أغراض الشعر: كالوصف والغزل والمناسبات الاجتماعية، تشف عناوين دواوينه عن روح رومانسية الطابع، تميل إلى الاتكاء على مظاهر الطبيعة، معبرة عن نسق أسلوبي، يمثل ظاهرة أسلوبية، تتبلور في إيثاره استخدام جموع التكسير بكثرة، تميل لغته إلى الاقتباس من القرآن الكريم، له ملح وفكاهة طريفة في بعض قصائده، أما وصفه لجازان فمشبع بالإعجاب والجمال. لُقّب بشاعر الجنوب.

كان السنوسي مصابًا بداء الماء الأزرق، مما أضعف بصره، وجعله يبث طبيب العيون لواعجه المضنية، فيقول:

يا طبيب العيون شكوى عيوني

                                 من  لـحـاظ  حــوريــة  التكوينِ

فـترفـق  بها  فـفي  نونـهـا  المكن

                                 ونِ   أسـرارُ   عـــالـمٍ  مكـنونِ

 ويختمها بتوسل روحي ووجداني:

يا إلـهـي  أسـلـمـت  للـطـب  عيني

                                 ولأنت الطبيب فألطف بعيني

وكان السنوسي رافضًا للشعر (الحرّ) حيث يقول:

لا  الـعـود  عــودي  ولا  الأوتــار  أوتــــــاري

                        ولا  أغــاريدكـم  من  شــدو  أطياري

من أين جئتم بهذا (الطير) ويحكمو؟!

                        لا الريش ريشي ولا المنقار منقاري

إني   أرى  في  جناحيه  وسحنته

                         سمات  (أليوت) لا  سيماء  (بشارِ)

قصيدة النثر مثل المشي جامدة

                          والشعر كالرقص في ترنيم قيثار

إن  كان  لا بد  من  فن نجدده

                        فـجــددوا  في  مـضامـين  وأفــكارِ

ويصفه الدكتور عمر الطيب الساسي بقوله: كان محمد علي السنوسي من الشعراء الذين يمتلكون حسًّا رقيق العواطف، وكان أديبًا مثقفًا واسع الاطلاع، قرأ روائع الأدب العالمي بعقل متفتح، فتجاوب مع ما فيها من جوانب إنسانية نبيلة، ونظمها في شعره، ومن ذلك قصيدته (أنشودة الصقر)- قال السنوسي وهو يمهد لها: هذه قصة للكاتب العالمي (مكسيم جوركي)، وضعناها في هذا الإطار الشعري، بعد أن أضفنا إليه لمسات فنية، تقربها من الذوق العربي الشفاف. والقصيدة موجودة في ديوان الشاعر السنوسي الموسوم بـ (القلائد)، ومطلعها:

 

زخــر  الـبـحـر  ذو  الــعــباب  وحــــيا

                                شــاطــئـــًـا  حالمًـا  وأفقـًا  بهـــيا

وازرقاق السماء يضفي على الكو

                                ن  جمالاً  مهفهفًا  شـــاعريّا

والـسـنا  ذائب  يـشـعـشـع  في  المــوج

                                رحــيــقًا  ويــسـتـــــثير  حــــمـــيا

وعلى  صــفــحــة  الفـضـاء  شـــعــــاع

                                أبيض  يســـكــب  الــصفــاء نـقـيا

والقصيدة جميلة وطويلة على هذا الغرار من التصور الكوني والتصوير الرقيق البديع للصقر في أنشودته.

آخر أيام حياته:

كان السنوسي يعاني من مرض السكر منذ مدة طويله ولم يكن مطيعًا للأطباء، بل كان يحب الحلويات، الأمر الذي أثر على حالته الصحية؛ حيث بدأت متاعبه الصحية في عام 1402هـ حينها سافر في رحلة علاجه إلى بريطانيا، وقد نصحه الأطباء الإنجليز بالمحافظة على صحته، وفي أواخر عام 1405هـ أصيب السنوسي يرحمه الله بجلطة في المخ نتيجة لمضاعفات السكر حينها كان رئيسًا لنادي جازان الأدبي، وصدرت توجهات صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن فهد يرحمه الله بعلاجه في مستشفى الملك فيصل التخصصي، وهناك وجد كل العناية والاهتمام من الأمير فيصل، الذي زاره شخصيًّا بالمستشفى، ووجه الطاقم الطبي المعالج بعمل كل ما يلزم لشاعر الجنوب كما يسميه، وإنه لا يمانع في نقله إلى أي مكان في العالم إذا كان هناك فائدة من ذلك، وقد مكث بالمستشفى قرابة الشهر، وقد تحسنت صحته خلال هذه المدة، ولكن كان يعاني من ضعف في الذاكرة وصعوبة في الحركة وبرغم كل ذلك فقد عاد لمزاولة عمله الأدبي في النادي وكتابة الشعر كان يرحمه الله مولعًا بالقراءة لدرجه لا تصدق، فلا زلت أذكر أنه كان إذا بدأ في قراءة كتاب بعد صلاة العشاء، فلا يتركه حتى يتمه عند صلاة الفجر كان ينسى نفسه في الكتابة والقراءة، ولا يهتم بصحته وراحته.

كان السنوسي صديقًا ووالدًا لجميع أدباء المنطقة الشباب في ذلك الوقت، منهم الأستاذ حجاب الحازمي والأستاذ الهويدي وعمر طاهر زيلع وغيرهم الكثير في أبو عريش وصبياء وبيش وصامطة وغيرها من المدن والقرى.

المقربون إليه رحمه الله:

كثيرون هم المقربون منه، فقد كانت لدية صداقة خاصة مع الأستاذ ناصر مصطفى، وهو من أصدقاء الطفولة والشباب، وكذلك الأديب عمر طاهر زيلع والأديب طاهر سلام والأستاذ صالح عمر، وهاشم المهدي، وعبد الرحيم عقيل، والأستاذ الأديب محمد العقيلي.

رأي بعض الأدباء فيه رحمه الله:

يقول الأستاذ عبدالقدوس الأنصاري (صاحب مجلة المنهل): «ما أروع الشعر ينبع من عاطفة شاعر متمكن في اللغة، جامع مع الأسلوب العربي الرائع مع سعة أفق وذهن وإخلاص جيدًا وصدق عاطفة وصحة بيان، وهذه الصفات اللامعة احتشدت كلها في هذا الديوان الأغر(القلائد) الذي يخرجه للناس اليوم شاعر ضليع ذو قوه في البيان، وإشراقة في الفكر، وروعة في المنطق، هو شاعرنا الذي تعتز به المملكة العربية السعودية، وتضعه في الصف الأول من بين شعرائها الأبرار، شعراء الأدب الرفيع، واللسان العفو والضمير النقي من الشوائب».

ويقول الأستاذ عبد المقصود خوجة: «إن شعره يملأ نفسي، ويشعرني أنه يخرج من نفس عربية مؤمنة صادقة قوية اليقين بعروبتها وإسلامها.

ويقول الدكتور محمد العيد الخطراوي: «إن للسنوسي مشاعر دينية قوية، يهتز للمناسبات الإسلامية الخالدة، ونفسه تستجيب لمعانيها المتجددة.

ويقول عنه الدكتور يوسف نوفل: «إن الصورة الفنية عند السنوسي تتسم بسمتين أساسيتين، هما البساطة والتلقائية، وهم أساس التصوير عنده».

الجوائز:

تحصل الشاعر محمد بن علي السنوسي على العديد من الجوائز:

ميدالية الملك عبدالعزيز في مؤتمر الأدباء السعوديين، وميدالية "المتنبي" من وزارة الثقافة العراقية لمشاركته في مهرجان المربد وغيرها من الجوائز.

الإنتاج الشعري:

- له عدد من الدواوين، منها: «القلائد» - دار الكتاب العربي - القاهرة 1960، «الأغاريد» - مطابع الأصفهاني - جدة 1966، «أزاهير» - بيروت 1972، الأعمال الشعرية الكاملة - نادي جازان الأدبي - جازان 1983.

وله كتاب (مع الشعراء) دراسات وخواطر أدبية.

ترجمت له بعض قصائده إلى اللغة الإيطالية، وتم نشرها في مجلة الشعراء بروما.

 

ما كتبه شاعرنا السنوسي عن أحمد أمين العالم والأديب المصري الكبير:

 

ثمن   المجـد   أن   تـعـيش   غـريبا     فيلـسـوفًا   أو  شاعــرًا   أو   أديبا

تتحدى  عــواصـف  الـفـكـر  والــرأ      ي وتلـقى سـلم النهى  والخطوبا

كالشهاب الوضئ يحـلو  لك  الجو       فـيــزداد   شــعـــلـــة    ولـهـيــبـا

في  سـمـاء  من الـشعور  وقـلـب      نابــض  يصـرع  الأسـى   والكروبا

لك  روح  فـسـيحـة تـسـع الـدنـيــا      إذا ضـــاف  ســاكـنـوهـا   قـلـوبـا

وفــؤاد  مــضــمــخ  بالأحـاسـيـس      يـشـيع   الـسـنا   ويهدي  الطيوبا

يـسـتـمـد الـحيـاة من أفقها الـسا       مي  ويستوعب  الفضاء  الــرحيبا

رن  في مـسمعي نـعيك  والبرق       حـزيـن   الدجـى  يـشـق  الجـيوبا

فـتوقـفـت اسـتـشـف على الـبعـد     فـــؤادًا   ذوى   طــريًـا   خــصـيـبـا

وتــصـــورت  عــبــقــريــًّا  تـــردى      من  سـمـاء   الـعـلى   قـويًّا  مهيبا

وتــنــورت  كوكــبًا  صـدع   اللـيـل      سنــاه   وخــــر   يــهـوى  مــعـيـبـا

يا (حياة)  كانت على العلم أزكى      مـن  حــيــاة  الــربيع  خـصـبًا وطيبا

فـجـرت في مـسـارب الكـون نبعًا     وهي   تستـقـطر   الحــياة   حـبـوبا

وأعلنت  سـلافة  الــروح   روحـــًا       عصرتها   الشجون   كـوبًا  فــــكـوبا

(فجرها) و(الضحى) على الأفق العل مي   مـجـــدًا   يخــلدان   الــغـروبا

حـمـلـت  من  رســالة  الفكـر  نورًا     ومـضـت  تنشر  اللــواء  الـقـشـيــبا

وســرت  كالـشهاب  ينـصـدع  اللــ      ـيل  ؤعلى ؤ جـانـبـيـه  واه  كـئـيـبـا

 

 


عدد القراء: 8757

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-