مرايا الذّات في «المابين» البرزخيّالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2019-02-05 13:09:19

د. سُميّة عزّام

المعهد العالي للدكتوراه الجامعة اللبنانية

غالبًا ما نعرّف البرزخ بأنّه الحدّ الفاصل بين شيئين، أو الأرض الضيّقة بين مجالين مائيّين. قد نفكّر بهذه البداهة في رسم حدود المعاني للمسمّيات. لكن، ماذا يحدث لو ذهبنا في اتّجاه دلالي متباين مع تلك الحدود، بأن يكون البرزخ مجال التلاقي والجمع لا الفصل، وفضاءَ ذهاب وإياب يجوبه العابر بينهما؟

تنسحب اللاحتميّة في الإجابة عن سؤال البرزخيّة من الحيّز الجغرافي إلى مجالات الفن، لا سيما الأدب واللغة؛ حيث صراع التصوّرات حول لانهائيّة الرؤى إلى الكتابة والقراءة، بوصفهما مكان تشريح العالم والذات الإنسانيّة، ولمّ ما تبعثر في فضائهما.

لعب العناصر بتجاور الاختلاف والائتلاف في دلالاتها يحضر في اللغة، والذات القلقة  تنعكس تاليًا، تحجّبًا وتكشّفًا في ما يُكتب. فكيف يتبدّى لنا فهم استعارة المرايا في النص، وحضور الهويّة في المابين؟

مرآة القراءة: انصهار الآفاق

للقراءة وظيفة وجوديّة تزيد من حساسيتنا للتمييز بين عالم الأصالة وعالم الزّيف والموات. فالضّياع في الابتذال يعني عدم الاكتراث بالوقت وإفساده بمطاردة الأحداث والهمّ المعيشي اليومي من غير تفكّر في ما وراء الحدث، وما يعدّل من مساره. والقراءة أنواع؛ بعضها ليس ذا قيمة تحويليّة، إنّما يزيد من إغراق الذّات في اليوميّة ويبعدها عن مشروعيّتها؛ إذ إنّ مهمّة الإنسان أن يصير أكثر جمالًا.

   إذا كانت أصالة المشاريع تتبدّى في القراءة،  فأيّ نوع من القراءات يسهم في تغيير حال الذّات القارئة إلى حال أفضل، بمعنى أيّها الأكثر عمقًا وقدرة على استثارة وجدان القارئ وجعله يسبح في عالمها؟

سؤال يفضي إلى طرح مفهوم الكيفيّة: كيف ينبغي أن نقرأ؟

القراءة تَعدُل الفهم، أو إنّها وسيلة غايتها الكشف، فيها تأمّل الذّات وسكينتها. والقراءة الأولى لا يُعتدّ بها؛ في البداية لا نرى سوى الكلمات، بعد وقت تتراءى لنا الصّور وظلال المعاني. ما يعني أنّ الفهم يقتضي تمثُّل المعارف المطروحة في النصوص وهضم المقروء، وتاليًا ضرورة وجود مسافة زمنيّة، أو فاصل للتفكير واستحضار الصّور. هكذا، يبرز التمثّل  إعادة إنتاج المعاني، تمامًا كعمل النّحلة بتحويل الرّحيق إلى عسل.

تفضي التجربة الشّخصيّة للذّات القارئة ومساهمتها في التأويل إلى فهم تجربة الآخرين ومعاصرتهم. هذه المسألة تناولها كلّ من الفيلسوفين هانس غيورغ غادامير وبول ريكور بإطلاق مفهوم "انصهار الآفاق". فالمعاصرة هي فهم الذّات في ضوء تجربة الماضي، وفهم الماضي انطلاقًا من حاضر الذّات لتنصهر التجربتان أو الأفقان: أفق الماضي وأفق التوقّع المستقبلي الذي يهرّب فيه النص أحلامه وتصوّراته، ويصرّح بعالم آخر ممكن.

هذا الانصهار للتجربتين تصحّ لنا تسميته بـالتّمرئي في ما يكتبه الآخرون. إن كان ما يخطّه المرء على الورق هو بمنزلة مرآة لنفسه وأحوالها، فالقارئ يرى ظلّه في ما يقرأ، لتتكشّف له زوايا مظلمة. تحضر في هذا المقام استعارة "مرآة هيرودوت" التي تُري العالم، وتعكس ليس ذات الكاتب وحسب، بل أي شخصيّة لها وجود مرجعي خارج النّصّ التّخييلي. هي مرآة تعكس فيها غيريّته، ويقرأ بوساطتها هويّته. وهي بمنزلة حركة دائبة للخروج من الذّات والانفتاح على الآخر. وما قول الشاعر المكسيكي خوسّيه إيميليو باتشيكو (1939- 2014) إلا تأكيد لمعنى القراءة ووظيفتها: "نحن لا نقرأ الآخرين، نقرأ أنفسنا فيهم. يبدو لي إعجازًا أنّ واحدًا لا أعرفه يمكنه أن يرى نفسه في مرآتي".

نلحظ في العديد من تجارب الكتّاب انسحاب الفرد من فضائه الواقعيّ اليوميّ الذي يجمعه مع الآخرين إلى فضاء "قرائيّ"، بمجاز التعبير؛ حيث يلتقي بالآخرين بالمعنى الحقيقي للّقاء. فنخال العزلة ها هنا، ضربًا من ضروب الوجود مع الآخرين. كيف إذا كانت هذه العزلة عزلة التزاميّة في خيار حرّ تجلّلها القراءة والبحث؟

مرآة الكتابة: من قلق السؤال إلى رجاء الإجابات الممكنة

تتجلى القراءة "كلمة مفتاحًا"، وجواز عبور نحو الكتابة؛ فبداية كل كتابة غالبًا ما تكمن في القراءة، لتغدو الكتابة تمثُّل القراءات السابقة واستحضارُها، لكن ليس بطريقة نسخيّة أو وصفيّة، بل من طريق استدعاء كلّ ما قُرئ، وإعادة تشكيله في ضوء التّجربة الذّاتيّة للكاتب، ما يستدعي تلازم حضور عاملَي الترسّب والإبداع في النص.

والإجابة عن سؤال الكتابة تتعدّد بتعدّد المشتغلين بها. فلنتأمّل قول رولان بارث في أنّ فعل الكتابة يعني إشعال معنى العالم، ووضع سؤال غير مباشر لا يجيب عنه المؤلف، بل ينبغي أن يجيب عنه كل واحد منا. غير أنّ جواب العالم عن سؤال المؤلّف هو بلا حدود. نحن لا نتوقف عن الإجابة عمّا سبق أن كُتب. لذا،  فإنّ المعاني وهي تتأكّد وتتصارع تمرّ ويبقى السؤال.  تحت هذا العنوان وضع بول ريكور كتابه "صراع التأويلات".

لكن، عدم إجابة المؤلف عن أسئلته المُفترضة يُقصيه، في قول بارث. ألا يكتشف الكاتب، وهو يكتب، عن العالم أشياء كان يجهلها من قبل؟ إنّما نخال اللغة هي التي تتكلم، ويتقدّم دورها في مقدرتها على الإعلان عن نفسها بوصفها مكان المساءلة، ومكان التكشّف.

في مكان آخر، يعزو بارث دور الكتابة إلى أنها ردّ على كل إيديولوجيا، والتزام اجتماعي. واصفًا الكتابة أو القراءة المماثلة للكتابة، بأنّها آخر مقاطعة غير مستعمرة يمكن للمفكّر أن يلعب فيها. اللاالتزام يردّ عليه الوجودي جان بول سارتر في كتابه "ما الأدب؟" موضّحًا دور الكاتب الالتزامي الذي يدرك أن الكلام عمل، ويعلم أن الكشف نوع من التغيير، ولا يُستطاع الكشف عن شيء إلا حين يُقصد إلى تغييره. بهذا المعنى، فإنّ الكاتب قد اختار لنفسه رسالة الكشف عن سرّ الإنسان، لكي يتحمّل الناس بعد ذلك كل تبعة تنجم عمّا يتّخذون من مواقف.

ما حاجتنا إلى الكتابة؟

في أيّ كتابة دعوة ضمنية للقارئ إلى إعادة التفكير في رؤيته إلى العالم، رؤية ليست ظاهراتيّة، بل أنطولوجيّة، يستشفّ من خلالها جوهر الكيانات والأحداث والتاريخ، بوصف الماضي ليس تلك الأحداث التي مضت وانقضت، بل بما هو أمر "قد كان".

كتابة الذات: الكشف والمساءلة 

قد تكون الكتابة لدى البعض نمط وجود، والفكرة الّتي من أجلها يريد أن يحيا، ويتصوّر من خلالها حقيقة لا تكون إلّا مشاهدة للروح؛ حقيقة تُدرَك من خلال عيشها. واختيار كتابة الذات في ما يُسمّى رواية ذاتيّة، ينحو بسؤال الكتابة في اتجاهات بينيّة، هي: بين أن يتجلّى حضور الرّوائي وأناه صراحةً، بإعلانه عن اسمه، أو أن يكتفي بمؤشّرات اجتماعيّة وتاريخيّة تؤكّد وجوده وتحيل إلى ذاته المرجعيّة خارج النّصّ. وبين أن يكتب سيرته الذّاتيّة، أو يكتفي بنتف من حياته تُلمَح هنا وهناك. وحين تحضر الذّات في الرّواية، أتحضر بوصفها موضوعًا لتوثيق واقع أو حقيقة مفترضة، أم بكونها موضوعًا للمكاشفة؟!

ترى ناتالي ساروت أنّ الرّواية لم تعد وصفًا للكائنات بل تساؤلًا عن الكينونة. كما يتناول هيدغر الذات المتسائلة عن كينونتها (الدازاين) في العمل الفني، واصفًا إيّاها بأنها تقف في "المابين" القائم بين العالم والشيء. هذا العالم ليس موجودًا من الموجودات، وليس في الأشياء، بل في أفق الأشياء. إنه عالم يتعولم. ومفهوم الأفق يعني ذلك الشيء الذي كلّما اقتربنا منه ظلّ بعيدًا عن حوزتنا، ومن ثمّ تبقى طاقته عصيّة دائمًا على الاستنفاد. لذا، فإنّ كل تجربة يطرحها لنا هذا العالم تنطوي على شيء من هناك، يبقى مجرّد إمكان، وكل الإمكانات التي تنطوي عليها تجاربنا تشكّل ما يسمّى بالعالم. 

إنّما في أيّ رواية ذاتيّة،لا بدّ من أن يتمثّل وعي الذات الكاتبة بالوظيفة الوجوديّة لنقش التّجربة، ووعيها بالوظيفة الاستشفائيّة للسّرد، وإيمان بقدرة السّرد على تمكين الموجود الإنسانيّ من تحمّل لامعقوليّة الواقع وعنفه، والخروج الآمن لذاكرته من دهاليز الماضي ومآسيه. إلّا أنّ خلق المسافة بين الذّاتين التّخييليّة والواقعيّة –المرجعيّة -  ضروريّ من أجل إنتاج وعي مغاير بالأخيرة. فالوعي بالهوّة الّتي تفصل التّفكير عن الخبرة تضع التّفكير في سياق مغترب، يسمّيه ألبير كامو "الصحراء". هذا الأثر التّغريبي ينزع الألفة عمّا تراه الذات مسلّمات كي يولّد التّناقضات لديها، فتفكّك هويّتها المقبولة.

هكذا تتموقع الرّواية الذّاتيّة، بوصفها نسيج حياة أو تجربة معيشة، في السّطح البَيني القائم بين الأدب وخارجه. في هذه "البَينيّة" لغة استعاريّة، يتقاطع فيها أفقا التذكّر والتوقّع: تذكّر ما كان، وتخيّل ما يكون، وفق رؤية تحكم السّرد. فلو أنّ العالم واضح، أكان للكلمة وجود في انتشالها الأشياء من غيابها، واستضافتها داخل عالمها اللغويّ؟

يبرز أي نصّ تخييلي فضاءً برزخيًّا؛ يتسنّى للكاتب والقارئ معًا هدم الحدود عبره بين الواقع والتّخييل. وهو بمنزلة عتبة زمكانيّة، حيث الكمون والانتظار ومجاز العبور من الإيديولوجيا إلى يوتوبيا الأحلام. هكذا، تتأسّس هويّة سرديّة تُبتنى من فَقد تبحث الذّات عن وجود "كان" له، تراه في مرآة الذّاكرة، وفَقد تبحث عن وجود "يكون" له،  ترى إليه في مرآة الحلم.   


عدد القراء: 567

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-