الرواية عند «عبدالرحمن منيف» بين المعرفة والجمالالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2019-02-05 15:57:17

د. عزيز القاديلي

المغرب

بحلول الرابع والعشرين من شهر يناير لا نستطيع إلا أن نتذكر حدث فقدان الثقافة العربية المعاصرة لكاتب كبير في مثل حجم عبدالرحمن منيف، الروائي الذي جعل الرواية العربية تدخل عصرًا جديدًا  وذلك بما أضاف إليها من أعمال روائية لا يمكن أن يختلف اثنان في قيمتها الأدبية والمعرفية.

أريد بهذه المناسبة أن أتوقف عند إحدى المبادئ أو الأسس التي كانت بمثابة منطلقات حفزت عبدالرحمن منيف على اختيار الكتابة في مجال الرواية. فمن المعروف أن هذا الروائي ساهم في فترة من فترات حياته في العمل السياسي، لكن حينما وجد أن العمل السياسي كما يمارس ضيق الأفق أو ليس بالصيغة التي يتصورها، ارتأى أن يسلك طريقًا آخر من أجل الهدف نفسه، فليست هناك طريقة واحدة للعمل السياسي، بل طرق متعددة من بينها الكتابة الأدبية على وجه العموم والروائية على وجه الخصوص. وهذا ما جعل عبدالرحمن منيف يتصور الكتابة الروائية على أنها عمل سياسي.

إن الرواية في نظر عبدالرحمن منيف نشاط سياسي رفيع لأنها تتخذ لنفسها كوسيلة الكلمة الصادقة  والعفوية، هذه الكلمة ربما في المجال السياسي المباشر يتم تجريدها من قيمتها لكثرة استعمالها ولغياب الصدق، أما في المجال الأدبي فإن الكلمة تصبح أكثر إنسانية وحرارة لأنها تنقل مشاعر الإنسان بكل تلقائيتها، إنها أولاً كلمة إنسانية تخرج من قلوب مليئة بالمعاناة، قلوب جربت التعاسة والمحن، قلوب تعيش أحلامًا في واضحة النهار، هذه القلوب التي تنقلها لنا الرواية تجعل تعاملنا معها مبني على المشاركة والتعاطف، لأنها مفعمة بالصدق و بعيدة عن التلاعبات السياسية غير النزيهة.

من هذا المنطلق اكتشف عبدالرحمن منيف طريقه نحو القارئ، وأسس لنفسه تجربته السياسية الأدبية المبنية على التعامل مع الرواية باعتبارها أداة للمتعة والمعرفة، فالرواية بسحر عوالمها، وأسلوب كتابتها، وفضاآتها، و شخصياتها، تجعل القارئ يشعر بمتعة لا معادل لها، ثم من داخل هذه المتعة التخييلية يتم تقدم معرفة تساءل الإنسان عن قضاياه اليومية والمصيرية.

لنستحضر هنا رواية (شرق المتوسط) أو رواية (الأشجار واغتيال مرزوق) أو حتى خماسية (مدن الملح)... نحن هنا أمام روايات كتبت بأسلوب شيق وممتع، تجعلك أمام لغة نابعة من صميم الفؤاد، تقرأ الروية كما لو أن الكلمات نابعة من عالمك الداخلي، مشاعرك والكلمات تتدخلان في سباق، أحاسيسك تسابق كلمات الرواية فيتداخل ما تقرأ وما تحس حتى لا تستطيع التمييز بين عالمك الداخلي والعالم الآتي من الرواية. بالإضافة إلى ذلك فروايات منيف مستفزة تحرك عالمك الداخلي الساكن والراكض، ولا بد أن تتوقف للثواني وتحاول تأمل ذاتك من جديد، فهي توقظنا من سباتنا من خمولنا، تلك هي المعرفة التي تنقلها لنا، دون أن تكون معرفة جاهزة وواضحة، إن المعرفي في روايات منيف هو أنها تنبهنا إلى حقيقة مفادها أن هذا العالم الذي نعيش فيه ليس بديهيا ولا طبيعيًا، ولا يجب أن نركن إليه، بل نحن مطالبون بالتنبه، والاستيقاظ.

هكذا يبدو لنا جليًا كم هي عظيمة تلك الأعمال الروائية التي خلفها لنا عبدالرحمن منيف، فهي ما تزال تفرض نفسها، وما تزال تعالج قضايانا الراهنة، لأن أهم قضية تصادفنا نحن العرب هي قيمة الإنسان المفتقدة، فأرخص شيء في الحياة العربية هي الشخص الإنساني، وهذا الشخص الإنساني هو ما ناضل عبدالرحمن منيف من أجله، من أجل أن نعطي القيمة والاعتبار للإنسان، فما أحوجنا إلى تعميق هذا النضال من أجل الخروج من قروننا الوسطى التي لا تقيم اعتبارًا للإنسان، والتي يبدو لها الإنسان العربي آخر قيمة يمكن التفكير فيها.


عدد القراء: 1185

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-