التاريخ والسينما «لغة المرئي وسلطة المرجعي»الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2018-06-16 02:10:39

د. عبدالرحيم الحسناوي

باحث - جامعة محمد الخامس - المغرب

خرج التاريخ من سيطرة الكلمات والتدوين إلى دائرة التحقق البصري، إلى كونه متعينًا ومتحققًا كصورة أمام أعيننا. صارت الوثيقة المصورة سينمائيًا دليلاً ورمزًا لذلك التطور، وهي ترمز للعلاقة المفترضة التي تجمع بين حقل التاريخ وعالم المرئيات، إذ من خلالها يمكن التأريخ بواسطة الصورة. ومثلما ينهل التاريخ من عالم السينما أو المرئيات، فإن هذا الأخير بدوره ينهل من معين التاريخ والحضارة، ويعالج قضايا واقعية تاريخية بالاعتماد على تقنيات الحكي والسرد في الغالب، وعلى ما تختزنه الأرشيفات من وثائق وصور(1).

تزداد أهمية التاريخ والسينما كثنائية تجمع الجوانب الفكرية بالجمالية ليس فقط بالنسبة للدراسات المرتبطة بالسينما ووسائل الإعلام، بل أيضًا بالنسبة للمؤرخين. كما أن العلاقة بين الخطاب السينمائي والخطاب التاريخي تستجيب إلى عدد من المتغيرات وتنهل من عدة مرجعيات، حيث يمكن للخطابين أن يرتبطا بتاريخ السينما وتاريخ أنماط تناول السينما للواقع أو الأسئلة التي يمكن أن تطرحها السينما على المؤرخين أو العكس.

وفق هذا الفهم الأولي للعلاقة بين التاريخ والسينما، يمكن أن نطرح التساؤلات التالية: كيف يتم تناول التاريخ في الخطاب السينمائي؟ وكيف تساهم السينما في النقاش التاريخي؟ وهل يمكن اعتماد السينما كوثيقة تاريخية؟ وما هي حدود ومنهجية توظيف السينما في البحث التاريخي؟

1 - التاريخ في مرآة الفن السابع

إن مسألة قراءة التاريخ في السينما ليست بدعة نظرية، فمن المعروف أن التاريخ وأحداثه وانعطافاته وأزماته كان دائمًا أحد المواضيع والآفاق المرجعية المفضلة للسينما والتي لم تتوقف، منذ اكتشافها على يد الأخويين الفرنسيين لوميير (Lumière) في أواخر القرن التاسع عشر، عن عملية سبر أغوار التاريخ، سواء أكان تاريخ الأمم والأحداث الكبرى، أو تاريخ النخب أو الناس العاديين وصول إلا تاريخ السير أو الذات عبر ما سمي بأفلام السيرة.

لقد أدرك السينمائيون ومنذ وقت مبكر أهمية المواضيع التاريخية في السينما كمواضيع أساسية قادرة على جلب وتحقيق فرجة سينمائية جماهيرية من جهة، ولبناء الوعي التاريخي والوطني وبالتالي التأثير في الأحداث عن طريق تعبئة الجماهير للمساهمة في صنع التاريخ من جهة أخرى.

إن الاهتمام بأهمية التاريخ في مجال السينما سيتزايد في الآونة الأخيرة، وذلك من خلال البرامج الوثائقية الخاصة بالتاريخ والتراث، وأساسًا على مستوى التلفزيون. ولعل في هذا الأمر دليل على وعي الفاعلين في مجال الإنتاج السينمائي والتلفزي بأفضلية الاستفادة من المعطيات التاريخية والحضارية حيث أصبحت المجالات التاريخية تستقطب اهتمام هؤلاء؛ ذلك أن المزج بين المعرفة التاريخية وفضاء الصورة يمكن لا محالة من إغناء المشهد السينمائي، كما سيساهم في دعمٍ للإنتاج السمعي-البصري.

وإذا كان التاريخ قد أثبت خصوبته وثراءه بالنسبة للأعمال السينمائية(2)، فكيف يكون الحال معه؟ وما هي الإضافات الممكنة التي يمكن للسينما أن تقدمها للتاريخ ؟ وهل يمكن اعتبار السينما كوثيقة تاريخية لا تقل أهميتها عن باقي المصادر الأخرى؟

2 - السينما كوثيقة تاريخية مرئية

بخلاف السينما التي استطاعت أن توظف التاريخ في إنتاجها سواء في مرحلة السينما الصامتة أو مرحلة السينما الناطقة، فإن اهتمام المؤرخين بمجال الوثيقة السينمائية المصورة ظل ضعيفًا، ولم يتنبه هؤلاء إلى أهمية السينما بالنسبة للكتابة التاريخية إلا في فترة متأخرة جدًّا. ويفسر مارك فيرو (Marc Ferro) وهو أحد الرواد المعاصرين في مجال توظيف السينما في ميدان الكتابة التاريخية سبب هذا التأخر في كون  المؤرخ الذي اعتاد الاستناد في عمله على وثائق موقعة ومضبوطة الهوية لم يكن مهيأ لاستعمال الفيلم وهو وثيقة لا يعرف صاحبها. ففي بداية القرن العشرين كان الفيلم ينسب إلى الآلة التي صورته، ولم يكن المُشرّع يعترف بأن للفيلم مؤلفًا تحق نسبته إليه. ففي فرنسا مثلاً، ظل المشرع لمدة طويلة يعتبر كاتب السيناريو هو صاحب الفيلم متجاهلاً بذلك دور المخرج. بالإضافة إلى ذلك يمكن القول بأن المؤرخ في هذه الفترة كان متشبعًا بثقافة عصره، وهي ثقافة كتابية لا تعترف إلا بالوثيقة المكتوبة ولا تعير كبير اهتمام للصورة وهي حتى يومنا هذا لازالت كما هو الحال في نشرات الأخبار، تنسب إلى الشركات التي تملكها دون أصحابها الفعليين. ولهذا يرى مارك فيرو بأن الفيلم لم يكن بإمكانه في ظل هذا المناخ الاجتماعي والثقافي أن يفرض نفسه على المؤرخ كمصدر من مصادر المعرفة التاريخية(2). فالمؤرخون ولاسيما أولئك الذين دأبوا على تقديس الوثيقة المكتوبة والأرشيفات، لم يتقبلوا واقع الحوامل الجديدة من أفلام سينمائية و ومواد سمعية بصرية... إلخ، ولم يتحمسوا لتبنيها بوصفها مصادر لا تقل قيمة وأهمية عن الوثائق الأرشيفية أو المصادر الشفوية. وحتى وإن أدركوا أهميتها، فإن توظيفها بالنسبة للبحث التاريخي بقي أمرًا محدودًا وناقصًا جدًّا ولم تعد الصورة أو الوثيقة المصورة وفي أفضل الأحوال، سوى مجرد أداة بيداغوجية وإيضاحية ووسط خطاب تاريخي مؤسس على المكتوب وقائم عليه. والحق أنه كان لهذا الاحتراز على المكتوب ما يبرره، ذلك أن التعاطي مع الصورة يفترض كشرط مسبق لأي توظيف تعلم لغة جد مخالفة للمكتوب(3).

إن الرفض والتجاهل اللذين قوبلت بهما الوثيقة السينمائية المصورة من قبل المؤرخين الكلاسيكيين، سرعان ما سيبدأ بالتراجع، وبالتدريج بدأت نظرتهم إلى الصورة السينمائية تتغير حيث أصبح هؤلاء أكثر اقتناعًا أكثر من أي وقت مضى بالإضافات المهمة للصورة  بشكل عام والسينما بشكل خاص في كتابة التاريخ الحاضر. ناهيك عن مساهمتها في ترويج المعرفة التاريخية وبناء الوعي التاريخي فالفيلم هو أولاً وقبل كل شيء شهادات مصورة في مجالي الذاكرة والتاريخ(4).

ليست السينما مجرد فن شعبي يستقطب الجماهير، وإنما أضحت خطابًا مرئيًا يحمل في طياته صناعة تاريخية بفلسفة الواقع؛ فالسينما كما يراها المخرج السينمائي الفرنسي جون كوكتو (Jean Cocteau) هي كتابة على الشاشة نسجل من خلالها حركة التاريخ والمجتمع(5). ولا تقف أهمية الصورة السينمائية بالنسبة للتاريخ عند هذا الحد، بل إنها قد تصبح دليل إثبات الشيء من عدمه. ولعل هذا هو ما حدث بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ودحر الحلفاء بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية لدول المحور بزعامة ألمانيا النازية. فقد قام القاضي الأمريكي المكلف بمحاكمة زعماء النازية ولأول مرة بعرض مجموعة من الأفلام الوثائقية عن الحرب وقع تصويرها من الطرفين وفي مناطق مختلفة من ساحات تلك الحرب الكونية الدامية. ولقد اعتبرت العديد من تلك الأفلام بمثابة وثائق كما ذهب إلى ذلك «المحلفون» أو الخبراء أي أنها عبارة عن حجة إثبات لاتهام قادة النازية. هكذا أصبحت الصورة الفيلمية الوثائقية ليس فقط وثيقة، بل أداة للتقصي والمحاكمة في جرائم الحرب.

وخلافًا للمؤرخين الكلاسيكيين الذين أغفلوا قيمة الخطاب السينمائي، ينهل المؤرخون المعاصرون من هذا الخطاب باعتباره وسيلة لتمثل الواقع؛ ومحاولة لإعادة استقراء وقائع تاريخية حدثت بالفعل، وهي فرصة أيضًا لترى رأي العين حدثًا ظل حبيس كتب التاريخ أو تصورات درامية موجهة. إذن يمكن الحديث عن ما يمكن تسميته التاريخ المرئي أو المنظور بكل ما يعنيه ذلك من هاجس الموضوعية في إعادة رسم الأحداث كما كانت، عملاً بمقولة إن الصورة قد تغني عن آلاف التعاليق والنصوص(6).

تم الانتباه منذ وقت مبكر، إلى الأهمية البالغة التي يمكن أن توفرها الصورة كمصدر تاريخي. ففي سنة 1898 صرح بوليسلاس ماتيزوسكي (Boleslas Matuzewski) أن الصورة السينمائية المتحركة ينبغي أن تفرض نفسها مصدرًا جديدًا للتاريخ. فالشريط السينمائي ومعه التجربة السينمائية لا يمثلان فقط وثيقة تاريخية، بل قطعة من التاريخ(7). حيث تعتبر عناصر الفيلم، نوعًا من المعطيات التاريخية لها نفس القيمة التي تعطى للمعطيات التاريخية الموجودة في الأرشيفات المعروفة(8). فالتمثلات والمعتقدات هي كذلك معطيات تاريخية توجه سلوك الأفراد والجماعات، فلا يكفي وجود الشيء، بل يجب الاعتقاد بوجوده، والاعتقاد بوجوده يكون أحيانًا أهم من وجوده الفعلي(9).

تعد مدرسة "الحوليات" أول من بادر إلى التنبيه حول الأهمية التي قد تمثلها السينما بالنسبة للمؤرخ، ومن الطريف أن تكون تلك المبادرة قد صدرت عن مارك بلوخ منذ 1935. فقد كتب إلى زميله لوسيان فيفر في 20 ديسمبر من السنة نفسها: «إن السينما هي من أطرف الظواهر في زمننا هذا، وهي من أعجب البارومترات الثقافية والاجتماعية التي نملكها اليوم... إنها حقًّا ذو فائدة كبيرة بالنسبة لنا»(10). وموازاة مع ذلك  تدعم الاتجاه الرامي إلى لفت الأنظار إلى السينما وأهميتها بالنسبة للمؤرخين وخاصة في سنة 1958 من خلال مقال جد هام للمؤرخ روبير ماندرو (Robert Mandron) والذي صدر بالحوليات(11)، وفيه إبراز للإضافات التي يمكن للسينما أن تقدمها للمتخصصين في تاريخ العقليات؛ فالفيلم يمكن اعتباره كيفما كان نوعه شهادة على عقلية منتجيه ومستهلكيه وتصورات مجتمعهما أكثر مما هو إعادة بناء واقع الذين يؤرخ لهم. وهو أيضًا أداة فعالة لنشر التصورات التاريخية؛ والمقصود بتلك التصورات النظرة العامة التي يحملها كل مجتمع عن ماضيه وعن أهم مراحل تاريخه، وهي تصورات نجدها منتشرة عند غالبية الشرائح الاجتماعية.

إن مسألة لفت الانتباه إلى أهمية توظيف السينما في البحث التاريخي سيتواصل عبر الزمن وهذه المرة من خلال ما جاء في الكتاب الجماعي المعنون: «التاريخ ومناهجه» عام 1961، والذي أكد بدوره نفس الأهمية التي ينبغي إيلاؤها مستقبلاً إلى الصورة والسينما في كتابة التاريخ ومحاولة فهمه. ومما قاله جورج صادول (Sadoul Georges) في هذا الخصوص: «مهما كان جنس الأفلام فإنها تشكل في المستقبل كنوزًا لا تضاهى. وهي تمس التاريخ بصفة عامة فضلاً عن التقاليد واللباس والفنون بما فيها السينما واللغة والتقنية»(12).

وبالرغم من كل تلك النداءات التي حملت بين ثناياها دعوة للمؤرخين إلى ضرورة توظيف السينما في البحث التاريخي، فإن إدراك هؤلاء لهذه المسألة بقي جد محدود وضعيف. وكان لا بد من انتظار أعمال كل من مارك فيرو وبييرسورلان (Pierre Sorlin) ليتكرس القبول نهائيًا بالشريط السينمائي كمصدر رئيس بالنسبة لمؤرخ المجتمعات المعاصرة الذي أصبح يكتب التاريخ باللغة السمعية البصرية. وهو ما حفزهم وجعلهم يقبلون على تعلم مناهج تفكيك رموز هذا النوع المتفرد من المصادر والتي ما انفك حجمها يزداد ويتعاظم (13).

أكد مارك فيرو وهو المؤرخ الذي تحول إلى سينمائي مختص في استعمال الوثيقة المرئية، أهمية السينما بالنسبة للكتابة التاريخية المعاصرة. ومما قاله في هذا الخصوص: «يجب ألا ينظر إلى الفيلم بوصفه عملاً إبداعيًا، ولكن بوصفه منتوجًا وصورة موضوعًا ليست لها معان سينماتوغرافية فحسب...»(14). اعتبر مارك فيرو أيضًا الفيلم كوسيلة لإدراك الوجه الآخر للمجتمع وإسقاط مجموعة من الأقنعة عنه. فتحليل أشرطة الأخبار التي تحكي تظاهرات بيتروغراد بين فبراير وأكتوبر سنة 1917، يبدو مثلاً، وحسب مارك فيرو أنها تبين أن المتظاهرين كانوا غالبًا جنودًا أكثر مما كانوا عمالاً(15). ويذهب بيير سورلان إلى اعتبار الفيلم «تعبيرًا إيديولوجيًا مخصوصًا ووسيلة لتمرير تمثلات اجتماعية»(16).

إن التفاعل بين السينما والتاريخ يتم بشكل طبيعي لأن الفن السابع ينهل مواضيعه من الوقائع التاريخية(17). فالفيلم الوثائقي باعتباره جنسًا سينمائيًا، ينهل من معين التاريخ وهو يقوم أساسًا على سرد يروي أحداثًا تاريخية مستوحاة من واقع شعب أو شخصية تاريخية أو حدث ما. ومثلما تنهل السينما من التاريخ، فإن السينما بدورها تغني التاريخ، وهي تدفع المؤرخ إلى تحسين تعامله مع السرد والزمن فلا سرد بدون زمن ولأن الزمن هو السرد بالفعل، فالزمن هو موضوع كل سرد، كيفما كان نوعه، تاريخيًا أو سينمائيًا أو أدبيًا. بحيث لا يمكن أن نسرد إلا إذا كان هناك زمن. وكأن الزمن هو الصورة القبلية التي بدونها ليس هناك سرد (18).

وإذا كانت السينما هي سرد للواقع نفسه عن طريق مقتطفات مختارة من هذا الواقع ومرتبة، بينما التاريخ هو سرد للواقع بكلمات، أمكننا القول بأن كل فيلم ما هو إلا تاريخ لوقائع مرتبة، أي يعاد ترتيبها. ومن هذه الزاوية يمكن أن نفهم أيضًا جوهر الاختلاف بين المقاربتين السينمائية والتاريخية للحدث. فالتاريخ وبخلاف السينما يسعى إلى أن يكون تفسيرًا وفهمًا للحدث وليس سردًا له، ويتم ذلك من خلال فهم وبناء الزمن الواقعي عبر الزمن السينمائي.

في نهاية هذا التحليل يمكن التأكيد مجددًا بأن السينما هي وثيقة الصلة بالتاريخ منذ نشأتها إلى يومنا هذا، فولادتها كانت تتغذى من التاريخ ووقائعه وأحداثه وأصبحت بدورها تاريخًا يروى، أي أنها أصبحت تاريخًا في الوقت التي ظهرت فيه قبل قرن من الزمن(19). لكن هذا التدوين ليس بريئًا فالوثيقة السينمائية يمكن أن تخضع لاعتبارات إيديولوجية أو عرقية أو دينية أو لحسابات سياسية أو مصالح اقتصادية وعسكرية إلخ... بمعنى أن السينما قد توظف لخدمة تيار سياسي معين أو قضية معينة أو لتبرير الهيمنة الاستعمارية وإضفاء طابع المشروعية عليها(20). وهو ما قد يبعدها عن الحقيقة ويسقطها في متاهات التأويل والتزييف. وكمثال على ذلك يمكن أن نشير إلى الوظيفة الدعائية والتضليلية للسينما النازية والفاشية خلال الحرب العالمية الثانية. إن الصورة السينمائية لم تكن أبدًا محايدة في تعاملها مع أحداث وشخصيات التاريخ المعاصر، ومن هنا نفهم إنتاجها لخطابات متعددة تختلف باختلاف مواقع أصحابها وباختلاف قناعاتهم الفكرية والفنية، فالحدث الواحد قد يختلف تناوله من سينمائي إلى آخر باختلاف الخلفية الإيديولوجية التي تحركه وتجعله يركز أثناء التصور الوثائقي على جوانب معينة بينما قد يخفي أو يتغاضى عن جوانب أخرى. ولعل هذا الأمر هو جوهر الاختلاف بين الخطابين السينمائي و التاريخي هذا الأخير يطرح نفسه كونه علمي النزعة وليس استعراضي النزعة كما هو الحال مع الخطاب السينمائي(21).

إن التأكيد مجددًا على أهمية السينما بالنسبة للبحث التاريخي لا ينبغي أن يحجب عنا الصعوبات والإشكاليات التي تثيرها الوثيقة السينمائية كوثيقة مرئية قد توجهها عدسات الكاميرا وفق ما يراه صناع الفيلم. ولذلك وجب توخي الحذر أثناء التعامل معها والتسلح بعدة منهجية تمكن من قراءتها(22). وإذا اعتبرنا بأن كل فيلم وثائقي هو نص تاريخي، فإذا وجدناه فكيف نقرأه ونستغله في البحث التاريخي؟ جوابًا على هذا السؤال الإشكالي يمكن القول إن تعامل المؤرخ مع الفيلم الوثائقي هو في جوهره عمل مشابه لتعامل المؤرخ مع الوثيقة المكتوبة فهو كذلك يسعى لتمييز النسخة الأصلية عن النسخة غير الأصلية متبعًا مقاييس محددة وتقنيات مضبوطة مبنية على ما هو معروف في صناعة السينما وتقنياتها في مرحلة من مراحل تطورها،سواء فيما يتعلق بالتصوير وأدواته أو بالعرض وتقنياته أو بالتلوين وأساليبه أو بالصوت أو تسجيله، وغير ذلك من المسائل التي تجعله يضبط نوعية الفيلم وطبيعته وما قد يكون قد تعرض له من تغيير أو تطوير، وما أكثر ذلك في تاريخ السينما(23).

 

المراجع:

(1) ريجيس دوبري، حياة الصورة وموتها، ترجمة فريد الزاهي، الدار البيضاء،  أفريقيا الشرق، 2000، ص: 282.

(2) كثيرة هي الأعمال السينمائية الأجنبية والعربية التي اتخذت من التاريخ موضوعًا لها من ذلك نذكر على سبيل المثال لا الحصر الأفلام التاريخية التالية: ابل جانس في فيلم "نابليون- 1926 – 1935" واندريه فايدا في فيلم "دانتون- 1981" الذي يبقى أفضل تعبير عن الثورة الفرنسية. فيلم "من قتل كنيدي"، للمخرج أوليفر استون و فيلم "الرسالة" للعقاد و"الناصر صلاح الدين"، "المصير" ليوسف شاهين وفيلم "ناصر 56" لمحمد فاضل وفيلم "أنور السادات" لمخرجه محمد خان ...إلخ وفي المغرب يمكن أن نذكر فيلم "جارات أبي موسى" للمخرج عبد الرحمان التازي 2003، و"درب مولاي علي الشريف لحسن بنجلون" 2004... وإلى جانب هذه الأعمال السينمائية التاريخية هناك أيضًا بعض البرامج الوثائقية التلفزية التي  تتضمن بعدًا تاريخيًا من ذلك مثلاً أرشيفهم وتاريخنا وهو برنامج وثائقي تعرضه قناة الجزيرة القطرية. ويعود أصل الفكرة إلى محاولة قراءة التاريخ العربي المعاصر وخاصة في العهد الاستعماري وكل ما له صلة بتأسيس الدول العربية الحديثة انطلاقًا من الوثائق والأرشيف الغربي القابع في المؤسسات الأوربية.

(3) Marc Ferro, Cinéma et histoire, Paris, Gallimard, 1993, p. 31 -32 .

(4) Ibid., p. 32.

(5) -Annie Dupart , «Histoire et image», in Christian Delacroix, François Dosse, Patrick Garcia, et Nicolas Offenstadt, (dir.), Historiographies, volumes 1, Concepts et débats, Paris, Gallimard, 2010, p. 309.

(6) عبدالله ساورة: "السينما بالمغرب: تأملات أولية"، مجلة فكر ونقد، عدد مزدوج 49-50، مايو-يونيو 2002، مقال على الخط: http://www.aljabriabed.net/n49_11saora.htm تاريخ الدخول إلى الموقع: 12/06/2013.

(7) جواد بشارة: "مراجعات في السينما التاريخية: التحول من نصوص التاريخ إلى الخطاب المرئي"، الحوار المتمدن، العدد 1041، بتاريخ 18 ديسمبر 2004.

(8)Boleslas Matuzewski, Ecrits cinématographiques. Une nouvelle source de l’histoire. La photographie animée. Paris, AFRHC/ Cinémathèque française, 2006, p. 216.

(9)Jean-François Soulet , L’Histoire immédiate, L’histoire immédiate historiographie, sources et méthodes, Paris, Armand Colin, Collection U, 2009, p. 163.

(10) Marc Ferro, «Le film : une contre analyse de la société», in Jacques Le Goff & Pierre Nora (dir.), Faire de l’histoire t. III : Nouveaux Problèmes, Paris, Gallimard, 1974, p. 321.

(11) Christian Delage, «L’histoire au cinéma», in Christian Delacroix, François Dosse, Patrick Garcia, et Nicolas Offenstadt, (dir.), Historiographies. Volumes 1 Concepts et débats, Paris, Gallimard, 2010, p. 323.

(12)  -Robert Mandron,  «Histoire et cinéma», Annales E.S.C, janvier- mars, 1958, p. 140- 149.

(14) Georges Sadoul, «Photographie et cinéma», in Charles Samaran (dir.), L’histoire et ses méthodes, Bibliothèque de la Pléiade, Paris, Gallimard, 1961, p. 771 -782    

(13)François Garçon, «Le film, une source historique dans l'antichambre», Bulletin de l'IHTP, n°12, 1983, p. 30-56.

(14) Jean-François Soulet , L’Histoire immédiate, op.cit, p. 163.

(15) Marc Ferro, «Le film : une contre analyse de la société», op.cit., p. 336-256 et 315- 319.

(16) Pierre Sorlin, Sociologie du cinéma, Paris, Aubier, 1977, p.23-25.

(17) قاسم عبده قاسم: "هل هناك أفلام تاريخية عربية"، ضمن كتاب إعادة قراءة التاريخ، الكويت، مجلة العربي، 2009، ص: 89.

(18) نور الدين الصايل: "حكي الزمن"، ضمن كتاب التاريخ والسينما، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك، الدار البيضاء، 1993، ص: 18.

(19) Mohamed Dahane, «Cinéma et recherche socio-historique», in Cinéma, histoire et société, (sous la direction) Publications de la Faculté des Lettres et des Sciences Humaines de Rabat, 1995, p. 11.

(20) Voir à ce propos l’ouvrage, publié en 1998 à Paris, d’Abdelkader Benali, Ed Le Cerf,  Le cinéma colonial (préface de Benjamin Stora) qui a sélectionné 44 films muets et parlants, tournés dans les trois pays du Maghreb, entre les années 1920 et 1940.

(21) François Garçon & Pierre Sorlin, «L'historien et les archives filmiques», Revue d'histoire moderne et contemporaine )RHMC(, n°38, 1981, p. 344357.

(22) Georges Duby, «L'historien devant le cinéma», Le Débat, n°30, mai 1984, p. 81- 86

(23) محمد العيادي: "إمكانات توظيف السينما في البحث التاريخي"، ضمن كتاب التاريخ والسينما، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك، الدار البيضاء، 1993، ص: 63.


عدد القراء: 443

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-