عطاء نبات القصب والبردي والخيزران...للإنسانيةالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2017-08-04 18:17:22

أ.د. منير يوسف طه

الدوحة

من الثابت… والسائد في ذات الوقت إن جميع الدراسات الخاصة بنشوء وتطور وبالتالي انتشار الثقافات والحضارات والمراحل التاريخية اللاحقة  لها يعزي ذلك النشوء والارتقاء وبالتالي الانتشار إلى عوامل أساسية  وفعالة  ساعدت وواكبت هذه الثقافة أو تلك الحضارة.

ومن بين تلك العوامل وعلى سبيل المثال لا الحصر وفرة المياه والأمطار إلى جانب خصوبة الأرض والموقع الجغرافي المميز إلا إن الأهم من هذا.. وذاك في اعتقادنا هو تواجد المواد الأولية الأساسية كالمعادن والأخشاب إلى جانب الموارد الزراعية البرية منها والمدجنة.

وهذا يعني بطبيعة الحال إن الثقافات القديمة المميزة قامت على مقومات محددة والتي من أولوياتها كانت وفرة المواد الأولية التي هي محور بحثنا هذا. ونعني في هذا السياق إن ما متوفر من مواد أولية قد لا يحسب لها أي اعتبار في هذا المحيط أو ذاك والتي أدت بالنتيجة الحتمية إلى نشوء ثقافات ذات اعتبارات ومضامين إنسانية سرعان ما تطورت وانتشرت وبالتالي تركت بصماتها الثقافية هنا أوهناك واستمر عطائها الإنساني إلى يومنا هذا.

ومن هذا المنطلق فإن بحثنا هذا سيسلط الضوء على ثلاث  مواد زراعية برية ساهمت مساهمة كبيرة في نشؤ وتطور (أرقى) الثقافات القديمة واللاحقة والمتمثلة: بثقافة بلاد الرافدين، وثقافة وادي النيل ، وثقافة الشرق الأقصى القديمة والمتمثلة في (الصين واليابان). إلا إن هذه المواد الثلاثة وللأسف الشديد لم تأخذ نصيبها الكافي في صفحات العطاء الإنساني أو صفحات التاريخ كمادة أساسية لعبت ولا زالت تلعب دورًا هامًا وحيويًّا في حياة مناطق تواجدها.

 كما سيجد الباحث إن هناك عوامل مشتركة بين هذه المواد الزراعية البرية الثلاث والتي تدعى في بلاد وادي الرافدين (بالقصب) وفي وادي النيل (بالبردي) وفي الصين واليابان (البامبو) والذي يعرف باللغة العربية (بالخيزران).

 وقبل الولوج في هذا المضمار وسياقته يجب علينا ذكر أبعاد كل واحدة من تلك المواد الثلاث على حدة ومدى تأثيرها على تطور تلك الثقافات الثلاث. والتي أولها وبطبيعة الحال الثقافة (السومرية). وسنرى في هذا المضمون كيف أن القصب قد لعب دورًا هامًا في حياة السومريين وأرسى أبعاد ثقافة بلاد الرافدين القديمة إلى أبعد الحدود الجغرافية والثقافية.

وقبل الخوض في معترك اسهامات القصب في ثقافة بلاد الرافدين لابد من الإشارة السريعة إلى البيئة السومرية وبعض من انجازاتهم الثقافية والحضارية قبل الولوج في ماهيه القصب وكيفية نموه وانتشاره السريع في البيئة في السومرية الواقعة ضمن مثلث جغرافي مكون من مساحات شاسعة الأبعاد لشمال ثلاثة محافظات جنوبية هي (البصرة والعمارة وذي قار).

والمثلث الجغرافي هذا يضم في أبعاده الجغرافية مسطحات مائية طبيعية (هائلة) تستمد مياهها وبالدرجة الأولى من مناسيب نهري دجلة والفرات ويطلق عليها محليًّا بالأهوار والمفرد منها هور.

وبذلك أطلق علماء الآثار المختصين بثقافة وحضارة السومريين على هذه المنطقة المنخفضة المعطاء والتي قطنها السومريين لأجيال وأجيال بلاد سومر أو أرض سومر.

ومن الثابت والمعلوم إن الثقافة السومرية قد ميزت بكونها من أوائل إن لم تكن الأولى في نضوجها الفكري والعلمي وعلى الصعيدين النتاج الثقافي المادي والغير المادي. إلى جانب هذا... وذاك فقد أبدع السومريين في نظم الري والزراعة والفلاحة. إلى جانب إبداعاتهم في النقل البري والنهري وبالتالي والبحري. إلى جانب استعمالهم ولأول مرة الدولاب بصناعة الفخار والري والنقل.

كما برع السومريين بحسابات الفلك والزمن إلى جانب اختراعهم للنظام الستيني واختراع الكتابة التي نقلت البشرية من عصور ما قبل التاريخ إلى العصور التاريخية...هذه وغيرها من الابداعات التي لا مجال من ذكرها في هذا السياق.

هذا إن المتتبع في هذه الابداعات وغيرها سيجد إن مردوداتها الحقيقية والثابتة تصب بمعترك استخدامهم لمادة القصب أوسع استعمال وخاصة فيما يخص تحديدًا زيادة فائضهم الزراعي الذي فتح لهم أبواب أسواق التبادل السلعي بصورة واسعة خارج حدودهم الجغرافية.

لقد ورد ذكر القصب في اللغة السومرية بهيئة (ابرانة) التي تنبت في المسطحات المائية أي إنه نبات عشبي بري لا تتم ديمومته خارج عوامل بيئته. ونظرًا لطول سيقانه وصلابتها ومطاوعتها إلى جانب مقاومته للعوامل الطبيعية إذا ما قورن بالنباتات العشبية البرية الأخرى فقد استعمله السومريين ببناء أكواخهم وبيوتهم ودور تعليمهم ومراكز عباداتهم كالمعابد إلى جانب مراكز اجتماعاتهم واحتفالاتهم الروحية والاجتماعية والعائلية والتي يطلق عليها اليوم (المضايف) والتي كانت تمد على أرضياتها (حصران) القصب بأنواعها آنذاك كما هو مألوف الآن.

إلى جانب هذا... وذاك فقد استخدم السومريين القصب لصناعة زوارقهم وسفنهم التي كانت تمخر مياه بيئتهم المائية كما أبدعوا بصناعة مراكبهم التي كانت تطوف جميع موانئ الخليج العربي وصولاً إلى سواحل شبه الجزيرة الهندية أو إلى أبعد من هذا المدى.

أما صناعة ما يعرف (بالكفة) والتي هي عبارة عن زورق نصف كروي مصنوع من القصب والقار ويستعمل في المياه المحيطة بهم إلى جانب الزوارق الرشيقة التي تدعى (بالمشحوف) والمصنوعة هي الأخرى من القصب فقد استمر استعمالهما منذ عصروهم الثقافية الأولى وإلى يومنا هذا.

كما وضب السومريين القصب لصناعة العجلات البسيطة التي كانت من ابداعاتهم  كدولاب الفخار وعلى سبيل المثال لا الحصر. كما لا يفوتنا من ذكر إن السومريين صنعوا النول من القصب أيضًا. هذا إلى جانب صناعة السهام والرماح وقياس الأطوال والمزمار المفرد منه والمزدوج. إلى جانب توضيب القصب لصناعة أثاثهم وسلالهم.

ومن الابداعات (الخارقة) التي أبدعها السومريين ووضب القصب لإظهارها للملأ كانت الكتابة. وهذا يعني أن (القلم) الأول الذي كتب به السومريين لغتهم الجميلة كان من القصب. وكان الطين بمثابة الورق أي (اليراع والقرطاس) الذين نقلا البشرية من عصور ما قبل التاريخ المظلمة إلى العصور التاريخية المشرقة خلال نهاية الألفية الرابعة قبل الميلاد.

كما لا يفوتنا في هذا السياق ذكر إن حزم القصب كانت رمزًا (للإله إيننا) بدليل ظهورها على أحد المشاهد الدينية بما يعرف بالإناء النذري تعتمر حزمة من القصب المقرن وهي تستقبل مواكب القرابين. إلى جانب ذلك هناك نص سومري يذكر أن (الإله) صرخ على صاحب بيت قائلاً: (هدم بيتك المقام من القصب وأقم في قارب) للدلالة على أهمية القصب في البناء.

ثقافة وادي النيل والبردي..

إن المتتبع للإنجازات الثقافية المادية منها والغير المادية التي أنجزت في وادي النيل سيجد إن (البردي) ذلك النبات المائي العشبي الذي ينبت وينمو في المياه الجارية والراكدة على حد سواء حالها حال القصب تمامًا قد لعب دورًا رائدًا في حياة وادي النيل القدماء وكيف كان البردي من أوائل المواد الأولية التي ساهمت مساهمة فعالة بازدهار ثقافة وحضارية وادي النيل أيضًا كما هو الحال مع القصب في بلاد الرافدين ومنذ أقدم العصور الثقافية.

وهناك من الشواهد والدلائل الأثرية التي تثبت إن نبات البردي قد استخدمه سكان وادي النيل خلال الألف الرابع قبل الميلاد. وهذا التاريخ يوازي انتشار استعمال القصب على نطاق واسع في بلاد وادي الرافدين حسب الشواهد الأثرية أيضًا.

ومن تلك الشواهد الأثرية المتمثلة باستمرار استعمال البردي في وادي النيل هي تلك الألواح الجدارية وتحديدًا الرسومات الملونة التي تمثل مختلف جوانب الحياة القديمة في وادي النيل. هذا إضافة إلى المنحوتات ذات البعدين والثلاثة أبعاد إلى جانب  الكم الهائل من المخلفات الثقافية والحضارية والشواهد التاريخية والتي تزين الآن قاعات جميع المتاحف العالمية والوطنية على حد سواء. إلا أن الأهم من هذا وذاك للدلالة على عظمة استعمال البردي في وادي النيل هو ما عرف بلفائف البردي وهي كما معلوم تحوي على المئات من النصوص المدونة باللغة الهيلوغروفية.

ومن الملاحظ أيضًا إن نبات البردي تكثر زراعته ونموه الطبيعي في المياه الجارية والراكدة كالقصب تمامًا كما يكثر تواجد القصب في المناطق الجنوبية من بلاد الرافدين حيث تكثر فيها المسطحات المائية الطبيعية التي تكثر في الجنوب أكثر منها في الوسط أو الشمال فإن الإنتاج الوفير للبردي في بلاد وادي النيل يأتي من الجنوب أيضًا، وذلك لوفرة المسطحات المائية هناك.

ومن خلال الشواهد التاريخية والفنون التشكيلية القديمة إلى جانب الشواهد التراثية، فإن البردي قد استعمل وبالدرجة الأولى لصناعة السفن والمراكب والزوارق التي تمخر البحار والأنهار إلى جانب استعماله بحياكة الحبال والصواري والأشرعة والأبنية والسقوف والأثاث والحصران. كما استعمل البردي لصناعة أغطية الرأس. هذا وإن المتتبع لاستعمالات البردي عبر العصور إلى يومنا هذا سيجد إن عطاء البردي لسكان بلاد النيل لا يختلف عن عطاء القصب لسكان بلاد الرافدين.

ومن الملاحظ والجدير ذكره بهذا الخصوص أيضًا وكما جاء أنفًا أن أول قلم استعمل للكتابة في بلاد الرافدين والذي نقل الإنسانية من عصور ما قبل التاريخية إلى العصور التاريخية كان من القصب وكان الطين بمثابة (الطرس) الورق. فقد استعمل البردي في بلاد النيل بعد اختراع الكتابة الهيلوغرافية هناك خلال بدايات الألف الثالث قبل الميلاد قلمًا للكتابة أما لفائفه فقد كانت بمثابة (الطرس) الورق.

وسرعان ما استعملت لفائف البردي للكتابة في أقطار كثيرة من الشرق القديم قبل أن يستعملها الإغريق والرومان لدرجة أمست تجارته من أهم المواد التي تعامل بها العالم القديم بدليل إن اسم مدينة (جبيل) الواقعة شمال مدينة بيروت اليوم قد اشتق اسمها القديم (ببلوس) من المفردة اليونانية (ببايروس) والتي تعني ورق البردي. وهذا يعني إن هذه المدينة الذائعة الصيت كان لها باع طويل بتجارة البردي عبر العصور وازدهرت إلى أبعد الحدود  تمثلت بعصور ما قبل وبعد الإغريق.

ونظرًا لسعة المواضيع الخاصة بإسهامات نبات البردي بتطور ثقافة وحضارة وادي النيل عبر العصور فإننا سننتقل إلى مادة زراعة أخرى ساهمت مساهمة فعالة بتطور ثقافة وحضارة الصين وبالتالي الجزر اليابان وباقي دول جنوب شرق آسيا والتي تدعى (البامبو) وأطلق عليها العرب (الخيزران).

ثقافة الشرق الأقصى والخيزران

نظرًا لاستعمال الخيزران في عموم بلدان الشرق الأقصى ومنذ أقدم العصور فإن بحثنا في هذا السياق والمضمون سيتركز استعماله على بلاد الصين وذلك لأهمية استعماله القصوى في الصين أولاً وانتشار مردوداته التي لا تعد ولا تحصى من هناك ثانيًا.

بعد متابعاتي لأهمية (البامبو) الخيزران في عموم الصين وجدت إن عطاء هذه المادة الزراعية البرية البسيطة النمو كانت ذات أهمية قصوى للثقافة والحضارة الصينية عبر العصور وإن عطاءها لا المحدود لا يقل أهمية عن استعمال القصب في بلاد الرافدين أو البردي في وادي النيل إطلاقًا.

بل وجدت أيضًا إن للخيزران  قدسية لا تقل أهمية عن قدسية القصب والبردي.. بدليل تذكر أدبيات الصين القديمة: (يعد الخيزران رمزًا للجمال.... كما يمثل صفة الإخلاص، والبساطة، والقيم، والاعتداد بالنفس).

وكثيرًا من الفنانين الصينيين خلدوا الخيزران من خلال لوحاتهم الفنية. وكما يقال عن الفنانين يقال عن الأدباء والشعراء فالكثير منهم عاشوا وهم محاطين بغابات الخيزران.. ومن الشعراء الذين خلدوا الخيزران بالقول (أفضل الإمتناع عن تناول اللحم وإن اقتات على الخيزران).

ومن الملاحظ أيضًا إن الخيزران كالقصب في بلاد الرافدين والبردي في بلاد وادي النيل يكثر بصورة غير اعتيادية في جنوب الصين حيث الماء الوفير والتربة الصالحة لنموه كما هو أسرع النباتات نموًا وإنه كالقصب تحديدًا والبردي أيضًا تتميز سيقانه الرشيقة بأقسام من العقد أو بالأحرى المفاصل. وهي مجوفة الأبعاد لذلك تستعمل السيقان المستقيمة جدًا بصناعة الأدوات الموسيقية النفخية. كما إنها تستعمل كقلم للكتابة على رقائق الخيزران أو بمثابة فرشاة للرسم والخط. ومن الجدير ذكره في هذا السياق إن الصينيين هم أول من عمد على صناعة الورق من الخيزران خلال العقود الأولى للميلاد، ومن الصين انتشر استعمال الورق المصنع من الخيزران عبر طريق الحرير إلى أصقاع القارات القديمة الثلاثة آسيا وإفريقيا وأوروبا.

وكما ورد أعلاه كيف قد وضب السومريين في بلاد الرافدين القصب ووضب قدماء المصريين البردي في وادي النيل وكيف أن هاتين المادتين الزراعيتين البسيطتين قد ساهمتا مساهمة قصوى بالتقدم الثقافي والحضاري في كلا الواديين ومنذ ما يقرب من عشرة آلاف سنة خلت وإلى يومنا هذا. فإن الصين وما جاورها من ثقافات قديمة نخص بالذكر منها الجزر اليابانية هي الأخرى قد اسهمت مساهمة فعالة بنشر ثقافاتها المتعاقبة من خلال ابداعاتها باستعمال (البامبو).

هذا وإن المتتبع باستخدامات الأولى للخيزران سيجد إنه هو الآخر استعمل قلمًا للكتابة ورقائقه استعملت بمثابة (الطرس) الورق. إلى جانب هذا وذاك فإن سيقانه الطويلة والمرنة استعملت لإقامة مساكن بسيطة أو قصور يقطنها الأباطرة والميسورين.

كما ساد استعمال البامبو الذي اشتهر بجنوب شرق آسيا عمومًا بصناعة القوارب والمراكب والسفن التي كانت تمخر عباب الأنهار والبحار والمحيطات إلى جانب استعماله في صناعة الأثاث والأطوال. وهناك الكثير الكثير من المواد التي اعتمد الصينيون على صناعتها من سيقان الخيزران ومنذ دهورًا خلت وساهمت مساهمة فعالة في نشر العطاء الثقافي كما هو الحال مع بلاد الرافدين ووادي النيل.

ومن الواضح والجلي إن الخيزران لا زال من المواد الغذائية الرئيسية في عموم جنوب شرق آسيا.. إلا إننا لا نعرف مدى استعمال القصب أو البردي كمادة غذائية في بلاد الرافدين أو وادي النيل في عصورهما الغابرة. عسى الدراسات الحديثة قد تلقي المزيد من الضوء عن الاستعمالات الأخرى لهذه المواد الزراعية الثلاثة المتشابه الأبعاد والتي لعبت دورًا هامًا بتطور الثقافات والحضارات القديمة إلى جانب مساهماتها بنقلها إلى أصقاع بعيدة عنها جغرافيا كل البعد.

وخلاصة القول إن هذه المواد الزراعية البرية الثلاث البسيطة النشأة والتكوين والمركونة على الرفوف قد ساهمت بإعطاء البشرية: أول قلم، وأول قرطاس، وأول كوخ.. وأول منزل، وأول زورق، وأول مركب، وأول آلة موسيقية نفخية، وأول نول، وأول قياس أطوال وأبعاد، وأول فرشاة رسم، وأول إكليل رأس وأول سهم، وأول قوس.. وأول زينة عرس ... هذا وإن المتتبع بعمق بعطاء هذه المواد الثلاثة للإنسانية جمعاء عبر العصور والدهور وإلى يومنا هذا سيجد إن هناك الكثير... الكثير من العطاءات وإن الكثير منها قد غير أبعاد مسيرة الإنسان القديم والحديث.


عدد القراء: 634

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-