بهجة وبهيج في القرآن الكريمالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2018-06-16 02:51:05

مرام سعيد أبو عشيبة

الأردن

إنّ القرآن الكريم معجزة رسولنا الكريم الباقية إلى قيام الساعة، فالقرآن الكريم بحرٌ زاخرٌ مفعمٌ بالقضايا وهو معجزٌ بألفاظهِ ومفرداتهِ وكلماتهِ وحروفهِ ومعانيهِ المتجلية في آياتهِ وسورهِ طوالاً وقصارًا، فإننا لنلمح ونلحظ مدى عناية القرآن الكريم باختيارِ وانتقاءِ اللفظةِ القرآنية فلا تطغى لفظة على لفظة ولا حرف على حرف، فما يستعمله القرآن الكريم في موضعٍ لا يستعمله في موضع آخرَ إلا لمعنى زائد على المعنى الأول، ومن هنا فإن للدلالة المعجمية أو المحتوى المعجمي وتتبعه أثر طيب واضح خلاب في استحضار وجلب الدلالات المعنوية وأبعادها وأحوالها المتنوعة، ومن هذه الألفاظ التي لها دلالات معجمية متغيرة المعاني والظلال والأبعاد والمدلولات لفظة البهجة وبهيج في القرآن الكريم، فعند تتبعِ مدلولها وبناؤها المعنوي وعند اقتفاء معناها الدلالي المراد منها استنادًا إلى السياق القرآني تبين أنها مرت في تطور دلالي معجمي فمعانيها متنوعة، فهي هنا منصبة على ما حسن لونه ونضارته وجماله، فالقرآن الكريم اعتنى بذكر لفظتا البهجة وبهيج إذ وردت ثلاث مرات بصيغة الاسم الدال على الثبوت والدوام وذلك في سياق الحديث عن الأرض التي تبهج بنباتها وشجرها، ففي سورة الحج المدنية وق المكية جاءت لفظة بهيج وهي صفة مشبهة على وزن فعيل.

إن سورة الحج سورة تقرع القلوب إذ أنها تتحدث في بدايتها عن أهوال قيام الساعة وعن تكبر وتجبر المشركين وشكهم في يوم البعث بضرب المثل لهم، فإن الله يحي الموتى كما يحي هذه الأرض الهامدة بالماء قال تعالى: (وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) (الحج:5)، فعند تتبع سياق الآية نجد أن لفظة بهيج قد جاءت في سياق الحديث عن البعث وإنكار المشركين له وتذكيرهم بأن الله قد خلقهم من تراب وأن الإنسان قد مر بمراحل عدة وشتى، فكان الإنسان ترابًا ثم نطفةً ثم علقةً ثم مضعةً كاملة الخلق ثم أصبح الإنسان طفلاً فشابًا فشيخًا هرمًا، وإن هذه الأرض لتكون هامدة لا حياة فيها ولا ماء يحيها الله فينزل المطر فيدب بها النشاط وتربو فتنمو النباتات ذات الألوان والأشكال المختلفة البهيجة النضرة اليافعة اليانعة الناضجة. (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) سورة (ق:7)، إن سياق سورة (ق) يدور حول الحديث عن القرآن الكريم وتكذيب المشركين ليوم البعث وأن العذاب ينتظرهم يوم القيامة كما تتحدث عن نعيم الآخرة وما ينتظر المؤمنين من نعيم لذلك فإن لفظة بهيج جاءت في سياق الحديث عن المشركين وإنكارهم للبعث وتكذيبهم بالحق الذي جاءهم ثم ساق لهم القرآن أدلة من الكون تثبت وتبين لهم بأن هناك بعثًا فلم يأت هذا الكون هكذا فها هي الأرض قد مدها الله وبسطها وجعل فيها الجبال الراسخات الثوابت وجعل فيها وأنبت فيها النباتات والأشجار ذات الألوان والأشكال الحسنة فما ذلك إلا لمن تبصر وكان له قلب ولب يعقل بأن هناك بعث وحساب.  

وفي سورة النمل المكية جاءت لفظة بهجة على وزن فَعْلة قال تعالى: (أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَءلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ) سورة (النمل:60) فقد سيقت اللفظة في سياق الحديث عن المشركين وعبادتهم للأوثان من دون الله ثم ساق لهم بديع صنع الله في الكون فقد أنزل المطر فينبت المطر النبات ويحي الأرض والحدائق ذات بهجة وحسنٌ وجمال ورونق، فهذا كله بقدر من الله وهذا المطر خلق من خلق الله فما كان للمشركين لولا الله ولولا أن أنزل الله المطر فلن ولن يجعلوا الحدائق ذات بهجة.

من خلال ما سبق تبين أن لفظة البهجة وبهيج يسوقها ويأتِ بها القرآن في سياق إنكار المشركين ليوم البعث حيث أراد أن يضرب لهم مثلاً بأن البعث كإحياء الأرض الميتة فهي أمثال قد ضربها القرآن لهم لتقريب الصورة لهم استمالة لقلوبهم وعقولهم ولكنهم لم يستجيبوا لنداء القرآن في التفكر في آيات الله في الكون.


عدد القراء: 327

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-