في الطريق إلى رقمنة الأدب تجربة السرد الحديث نموذجًاالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2018-02-11 22:21:52

د. فهد إبراهيم البكر

جامعة حائل

الناظر في المنجزِ السرديِّ الحديثِ اليومَ يشعُرُ بصلةٍ وثيقةٍ بين السردِ بوصفه منجزًا أدبيًا إبداعيًا, والرقميةِ بوصفها وسيلةً تقانية جديدة, أدت إلى نُشوءِ ما يُعرفُ بالأدبِ الرقمي, حتى لقد ظهرت مصطلحاتٌ من قبيل: (كتابة رقمية - نص مترابط - أدب تفاعلي - أدب إلكتروني - سرديات رقمية - تكنولوجيا الأدب - الأدب الوسائطي - أدب الوسائط المتعددة - أدب الميديا – أدب تشعبي – أدب معلوماتي) وغيرها من المصطلحات النابعة من فضاء تقاني.

1 – 2 تحولات رقمنة الأدب (الأطوار والأدوار):

بين الضربِ على الآلة الكاتبة, والنصِّ التفاعلي, سارَ الأدبُ على مراحلَ متنوعةٍ في تعامُله مع التقاناتِ الحديثة, فالكتابةُ الإبداعيةُ بدأتْ متواضعةً مع نشوءِ الآلاتِ البدائية, ثم ظهر عصرُ الطباعةِ, فعصرُ الثورةِ المعلوماتية, فجيلُ الأجهزة الذكية, إلى أن وصلنا اليومَ ذروةَ التطورِ الرقمي مع ما يعرفُ بالأدب التفاعلي1 فلم يعد النص متلوِّنًا بين الشفاهيةِ والكتابية, بل صارَ ينحو إلى ما بعد الكتابية, وهي الرقمية, أو الحاسوبية.

غير أنّ رقمنةَ الأدبِ في زمننا هذا مرّت بطورين مهمين, لا بُدّ من الوقوف عندَهما, وإلقاءِ الضوءِ عليهِما:

فأمّا الأولُ – فالأدبُ الرقميُّ التمهيدي أو التأسيسي: ونعني به ذلك الإبداع الذي وُلد (إلكترونيًا) ثم أُلبس لباسًا (ورقيًا) فهو رقمي في أصله ونشأته, ورقي في نسقه وتحوّله, يمهّد إلى أدبٍ تفاعلي ذي ارتباط تقاني, ومثاله: أن ينثرَ الشاعرُ, أو الكاتبُ إبداعَه في قنواتِ التواصلِ الاجتماعي, ثم يخرجه في صورته التي كان عليها مطبوعًا في كتاب, وتُعدُّ روايةُ (عشيقة آدم) لمنصف الوهايبي2 نموذجًا واضحًا على ذلك, حيث انبعثتْ أحداثُها وشخصياتُها من (فيس بوك) حتى صارت روايةً متكاملة, ومتميزةً بطبيعتها الرقمية.

وأما الثاني - فالأدب الرقمي التفاعلي المتطور: وهو ذلك الإبداع الأكثر لصوقًا بالطابع (الإلكتروني) بمعناه العلمي الأدق, ويتجلى بوضوحٍ تحت ما يُعرفُ بالنص المتشعّب, أو المترابط, أو الفائق, أو المتفرع3 وقد ظهرت بواكيرُ هذا اللون الجديد – على المستوى السردي - مع الأديب الأردني محمد سناجلة في روايته التفاعلية (ظلال الواحد) التي نشرها عام 2001م, معتمدًا فيها على تقنية Links4 أما على الجانب الشعري فغاية ما وصلتْ إليه الرقميةُ التفاعليةُ ما وجدناه في قصيدة: (تباريحُ رقميةٌ لسيرةٍ بعضُها أزرق) للأديب العراقي مشتاق عباس معن, حيث نظم قصيدته تلك وفقًا لإيحاءات ودلالات لا يُدرك سرّها إلا من خلال (أيقونات) يضعها الشاعر, تحيلُ على انفعالاتٍ مختلفة, يقوم المتلقي بالضغط عليها5.

ولأن الرقمنةَ التمهيدية للسرد شهدت تطورًا مهمًا لا ينبغي إغفاله, فإننا سنتناولُ التجربةَ السرديةَ الحديثةَ في علاقتها مع قنوات التواصل الاجتماعي بوصفها تجربةً تمثّل نقطةَ البدايةِ والتحوّل:

2 - 2 التجربة السردية الحديثة نموذجًا:

من يتأملُ الأعمالَ السرديةَ الحديثةَ في أدبنا العربي الراهن يلمسُ تأثرَها بكثيرٍ من الوسائل (الإلكترونية) إذ وظّف مبدعو السرد العربي جملةً من تلك الوسائل, وجاء توظيفهم على نوعين:

أ – التوظيفُ الجزئي: وذلك بأن يستعملَ الكاتبُ بعض المصطلحات الإلكترونية الحديثة, ويوظفها داخلَ أنساقِه السردية, على سبيل المثال توظيف (الجوّال ورسائل sms) في رواية (حكومة الظل) لمنذر القباني6 وتوظيف المنتديات الإلكترونية, وملفات الكمبيوتر في رواية (غواية الماء) لابتسام تريسي7  وكذلك توظيف (سكايب skype) في رواية (طوق الحمام) لرجاء عالم8 وتوظيف (الماسنجر) في رواية (اغتيال صحافية) لفاطمة آل عَمْرو9 ومثله توظيف (واتساب) في رواية (أحبها جدًّا) لإيمان حمد10 ونحو ذلك.

ويعدُّ توظيفُ (البريد الإلكتروني) من أغزر ما استُعملُ في النطاقِ السردي, ونماذجُ ذلك الشكل أكثر من أن يلُّفَها مثال, وعادةً ما يقومُ هذا التوظيفُ بدعم الحكاية, وتقويةِ مقوماتِها الخِطابيةِ, على نحو ما يبيّنه هذا النصُّ من روايةِ محمد الأشعري (القوس والفراشة) التي فازت بجائزة (البوكر) عام 2011م, يقول: "وفي المساءِ نزلتُ إلى الجريدة, فوجدتُ في بريدي الإلكتروني رسالةً من مدير الجريدة, يطلبُ فيها مني أن أعودَ لموضوع (مراكش) وأخرى من فاطمة تقول: إن علاقةً جديةً ..."11 إلى آخر الرسالة.

وقد ذهب السرديون في توظيفهم الجزئي للتقانات الحديثة مذهبًا بعيدًا, حينما ضَمَّ بعضُهم (الأجهزةَ الذكيةَ) إلى عالمِ حكايته, فاكتسبَ النصُّ لونًا من الإثارة, والإدهاش, وشكلاً من التنافس بين الإلكتروني والورقي, كما في هذا النص مثلاً من رواية (مشاعر آيفونية): "عندما تتحرّكُ أناملي, فترشُقُ الصفحةَ بحبرِ افتقادِك, تتقلّصُ الأوراقُ وتنكمش"12 ويمكن أن نطلق على هذا اللون من النصوص: النص الذكي, لما فيه من توظيف الأجهزة الذكية, وتوظيف خاصية اللمس, والرسالة الإلكترونية, وهنا نلحظ تميز النص بجمعه لأكثر من وسيلة تقانية.  

ب – التوظيف الكلي: وهو أن يصطبغَ العملُ في مجملهِ بصبغةٍ رقميةٍ, وهذا هو الأهم في نظرنا؛ لأنه يكشفُ عن علاقةِ السردِ الوثيقة بالتقنية بصورةٍ أوضحَ, وأقوى, وسنقفُ عند بعض النماذج من خلال منظارين هما: القصة, والرواية.

أولاً – القصة: ظهر عملُ قصصيٌّ متميزٌ في لونه, وفي فكرته, نشأ من أرضية (إلكترونية) وتحديدًا من قناة التواصل الاجتماعي الشهيرة: (انستقرام) وقد عَمِدتْ مؤلفتُه (عائشة ناصر) إلى نعتِه بذاتِ الاسم (انستقرام) بل رَسَمَتْ شعارَ (انستقرام) المعروف على عتبتها الأولى (الغلاف الأمامي) ثم شرعت بوضع صورٍ من الحساب بجوار نصوصها القصصية, بحيث يتفاعل المتلقي مع كل نص قصصي يقرأه, ويشاهدُ صورةً تحكي عنه.

وتعد هذه المجموعة القصصية (الانستقرامية) إذا جاز التعبير فريدةً من نوعها, وهي من أوائل ما أُبدع في المجال القصصي, كما أنها من المجموعات القصصية التي تفصحُ عن تضافر (الورقي والإلكتروني) وفي لغتها وأسلوبها شيء من الجمال والتفرّد13.

ثانيًا – الرواية: وقد وجدنا نماذجَ كثيرةً منها متأثرةً بقنوات التواصل الاجتماعي, فمن ذلك رواية (إسبريسو)14  التي ولدت من رحم (تويتر) ومثلها رواية (رام الله الشقراء) لعبّاد يحيى, وهي تجربةٌ سرديةٌ تبدو رقميتها جليةً في عتبة التصدير, حينما نبّه الكاتب إلى ذلك بقوله: "أحيانًا يكفي أن تضغط print out على أرشيف مراسلاتك في (فيسبوك) لتكون لديك رواية ما"15 وقد تميّزت هذه الروايةُ بالتفاعل الأجناسي بين الرسالة والرواية, وهو ما يمكن وصفه بالأجناسية الرقمية.

وليس التوظيفُ الكليُّ للتقانات الحديثة بمقتصرٍ على الروايات (الفيسبوكية) بل إننا نلمسُ آثارَه على مستوى الأجهزة (الإلكترونية) وبخاصةٍ الأجهزةَ الذكية كا (الآيباد - الآيفون) وغيرهما, وظهرت على إثر ذلك الروايةُ الآيفونية, كما هو الحال في رواية (مشاعر آيفونية) التي طفحت بـ (أيقونات إلكترونية) كثيرة في نسقها السردي, كعلامة: (الآت – نك نيم – توبيك)16 وغيرها, ويمكن – نقديا - تناول هذه (الأيقونات) من زاوية سيميائية, لا سيما أن المشتغلين بذلك نادرون17.

ومما جدّ من رواياتٍ ذات علاقةٍ بالأجهزةِ الذكيةِ أيضًا: رواية (آيباد, الحياة على طريقة زوربا) ونستطيع نعتَ هذا اللون من الروايات بالرواية (الآيبادية) وقد برزت فيها الرسائلُ الصوتية, والمشاهد, والعروض المرئية, وغيرها من المؤثراتِ الفنية ذات الشأنِ الرقمي, وإن لم تُخفِ الشخصياتُ فيها بعض الانزعاج من استعمال هذا الجهاز, كما في هذا النص: "الكتابةُ عن طريق (الآيباد) مزعجةُ بعض الشيء, طابَ لك هذا العالم"18.

أما الرواياتُ النابعة من (البريد الإلكتروني) في مجملها فهي كثيرة, ويمكن أن تمثل رواياتٍ رسائليةً في إطارها الأجناسي الأعم, وكثرتها دليل على كونها أصبحت ظاهرةً تستحق الدراسة, فرواية (بورتريه الوحدة)19 على سبيل المثال قامت في أصلها على ما صنعته الشخصيتان (ماجد, ومي) من مراسلات على البريد الإلكتروني, وهي رسائلُ مرقمةٌ تضمُّ في أحنائِها كثيرًا من الأحداث, والحوار, والسرد, والوصف.

ومثلها في هذا الخط رواية (بنات الرياض) لرجاء الصانع20 ورواية (لا أحدَ يَهزِمُ الله) لميقات الراجحي21  ويمكن وصف هذا اللون من الروايات بالرواية الرسائلية (الإلكترونية) وهي روايةُ تكشف عن ثقافةٍ رقميةٍ إبداعية, ولعل هذا الأمرَ يتشيّدُ مع خطابِ الروايةِ الجديد, ذلك الخطابُ المرتبطُ بظروفِ الحياةِ المعاصرةِ والمتجددةِ, وهذا ما ركّز عليه نقادُ الروايةِ المعاصرون حين ذهبوا إلى ضرورة الاهتمام بالعلاقةِ الخاصةِ بين هذه الروايات, ولغةِ الكلام, والأجناس التعبيرية التي نشهدُها في الحياة الجارية, وفي العادات اليومية22. 

 

المراجع:

1 - من أهم ما كُتب في هذا المجال: مدخل إلى الأدب التفاعلي, فاطمة البريكي, ط/1, المركز الثقافي العربي, الدار البيضاء, بيروت 2006م.

 2 - ينظر: عشيقة آدم, منصف الوهايبي, تقديم: صلاح الدين بوجاه, د.ط, دار الجنوب, تونس 2012م.

ومثل هذا النمط رواية (بنات الرياض) للكاتبة السعودية رجاء الصانع, حيث نبعت من منصة (البريد الإلكتروني). ينظر: بنات الرياض, رجاء عبد الله الصانع, ط/7, دار الساقي, بيروت – لبنان 2007م.

3 - ينظر: النص المترابط ومستقبل الثقافة العربية, سعيد يقطين, نحو كتابة عربية رقمية, ط/1, المركز الثقافي العربي, الدار البيضاء, بيروت 2008م, ص26.

4 - ينظر: الرواية التفاعلية ورواية الواقعية الرقمية, ظلال الواحد لمحمد سناجلة, أول رواية تفاعلية في الوطن العربي, تحت هذا الرابط:

 http://middle-east-online.com/?id=31231l

ينظر: القصيدة التفاعلية الرقمية, والنقد الثقافي التفاعلي, د. أمجد حميد التميمي, تحت هذا الرابط:

 http://maakom.com/site/article/451

 6 - يقول مثلا: "اهتزّ جواله منذرًا عن قدوم رسالة كان نصها: ..." حكومة الظل, منذر القباني, ط/2, الدار العربية للعلوم ناشرون, بيروت 2007م, ص172.

7 - تقول مثلاً: "نصي الأول بعد قحطٍ دام سنوات, وضعته في المنتدى, وأغلقت الملفات كلها (...) اليوم فقط اكتشفت أنها ما زالت قابعة في ملف كمبيوتري". غواية الماء, ابتسام تريسي, ط/1, الدار العربية للعلوم ناشرون, بيروت 2011م, ص28 – 30.

8 - تقول مثلا: "رسالة 5: أشغّل كاميرا (skype) وأستلقي على سريري ..." طوق الحمام, رجاء عالم, ط/4, المركز الثقافي العربي, الدار البيضاء 2012م, ص67.

  9 - تقول مثلا: "تتواصل معه خلال الماسينجر, وكتبت له: ارتكب الجاني نفس الأسلوب..." اغتيال صحافية, فاطمة آل عمرو, ط/1, الدار العربية للعلوم ناشرون, بيروت – لبنان 1434هـ/2013م, ص93.

 10 - تقول مثلا: "أرسلت لي على  whatsapp تعرف إني ما أعرف أتكلم ..." ينظر: أحبها جدًّا, إيمان حمد, ط/6, الدار العربية للعلوم ناشرون, بيروت 2014م, ص120.

11 - القوس والفراشة, محمد الأشعري, ط/4, المركز الثقافي العربي, الدار البيضاء – المغرب 2011م, ص149.

 12 - مشاعر آيفونية, بدرية البليطيح, ط/1, دار المفردات للنشر والتوزيع, الرياض 1434هـ/2012م, ص49.

 13 - تقول مثلاً من نص بعنوان (مقبرة جماعية): "في منتصف الليل البهيم, تتوسد الأحلام غياهب الظلمات, ويعم أنين الصمت, يسير الوقت بخطوات متثاقلة متردّدة وكأنما العقارب جثت على الساعة الثانية ..."انستقرام, عائسة ناصر, ط/3, دار مدارك للنشر, د.ت, ص8.

14 - ينظر: اسبريسو, عبد الله النعيمي, ط/6, دار كتّاب للنشر, الإمارات العربية المتحدة, 2014م.

15 - ينظر: رام الله الشقراء, عباد يحيى, ط/3, المركز الثقافي العربي, الدار البيضاء – المغرب 2013م, ص6.

16 - كما في قولها: "@ لا يشبهني أحد@ اسم أو (نك نيم) بالخط العريض الملون, وتحته رسالة أو (توبيك) لا يقبل النقاش أو المراوغة: لطفا أحتاج للخلوة بنفسي ..." مشاعر آيفونية, بدرية البليطيح, ص7.

17 - يمكن أن نذكر نموذجًا واحدًا للكتب النقدية المهتمة بهذا المجال والمهمة, وهو: السرديات الرقمية, بحث في سيميائيات النص المترابط, عبد القادر فهيم شيباني, ط/1, دائرة الثقافة والإعلام, الشارقة 2013م.

18 - آيباد, الحياة على طريقة زوربا, صالحة عبيد, ط/2, دار كتّاب للنشر والتوزيع, الإمارات العربية المتحدة 2013م, ص45.

19 - ينظر: بورتريه الوحدة, محمد حامد, ط/2, جداول للنشر والترجمة والتوزيع, لبنان 2013م.

20 - ينظر: بنات الرياض, رجاء الصانع.

21 - ينظر: لا أحد يهزم الله, ميقات الراجحي, ط/1, طوى للثقافة والنشر والإعلام, لندن 2010.

22 - ينظر: الخطاب الروائي, ميخائيل باختين, ترجمة: محمد برادة, ط/1, دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع, القاهرة 1987م, ص140.


عدد القراء: 1150

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-