يرجى ربط الأحزمة... وِجهتنا هي مكَبُّ الخردة! ما هو مصير الطائرات بعد إحالتها إلى «مقبرة الطائرات»؟الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2019-02-05 17:27:10

محمد حسام الشالاتي

صحفي وباحث في علوم الطيران والفضاء - دمشق

يشهد قطاع النقل الجوي في الوقت الحالي ازدهارًا كبيرًا، حيث تشتري شركات الطيران في كافة أنحاء العالم مزيدًا من الطائرات، وتعمل شركات تصنيع الطائرات بطاقتها القصوى. وفي الوقت نفسه، يتم سحب مزيد من الطائرات القديمة من خدمة الخطوط الجوية. فبعد أعوام من نقل البشر جوًا، تخرج الطائرات عن الخدمة وتُحال إلى التقاعد، لكن عملية التخلُّص منها أكثر تعقيدًا من تلك المُرتبِطة ببقية المركبات. وتُبيِّن إحصائيات الهيئات المُتخصِّصة في شؤون الطيران إن العمر الافتراضي للطائرات مُتبايِن، لكنها لا تخرج عادةً عن مدة تتراوح بين 25 و30 عامًا، إذ تصبح غير آمنة للركاب. وتخضع الطائرات دوريًا لأعمال الصيانة التي تجعل الطائرة آمنة إذا وصل عمرها إلى 20 عامًا مثلاً، وتتركَّز أعمال الصيانة على المحركات والأنظمة المُشغِّلة للطائرات.

تعرَّف على مقبرة الطائرات

مقبرة الطائرات هي منطقة تخزين للطائرات التي تقاعدت من الخدمة. ومعظم الطائرات في المقبرة يتم الاحتفاظ بها لحين استخدام أجزاء منها أو لإزالة أجزاء منها بغرض البيع، أو تُخزَّن هناك لإعادة استخدامها أو لإعادة بيعها. وتُعَدُّ الصحاري، مثل تلك الموجودة في جنوب غربي الولايات المتحدة الأمريكية، مكانًا مُفضَّلاً لمناطق تخزين الطائرات، حيث يتواجد العديد من مقابر الطائرات، و ذلك نظرًا لما تتميز به تلك المناطق من مُناخ صحراوي مُفيد و مُساعِد على عدم تآكل الطائرات، وإصابتها بالصدأ السريع. وتستقبل الولايات المتحدة الطائرات التي انتهى عمرها، فمنها ما يتم إصلاحه، وأخرى لا تخضع لأية عملية تأهيل. كذلك توجد مقابر طائرات أخرى في دول عديدة حول العالم، مثل أستراليا والمملكة المتحدة وقيرغيزستان وكندا وإسبانيا وروسيا و الصين.

ويُعَدُّ الطيران في رحلة طائرة ما إلى مأواها الأخير في مقبرة الطائرات تجربة قد لا تتكرر للطيارين الذين يقومون بها، بل وربما يُنهي طيار ما حياته العَمَلِيَّة دون أن يتسنَّى له خوض هذه التجربة، التي يصفها بعض الطيارين بأنها "مؤلمة" بِحَدِّ ذاتها.

"مقبرة العِظام"!

تقع أكبر مقبرة للطائرات في منطقة "نونيارد" بصحراء "توكسون" في ولاية "أريزونا" الأمريكية، في موقع أُطلِقَ عليه لقب "مقبرة العِظام"! وتُعرف هذه الوحدة رسميًّا باسم "وحدة صيانة وتجديد الطائرات رقم 309" في "قاعدة ديفيس مونثان الجوية"، وتضم آلاف الطائرات (معظمها عسكرية). تبلغ مساحة المقبرة 2600 فدان (أكثر من 10 كيلومترات مُربَّعة)، أي ما يوازي مساحة 1430 ملعبًا لكرة القدم، حيث تُساهِم طبيعة المنطقة الصحراوية الجافَّة في جعل المقبرة مكانًا مثاليًا لإرسال الطائرات القديمة إليها وتخزين الكمِّ الهائل من الطائرات الفولاذية، بسبب انخفاض نسبة الرطوبة ونُدرِة الأمطار، مما يَحُولُ دون تعرُّض الطائرات للصدأ وتآكلها على مدى طويل، وقد تمَّ طِلاء الكثير من الطائرات باللون الأبيض لكي لا تتأثر بأشعة الشمس. كما تُشكِّل أرض المقبرة ذات التربة الصلبة مكانًا مُناسِبًا لوقوف هذه الطائرات دون الحاجة إلى بناء أرضيات خرسانية أو إسمنتية لها. وتحتوي هذه المقبرة الأضخم في العالم، على أكثر من 4400 طائرة أُحِيلَت إلى الاستيداع من أنواع وأشكال وأحجام عديدة، ابتداءً من طائرات الشحن، وانتهاءً بالطائرات الحربية المُقاتِلَة، منها تقريبًا جميع الطائرات الحربية الأمريكية التي استخدمها سلاح الطيران الأمريكي منذ الحرب العالمية الثانية ثم تمَّت إحالتها إلى التقاعد، مثل "بوينغ بي-1" و"بوينغ بي-52" و"أ-10 ثاندربولت" و"غرومان إف-14 توم كات"... وكذلك توجد طائرات كندية وأسترالية هناك. ويتم ترتيب الطائرات داخل المنطقة بدِقَّة ونظام مُتناهيين، ضمن صفوف مُتراصَّة طويلة ومُتعدِّدة. ويُستخدَم معظم تلك الطائرات كقطع غيار للأساطيل الحديثة، كما تقوم ورشات مركز الصيانة وإعادة التأهيل الجوية بعمليات إصلاح وإعادة تأهيل بعض الطائرات لتعود إلى الخدمة ثانيةً، وذلك على الرغم من توقُّع الخبراء بأن أغلب الطائرات الموجودة لن يطير مُجدَّدًا. كما تُعد مقبرة الطائرات هذه كنزًا من الفولاذ يحتوي على أكثر من 350000 قطعة يمكن استخدامها عند الحاجة، مما يُخفِّض التكلفة العامة للصيانة. كذلك يتم إعادة تصنيع المحركات والذخائر والأسلاك والأجهزة الإلكترونية، وذلك لتوفير تكلفة صناعة قطع جديدة للأساطيل الحالية. وتسمح الحكومة الأمريكية للبلدان الأخرى بشراء قطع الغيار والطائرات الكاملة من هذا المكان، حيث يُقدِّر الخبراء القيمة المالية لتلك الطائرات بأكثر من 35 مليار دولار، بينما يتباهى مسؤولو القاعدة بالقول «إن الأجزاء المُستصلَحَة والطائرات التي سُحِبَت من الخدمة، تُحوِّل كل دولار من أموال دافعي الضرائب إلى 11 دولارًا!». و تَمُرُّ عملية إنهاء حياة الطائرات بمراحل عدة، مثل ركنها في مطارات أو ساحات واسعة كمطار "نونيارد" المذكور أعلاه، ثم يجري تفكيك بعض أجزائها وبيعه. بيد أنه لا تلقى كل أجزاء الطائرات القديمة رواجًا، فبعضها يصل سعره إلى مليون دولار مثل المحرك، وبعضها الآخر لا يَجِدُ مُشترين. وفي النهاية، يجري تحطيم ما تَبَقَّى من هياكل الطائرات وإعادة تدويره في صناعات أخرى. كذلك تَجِدُ بعض الطائرات القديمة أيضًا من يشتريها في الدول النامية، وذلك على الرغم من تجاوزها عمرها الافتراضي بكثير. وقد يتم استخدام بعض الطائرات كنماذج توضيحية، أو قد يتم عرض بعضها الآخر في متاحف الطائرات.

ومن الجدير بالذكر أن مقبرة نونيارد للطائرات "مقبرة العِظام" هذه تحوَّلت إلى موقع مُميَّز لتصوير مشاهد العديد من أفلام "هوليوود"، مثل فيلم "Top Gun"، و فيلم " Transformers: Revenge of the Fallen"، وغيرها... كما قامت شركة برمجيات الكومبيوتر "مايكروسوفت" بالتقاط صور لهذا المكان الغريب عبر الأقمار الاصطناعية، كي يتمكن جميع الناس من الاطلاع على هذه المقبرة عبر صور ثُلاثية الأبعاد، وأصبح هذا الموقع مقصدًا للزوار عبر موقع "غوغل إيرث" الإلكتروني منذ عام 2005، و لكن الصور اليوم أصبحت أكثر دقة من ذي قبل.

هذا "مطار الأشباح".. حيث ترقد الطائرات المهجورة

   في إحدى سهول إسبانيا الجافة يُوجد مشهد غريب على طول طريق "مديجر" السريع بموازاة البحر الأبيض المتوسط، حيث يظهر خط مُتتالٍ من طائرات السفر العملاقة، لكنها لا تقبع في أي مطار عادي، بل في أكبر "مطار صناعي" في أوروبا، والذي يقع في مدينة "تيرويل". لن نجد هنا نقاط التسجيل لدخول الطائرات أو سيارات للأجرة أو مقاهٍ أو حتى بوابات لمغادرة المسافرين، وإنما سنجد الطائرات التي سُحِبَت من الخدمة، سواء كان ذلك بشكلٍ مُؤقَّت ليتم العمل على صيانتها أو تفكيكها وبيعها كخردة، أو لتقبع هناك بشكل دائم. كما يتضمن الموقع أنواعًا مختلفة من النشاطات المُرتبطة بالطيران، منها تلك القطاعات التي قد تحظى بفرص نمو كبيرة. حيث رَحَّبَ المطار منذ افتتاحه بشركة بدأت بتجربة محركات للصواريخ، وشارك المطار بالأبحاث المُتعلِّقة بالطائرات من دون طيار، كما سيتم إنشاء مركز لتدريب الطيارين قريبًا.

وحتى تتواجد مثل هذه المساحات لإجراء التجارب المُرتبطة بالتحليق الجوي، يتوجب وجود مساحات كبيرة وبيئة المثالية لتخزين الطائرات. فهنالك منطقة "باو" الواقعة جنوب فرنسا، والتي خُصِّصت مساحتها لمثل هذه التجارب، بيد أنها ليست جافة على مدار العام، ولذلك بحثت شركة "تارماك إيروسيف" الأوروبية عن منطقة مُناسبة لتلك النشاطات، ويبدو أن تيرويل تُعدُّ الخيار الأنسب لها، بجوِّها الجاف وموقعها المُميَّز بين "برشلونة" و"مدريد" و"فالنسيا".

يُذكر بأن هذا الطلب على مساحات التخزين والبحث الجوي والفضائي أتى بعد نمو هذا القطاع الذي تلا عقدين من الرأسمالية في الصناعة. أما فيما يخص الاهتمام بهذا المطار بالذات، فمَرَدُّهُ إلى الأزمة الاقتصادية في روسيا، إذ شَهِدَت شركة "ترانسايرو" التي تُعتبَر ثاني أكبر شركة خطوط جوية في روسيا وشركة خطوط جوية روسية أخرى تُدعى "UTAir"، والتي تأتي بالمرتبة الرابعة في روسيا، شَهِدَتا وقتًا عصيبًا في عام 2015، لِتُوقِف الأولى جميع عملياتها وتتخلَّص الأخيرة من غالبية أسطولهما الجوي، ما أدى إلى تضخُّم حجم الطائرات العاطلة عن العمل في السوق و من كافة الأنواع، الأمر الذي استدعى الحاجة إلى الحصول على مساحة أكبر لتخزين هذه الطائرات، فتمَّ اللجوء إلى مقبرة الطائرات في مطار تيرويل.

مقبرة الطائرات الموجودة في أكبر ميناء للطيران و الفضاء

يُعَدُّ ميناء "موهافي" (مطار "فيكتورفيلي") الذي يقع في الصحراء جنوبي ولاية "كاليفورنيا" الأمريكية، أكبر ميناء للطيران والفضاء، كما توجد فيه واحدة من أكبر المقابر الأمريكية الخاصة بالطائرات التجارية التي غَدَت غير صالحة للخدمة. وتضم المقبرة نحو ألف طائرة خرجت من الخدمة حتى الآن؛ يجرى إصلاح بعضها حتى تعود إلى الخدمة، بينما لا تخضع مركبات أخرى لأية عملية إعادة تأهيل. وقد جرى إيداع العديد من أنواع الطائرات التجارية في هذه المقبرة، مثل "بوينغ- 747" و"أيرباص أ- 300" و"مكدونل دوغلاس دي سي- 10"... وهي طائرات تمَّ استخدامها سابقًا في رحلات محلية و دولية.

مقبرة للطائرات في تايلاند تتحوَّل إلى مزار سياحي

تَحَوَّلَت مقبرة صغيرة لثلاث طائرات نقل تجاري في العاصمة التايلاندية "بانكوك" إلى مزار سياحي. والطائرات المُهمَلَة الموجودة فيها كانت قد خرجت من الخدمة بعد قِدَمِها أو تعرُّضها لحادث ما، وهي طائرة واحدة من طراز "بوينغ- 747"، وطائرتين من طراز "مكدونل دوغلاس إم دي- 82" كانتا تابعتين لشركة "أورينت" التايلاندية للطيران. وكانت الشركة المالكة للطائرات تنوي الاستفادة منها ومن موقعها في العاصمة بانكوك وتحويلها إلى مقهى سياحي، ولكنها فشلت في ذلك، ليتحوَّل الموقع إلى مقبرة للطائرات. وعلى الرغم من فشل محاولات الاستفادة من الطائرات من الناحية الاستثمارية، إلا أن الموقع أصبح مزارًا سياحيًا يجذب العديد من عشاق الطائرات الذين يرغبون في التعرُّف على ما بداخلها من محتويات عن قُرب. حيث أفاد أحد الهواة أن الموقع يمتلكه مُستثمر أجنبي حاول الاستفادة ماديًا من وجود الطائرات هناك، ولكن بعد فشله في ذلك ترك الموقع كما هو منذ سنوات، ولا توجد أية خطط لنقل تلك الطائرات أو التخلُّص منها رغم أن ثمن أرض الموقع مُرتفع للغاية.

وقد تمَّ تجريد تلك الطائرات من الديكورات الداخلية للكشف عن الجدران الفارغة، ولكن السجاد والصناديق والحمامات لا تزال سليمة. ولوحِظَ أن إحدى الطائرات لا تزال تظهر عليها آثار التحطُّم، حيث تبدو أقنعة الأوكسجين المُتناثِرَة و كُتيِّبات السلامة وغيرها من الحُطام، وهناك أيضًا لعب أطفال وأشياء شخصية أخرى مُتناثِرَة في أنحاء المكان، مما يجعل مقبرة الطائرات هذه تبدو مثل موقع الحادث.

وتنتشر قصص الأشباح والخُرافات عن هذا المكان، وهي ناجمة عن قصص الأشخاص الذين ماتوا بالفعل في حادث تحطُّم الطائرة، لذلك يعتقد السكان المحليون أن أشباحهم تبقى هناك لحماية المكان، ومُجرَّد سماع مثل هذه المُعتقدات تجعل المكان يبدو مُخيفًا بالفعل. وغالبًا ما يُنظَرُ إلى الأماكن الثقافية في تايلاند على أنها مسكونة، حتى ولو كانت تلك المواقع لم تَمُرّ بأية حوادث من هذا القبيل بالفعل. ويمكن للسيَّاح دفع 10 دولارات تقريبًا مُقابل التجوُّل في الموقع الذي تعتني به سيدة وأسرتها يسكنون في إحدى الطائرات، حيث تشمل الثقافة التايلاندية أيضًا "ديناميكية البُعد الرُّوحي".


عدد القراء: 33

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-