كيف تصوغ اللغة أفكارنا؟الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2018-02-11 21:23:06

زينة عبدالله تركاوي

دمشق - سوريا

كاثرين كالدويل ــ هاريس

ترجمة: زينة عبدالله تركاوي

 

في تأملات لها حول كونها مهاجرة من بولندا إلى أمريكا الشمالية تصف الكاتبة والأكاديمية  "ايفا هوفمان" ذات الثقافة واللغة المزدوجتين تلك الأوامر التي تصدرها في رأسها لغتان متنافستان.

يأتي السؤال أولاً بالإنكليزية:

- هل يجب عليك أن تصبحي عازفة بيانو؟

- لا، لا يجب عليك، أنتِ لا تستطيعين ذلك.

ثم  يأتي صدى السؤال بالبولندية.

- هل يجب عليك أن تصبحي عازفة بيانو؟

- نعم، افعلي ذلك مهما كلف الأمر

ننظر عادةً إلى اللغة على أنها وسيلة لإيصال المعلومات لا لتحويرها، لكن ما يُروى عن العديد من مزدوجي اللغة ينبئ عن إحساسهم بالقرب العاطفي من لغتهم الأم. وكما توضح هوفمان - بالإضافة إلى عدد متزايد من البحوث - فإنّ وجهة أفكارنا قد تعتمد على اللغة التي نتحدث بها. فمثلاً، يعمد مزدوجو اللغة في مجال العلاج النفسي إلى استخدام لغتهم الأم مع معالجٍ نفسي ذي لغتين عندما يريدون أن يشعروا بمدى وقع موضوع ما عليهم، ولكنهم يتحولون إلى اللغة الثانية عندما ينوون الابتعاد شعوريًا. وتشير القرائن إلى أن "تأثير اللغة الأجنبية" هذا ينطبق أيضًا على أحكامنا الأخلاقية أيضًا.

ولفكرة أن لغات مختلفة يمكن أن تقود إلى نتائجَ مختلفة آثارٌ واسعة النطاق، ففي حالة زوجين ينحدران من خلفياتٍ لغويةٍ مختلفة قد تتأرجح كفة الأخذ والعطاء العاطفي بين المحبين كثيرًا. أمّا في السياسة الخارجية فقد تدفع هذه الآثار بعض الحكام نحو قرارات أكثر عقلانية بينما تحدو آخرين إلى قراراتٍ تعتمد على الحدس أكثر. وعلى مستوى فلسفي أعمق، يطرح تأثير اللغة الأجنبية أسئلةً حول نزاهة الأخلاق الإنسانية. فآراؤك حول الخطأ والصواب ليست مطلقة وذلك لأنها تتأرجح ضمن شروطٍ تافهة نسبيًا بما فيها تلك اللغة التي تؤطر معتقداتك.

نزوة اللغة

تستمد اللغة الأجنبية بعضًا من تأثيرها من روحها الثقافية. فمثلاً، تم اختيار عدد من الناطقين باللغتين الصينية والإنكليزية عشوائيًّا للإجابة بإحدى هاتين اللغتين على استبيان حول تقديرهم لذواتهم. حصل من أجابوا على الأسئلة بالصينية على نتائج منخفضة مقارنةً بمن أجابوا بالإنكليزية، وعلى ما يبدو فإن قراءة الأسئلة بالإنكليزية أوحت للمشاركين ذوي الثقافة المزدوجة بتبني روح الثقة الأمريكية المتطرفة، بينما دفعتهم قراءتها بالصينية للعودة إلى فضيلة التواضع في الثقافة الصينية التقليدية.

لكن الثقافة ليست السبب الوحيد. فمثلاً، عندما تُعرَضُ على مزدوجي اللغة سيناريوهات تقليدية لاقتصاديات سلوكية يتخذ فيها البعض قرارات خالية من الحكمة تجدهم يتصرفون بطريقةٍ عقلانية إلى حدٍ ما عند تقويمهم لما كتب بغير لغتهم الأم. وظاهر الأمر أنّ تحدث المرء بلغة ما بطلاقة منقوصة يقلل من انخراط دوائر دماغه العاطفية في هذه العملية.

وقد عالج بحث جديد (نشر في عام 2014) هذا الموضوع من الوجهة الأخلاقية. حيث قاد فيه ألبرت كوستا، الباحث في العلوم المعرفية من جامعة بومبيو فابرا في برشلونة، فريقًا حقق بمدى قدرة اللغة على التأثير بالقرارات المتعلقة بـِ "مشكلة العربات" trolley problem وهو سيناريو معروف يستخدمه الفلاسفة وعلماء النفس لقياس المحاكمة الأخلاقية عند الأفراد، حيث تنطلق فيه عربةً نحو خمسة من عمال السكك الحديدية الغافلين بينما تقف أنت بالقرب من مفترق طرق ولديك وقت كاف لتحرك مبدلاً للمسارات فتتحول العربة إلى مسارٍ مختلف حيث يقف عامل واحد فقط. والسؤال هو هل عليك في هذه الحالة تحريك المبدل فتقتل شخصًا واحداً لتنقذ خمسة؟

يندرج انقاذ عمالٍ أكثر تحت باب "الخير الأكبر" ويعد من المقبول أخلاقيًا قتل واحد لإنقاذ خمسة إذا ما نظرنا إلى الموقف من وجهة ذرائعية،. ففي بعض الدراسات يعتبر معظم الأفراد وبنسبةٍ تقارب 70% أن تبديل المحول أمرٌ جائز. حينما قدم عالم النفس جوشا غرين من جامعة هارفرد هذه المعضلة ومثيلات لها لأفراد خلال خضوعهم لمسح الدماغ وجد نشاطًا في مناطق الوظائف التنفيذية لقشرة الدماغ ما قبل الجبهة الموجودة خلف الجبهة مباشرةً مما يدل على أن المشاركين كانوا يحاكمون قرارتهم بشكلٍ واعٍ.

وهناك معضلة أخرى متصلة بالسابقة تتطلب فعل ما هو أكثر من تحويل المبدل. الآن عليك قتل أحدهم بيديك الاثنتين. أنت تقف على جسر المشاة فوق سكة القطار في حين تنطلق العربة مسرعةً نحو خمسة عمال ويقف إلى جانبك رجلٌ ضخم يرتدي حقيبة ظهرٍ ثقيلة. إن دفعت بالرجل من فوق الجسر نحو السكة فسيموت لكن جسده وحقيبة ظهره الثقيلة سيوقفان العربة وستنقذ عندها العمال الخمسة. يظهر المشاركين عادةً مشاعر سلبية كالشعور بالرعب عند طلب دفع أحدهم نحو حتفه. وتتراوح نسب قبول هذه المعضلة عادة بين 12% إلى 20% وهذا دون الـ 70% بكثير عند المقارنة بسيناريو تحويل المبدل. في دراسة غرين للصور الشعاعية العصبية المتعلقة بسيناريو جسر المشاة مع ما يتطلبه من قتل متعمد لشخص ما تظهر استجابة شديدة في مناطق الدماغ المعنية بالاستجابة العاطفية.

تخيل الآن تقويم معضلة جسر المشاة بلغتك الأم أو باللغة الأجنبية التي يفترض أن تكون العواطف فيها أقل نشاطًا. وكما هو متوقع، وجد كوستا وزملائه أن 20% فقط من المشاركين الذين استخدموا لغتهم الأم أجابوا أن سفكهم الدماء لإنقاذ خمسة أشخاص أمرٌ مقبول، ولكن عند تقويم الأمر بلغة أجنبية اعتبر 33% من المشاركين الأمر مقبولاً. وقد استمر هذا التأثير بالظهور في سياق عدد من الثنائيات اللغوية تضمنت الاسبانية والإنكليزية (للمشاركين من الولايات المتحدة) والكورية والإنكليزية (كوريا) والإنكليزية والفرنسية (فرنسا) والاسبانية والعبرية و الإنكليزية والعبرية (دولة الاحتلال).

ولنفي أي تأثير للتقاليد الثقافية المرتبطة باللغة، قام الباحثون لاحقًا بمقارنة نتائج معضلتي جسر المشاة ومبدل المسارات عند متحدثي الاسبانية الأصليين الذين تعلموا الإنكليزية ومتحدثي الإنكليزية الأم الذين تعلموا شيئًا من الاسبانية. وبغض النظر عن اللغة، فضّل مشاركون أكثر الخيار الذرائعي لدى استخدامهم  اللغة الأجنبية (44%) عنهم في لغتهم الأم (18% بمعدلٍ وسطي)، ولم يظهر اختلاف كهذا في سيناريو مبدل المسارات. تشير هذه النتائج إلى أن تأثير اللغة الثانية مرتبط بالمعضلات الأخلاقية التي تتمتع بعنصر عاطفي قوي.

التفكير القَبَلي Tribal Thinking

على الرغم من أن كوستا وزملائه عاينوا أزواجًا متنوعة من اللغات الأم واللغات الأجنبية - وهو انجاز جدير بالإعجاب - لكن ظاهرةً ثقافيةً مختلفة قد تفسر هذه النتائج. فاستخدامك للغتك الأم قد ينبه فيك شعور المحاكمة تجاه قومك - أي المجموعة التي تنتمي إليها - وبالعكس، فإن اللغة الأجنبية قد تشير إلى أن المسألة تتعلق بالغرباء ومن هم خارج مجموعتك. وبالفعل، أظهرت الدراسات أن نَسْب أعراقٍ معينة لضحايا العربة قد يغير أنماط الإجابات بطرقٍ معقدة.

ويثير هذا البحث سؤالاً آخر: ماذا عن المحاكمة بلغةٍ ثانية لكنها ليست أجنبية؟ فقد يشعر الأفراد المقيمون لسنوات في بلدٍ غير بلدهم الأصل بالتمكن والالتزام العاطفي عند تحدثهم بلغة هذا البلد كما هو الحال عند تحدثهم بلغتهم الأم. أو خذ بعين الاعتبار أبناء المهاجرين الذين ترعرعوا ليجيدوا كلتا اللغتين، فهم عادة ما يرتبطون بلغة أباءهم بصورة أشد ولكنهم يحققون كفاءة متماثلة في لغتهم هذه وفي لغة الثقافة السائدة. هل بإمكان هؤلاء التفكير بطريقة أكثر ذرائعية عند استخدامهم للغتهم الثانية؟

وعلى الرغم من أن هذه المجموعات لم يتم دراستها في سياق معضلات المحاكمة الأخلاقية، لكنني أُراهن أن النتيجة ستكون سلبية، وأنا أتوقع ذلك اعتمادًا على بحثي الخاص حول التحكم العاطفي للغاتٍ المختلفة. فعلى سبيل المثال، في دراسة على متحدثي اللغتين الإسبانية والإنكليزية سجلت عندهم مؤشرات الناقلية الكهربائية للبشرة خلال استماعهم لعباراتٍ مؤثرة بكلتا اللغتين، ولأن أي تغيير في معدلات التعرق مهما قلَّ يستطيع الإنباء عن مدى تأجج العواطف، فقد استخدمنا تلك التقنية لقياس ردّات فعل المشاركين. أظهر الأفراد الذين لم ينغمسوا بلغتهم الثانية بقوة ناقلية جلدية ضعيفة عند اعتمادهم للغة الأجنبية، لكن القراءات المأخوذة ممن أتقنوا كلتا اللغتين كانت متقاربة في الحالتين. وهذا يعني أن اللغة المستخدمة بصورة مستمرة في سياقات عاطفية - كالأحاديث بين الأب والابن أو بين الأصدقاء القدامى - تثير مشاعر قوية.

وسواءً أكنت متقنًا لعدة لغات أم لا فإن هذه النتائج تعزز ما دأب علماء النفس على ترداده لعقود: نحن البشر كالحرباء، إذ يمكننا أن نكون أشخاصًا مختلفين في ظروفٍ مختلفة. نتخذ موقفًا معاديًا عندما ينتقدنا صديقٌ مقرب ونعتذر في حال فعل ذلك زميل في العمل. يزعم بعض الفلاسفة أن الإيمان بذاتٍ واحدة - وإن كان مفيدًا - هو مجرد وهم. لذا، استعد وخذ سلاحك، أو بلغةٍ أخرى: إنّ فهم القوى المتعددة التي تصوغ أفكارنا وسلوكنا يهيئونا بصورة أفضل للمواجهة.

تعريف بالكاتبة:

أستاذة (مشاركة) علم النفس في جامعة بوسطن. أجرت بحوثًا حول عدد من المواضيع منها إنتاج اللغة وعلم النفس العابر للثقافات والفروق الشخصية في الأساليب المعرفية.

 

الهوامش:

- عنوان المقال الأصل:

أقتل واحدًا لتنقذ خمسة! نعم ولكن....

 قد تصبح أفكارك غريبةً عنك في لغة أخرى.

- مراجع للاستزادة:

- The Foreign-Language Effect. Boaz Keysar, Sayuri L. Hayakawa and Sun Gyu An in Psychological Science, Vol. 23, No. 6, pages 661–668; June 2012.

- Your Morals Depend on Language. Albert Costa et al. in PLOS ONE, Vol. 9, No. 4, Article No. e94842; April 23, 2014.

 


عدد القراء: 1178

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-