اللغة العربية... واللاتينية الكلاسيكيةالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2017-11-07 01:16:28

هشام إسماعيل عدرة

كاتب وصحافي سوري

ينادي بين الفينة والأخرى بعض الكتاب والباحثين والمفكرين العرب بإصلاح اللغة العربية الفصحى وإصلاح حرفها بل واستبدالها باللهجات العامية مقارنين ذلك باللاتينية الكلاسيكية حيث يرى هؤلاء أن العربية الفصحى كاللاتينية الكلاسيكية التي ماتت تدريجيًّا وحلّت محلها وعلى أنقاضها لغات جديدة كالفرنسية والإنجليزية. ويقول هؤلاء مادامت اللاتينية قد ماتت واندثرت بعد أن شاخت وهرمت وعجزت فلماذا لا تُشاد أيضًا على (رفات العربية الفصحى) (لغات عربية جديدة) فيكون ثمّة لغة مصرية وأخرى لبنانية وثالثة خليجية ورابعة يمنية...!! فقد ركب الباحث المصري الراحل (سلامة موسى) موجة نقد اللغة العربية ووجوب التجديد فيها.. كما كانت محاولات الكاتب والشاعر اللبناني الذي توفي مؤخرًا (سعيد عقل) والذي طالب باستبدال الحرف العربي بالحرف اللاتيني (وضع الأبجدية اللبنانية التي تكتب بحروف لاتينية), في حين اقترح سلامة موسى الأخذ برأي العالم السيكولوجي الإنجليزي (أوجدن) في ما سماه" الإنجليزية الأساسية" ويتلخص رأي هذا العالم بتحديد الأسماء والأفعال والنعوت في اللغة الإنجليزية بحيث جعلها (946) كلمة, إلا أن اقتراح العالم أوجدن لم يلق أي استجابة, خصوصًا وأن اللغة حين نسخرها فقط من أجل العلوم والمخترعات العلمية على حساب الروح نميت النفس ونستبدل أجواءنا اللطيفة والروحية الرقيقة بأجواء مادية بحتة. من جهته الشاعر والقاضي والسياسي المصري الراحل عبدالعزيز فهمي الذي انتخب عضوًا بمجمع اللغة العربية سنة 1940 تقدم للمجمع بمشروع لإصلاح الحرف العربي, كما أعلن عن جائزة كبرى تعادل نصف ثروته الضخمة لمن يستطيع أن يلائم ما بين الحرف اللاتيني واللغة العربية واستجاب لرغبته العديد من المفكرين العرب والمستشرقين ولكنهم فشلوا في ذلك.

 من المعلوم أن اللاتينية هي لغة الكنيسة الأوروبية قديمًا, وقد استخدمتها إلى جانب اليونانية والرومانية القديمتين جماهير من الشعوب الأوروبية والإغريقية والرومانية وغيرها.. وهذه الشعوب كانت تتكلم ـ إلى جانب اللاتينية ـ لغات بدائية متجانسة حينًا في مناطق مجاورة متباينة حينًا آخر في مناطق أكثر بعدًا وأشد اقتناعًا على التقارب, إلا أن اللاتينية كانت اللغة الأم أو بتعبير آخر اللغة الرئيسية لغة الرقي العلمي فيما بعد التي استخدمها الشعراء والكتاب والعلماء والفلاسفة! ولأسباب سياسية ودينية ومعاشية واقتصادية ودفاعية .. نزحت جماعات كبيرة من الناطقين بها إلى جهات وأصقاع وأقطار مختلفة من أوروبا فالتقت هذه الجماعات مع أخرى قادمة من نواحٍ متعددة يتكلم أفرادها لهجات متباينة وحينما استقر هؤلاء وتطورت حياتهم الاجتماعية والفكرية العامة تنبهوا إلى هذا الاختلاط بين اللهجات المحكية وإلى ضرورة توحيد هذه اللغات ودمجها بلغة واحدة سليمة تكوّن شعبًا أطلَّ على الحياة بكل مظاهرها وحاجاتها الأولى وكانت أمنية وطنية وحاجة اجتماعية ملحة لدى هؤلاء أن يتخاطبوا بلغة واحدة تحاكي نوازعهم وتترجم مشاعرهم وتكون لهم مصدر الإلهام الثقافي والعامل الاجتماعي العظيم في بناء نهضتهم ورقيّهم وكان ـ أمام حقيقة الاستقرار العلمي والفكري والاقتصادي... ـ أن قدّم المفكرون في هاتيك الجماعات لغة حديثة راقية مبنية على أسس لاتينية صحيحة متطورة.. منها الإنجليزية و الفرنسية وغيرهما.. ومرحلة كهذه ليست بالعمل العادي البسيط ذلك لأنها عملية جمع شتات شعب وتوحيد لسان أمة.

 والأمر في العربية يختلف اختلافًا جذريًّا و كليًّا مع اللاتينية وأحوالها العامة... إن العربية المعاصرة ليست هي اللغة العربية التي كان يستخدمها أجدادنا القدامى, حيث أن المرحلة التطورية الحاضرة للغة العربية هي المرحلة الأخيرة لأعظم عملية تطوير لغوية.. ففي تاريخنا القديم كانت العربية لهجات قبائلية مختلفة إلى حد ما في النحو وقبائل متحاربة حينًا متهادنة متسالمة حينًا آخر ولكن الآصرة العربية الأصيلة سرعان ما قربت بين فئات الشعب وأخذت توحد لهجاته في لغة واحدة استخدمها في أسواقه الأدبية وحياته الشعرية, من خلال نوازع طبيعية واجتماعية تدعمها إذ أننا نلمس أنه ما كاد الإسلام العظيم ينبثق من شبه جزيرة العرب بلغة العرب حتى استجاب له ـ بفترة قصيرة تاريخيًّا ـ أبناء القبائل والبلدان العربية روحًا ولغة ونظامًا وتجديدًا في كل مظاهر الحياة من رقيّ علمي وتطور فكري وتهذيب عاطفي, وتأجج الشعور الروحي والاجتماعي بأن العربي أصبح صاحب رسالة إنسانية تمدينية جديدة على عاتقه يقع نشرها في الدنيا لتكون أمته إحدى الأمم التي أرست صروح الإنسانية والعدالات الاجتماعية خالدة في سجل الحياة الراسخ والوجود الإنساني الرفيع. وهنا نجد أن لغته قد توحدت ولهجاته تساوت واندمجت وأنه أصبح جديدًا في الحياة الجديدة .. إنه أصبح في حياة مستقرة تمامًا كحياة شعوب أوروبا التي أسلف معالجة وضعها وبيّنا وفرة لهجاتها ولغاتها.. وإذًا فالعربية أصابها كغيرها الكثير من الإصلاح والتطور والتحويل الطبيعي الذي هو تلبية جذرية لنداء التطور الفكري العميق, وإننا لنلمس وحدة اللغة العربية شاملة تامة في البلاد العربية يومَ رقيّ شعبنا إلى مستوى حضاري ومدني عالي في عصور الازدهار العربية في هذه الفترة الراقية تصل العربية إلى الذروة من القوة فتعطي المفكرين مفردات ذات قوة دينامية وإيحائية هي أرقى مظاهر الحضارة والعلوم وخاصة مع تحرر العربية الفصحى من الألفاظ الناشزة.

اللغة لهجتان وهي مفهوم اجتماعي طبعي

 واللغة لهجتان, أو هي ذات صوت مزدوج (فصحى وعامية) واللغة بخصائصها هذه, مفهوم اجتماعي طبعي لكل مجتمع وأمة, ذلك لأن المقاييس الأدبية والمعايير العلمية شيء, والبداهة في الأحوال العادية شيء آخر. ومقارنة بسيطة بين لغتنا ولغات أخرى, نجد أن لغات راقية واسعة الانتشار غنية بالمفردات العلمية, إلى جانب ازدواجيتها, نجد أن لها خصائص أخرى هي هذا التباين في معنى الكلمة بين قطر وقطر, ومنطقة وأخرى أو بين مدينة وثانية...

 فالإنجليزية أو الفرنسية مطبوعة بهذه الظاهرة حيث فيها مفردات يستخدمها الاسكتلندي فيما يجهلها أبناء لندن أو كورانيل. وسكان الجبال الفرنسية لا يفهمون إلا بصعوبة (زقزقات) أبناء باريس. والعكس صحيح وأقرب إلى الدقة. ومع هذه المفارقة يجمع بين أبناء الشعب الفرنسي أو الإنجليزي لغة واحدة هي لغة الكتابة والتعبير وحفظ التراث الفكري والتاريخي تستلهم منها الأجيال الطالعة قوتها وامتداد حياتها. ويستوحي منها ابنها بطولات أجداده ومدى ما قدموه للإنسانية من علوم وفنون وعدالة فيكونون له حافزًا ولأحفاده قدوة, ينزعون في هذه الميادين الراقية, دليلهم ذلك التراث الرائع المطبوع بروائع التعابير ورصانة الأساليب..

 ولكننا رغم ذلك فإن نفرًا من المفكرين العرب ما يفتأ يستهجن هذه الازدواجية ويسند هذا (العيب اللغوي) إن صح التعبير. هكذا دونما دقة أو دراسة علمية أو إنصاف لأصل هذه اللغة!...

لنحاول أن نبحث في عوامل جذرية لازدواجية اللغة, استقصاء لواقعها وحقيقتها, ولننسى بادئ بدء, أن الازدواجية طبعية الوجود الاجتماعي في اللغة, وإن اللغة كائن حي له كل مقومات الحياة من صعود وهبوط ومرض وصحة وازدهار وقهقرى وجمود وانطلاق. ونعود إلى مرحلة التربية الأساسية الأولى حيث يولد الإنسان طفلاً وينمو على نهج تربوي ذي صفة خاصة أو عامة, فإن أسلوب هذه المرحلة من النمو في التكييف والتكوين والتهذيب, هي المسؤولة عن قيم الحياة وغناها وصيانتها أو تدهورها وانحطاطها, وليست اللغة إلا واحدة من القيم الرائعة.


عدد القراء: 96

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-