النشاط البيبليوغرافي في الثقافة العربية الإسلامية ابن النديم أنموذجًاالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2019-06-05 03:25:07

د. يحيى عمراني

المغرب

منذ العصور الأولى لبزوغ نجم الحضارة الإسلامية، شعر العلماء المسلمون بأهمية الكتاب كوعاء حاو للمعارف الإنسانية، ووسيلة لنقلها، وتداولها من جيل لآخر، وأدركوا قيمته، وجلال فائدته. فأنشأوا له المكتبات والخزانات، لحفظه وصونه من التلف والضياع، وانتدبوا له النساخ والوراق لتدبيج صفحاته، وتنميق خطوطه. كما أنهم ابتدعوا الوسيلة التي تيسر للناس معرفته وتداوله، والانتفاع به، والمتمثلة في التأليف البيبليوغرافي.

ويمكن أن نتلمس البدايات الأولى للأعمال البيبليوغرافية لدى المسلمين منذ مطلع القرن الثاني للهجرة، حين ظهرت تلك المؤلفات المعروفة بفهارس الشيوخ التي يقصد بها "القوائم التي كان بها العالم المسلم يحصر ويسجل ويصف الكتب التي درسها على أساتذته"(1)، ويعرف فيها بشيوخه الذين "تلقى عنهم ضروب العلم، ويذكر نبذًا في التعريف بهم وبالمقروءات عليهم اعترافًا بالجميل الذي أسدوه إليه"( 2). وبذلك، يكون المسلمون قد بصموا الدرس البيبليوغرافي ببصمة أصيلة، وساهموا في إثرائه بجنس بيبليوغرافي لم يعرف له مثيل من قبل لدى الشعوب والأمم الأخرى. ولم تلبث هذه الفهارس أن انتشرت انتشارًا واسعًا، وشاعت شيوعًا مدويًّا بين الرواة والعلماء. فصارت تشكل ظاهرة عامة وأصيلة في الفكر الإسلامي، لدرجة أن بعض كتاب التراجم "حرصوا على ذكرها عندما كانوا يترجمون لمؤلف معين بقولهم (وله فهرسة)" (3 ). في حين حاول بعضهم الآخر "رصد هذه الفهارس، وحصرها، وتسجيلها، ووصفها، بما يمكن أن نعتبره نوعًا من (ببليوجرافيا الببليوجرافيات)"(4 ).

لقد درس عبدالله المرابط الترغي مجموعة من هذه المشيخات، فوجد أن مادة التأليف فيها "مادة متنوعة تتناول الرجال، والمصنفات والأسانيد، وطرق التعليم ونشاط التأليف وغيرها. وهي مادة تتجمع في النهاية لترسم صورة للبيئة الثقافية ومعطياتها من خلال عصر من العصور"(5). لذلك، يمكننا أن نقول: إن مادة فهارس الشيوخ تقوم على ثلاث ركائز رئيسة، لا يستقيم أي فهرس في غياب أي واحدة منها. وهي: المرويات، والشيوخ، والإسناد.

يطلق لفظ المرويات "على جميع ما يأخذه الشيخ عن شيوخه في مختلف العلوم، مما يكون ثقافته من مصنفات وحديث وخبر وتصوف و... غيرها"(6). وتؤخذ المرويات من أفواه الشيوخ عن طريقتين:

- الرواية: سواء أتمت بالسماع أم بالقراءة أم بالمناولة أم بالإجازة.

- الدراية؛ و"تتمثل في المصنفات والعلوم التي يقوم عليها الدرس، وتعالج أثنائه معالجة تدبر وتفهم وتحقيق"(7 ).

أما الشيخ فيعد الركن الأساس الثاني في الفهرسة، فوجوده ضروري ومؤكد. وكل مروية لم تنسد إلى شيخ ثقة، تقترب من التصحيف والتحريف، وتبتعد عن العلمية والوثوقية. وهذا ما دفع المفهرسين لتجشم عناء السفر، وركوب مخاطر الرحلة قصد الظفر بلقاء شيخ، "ينفرد بالرواية، أو يحمل سندًا عاليًا في رواية حديث أو مصنف"(8)، يلازمون درسه، وينهلون من غزير علمه، ويسندون المرويات إليه.

والركن الثالث في الفهارس هو الأسانيد جمع السند (متحرك الوسط)؛ وهو لغة "ما قابلك من الجبل، وعلا عن السفح، ومعتمد الإنسان"(9). أما اصطلاحًا فقد جاء في اللسان "أسند في الحديث رفعه... والمسند من الحديث ما اتصل إسناده حتى يسند إلى النبي (صلى الله عليه وسلم)؛ والمرسل والمنقطع ما لم يتصل. والإسناد في الحديث: رفعه إلى قائله"(10). إذًا، فالإسناد اختصاص اشتهر به رواة الحديث، وحرصوا على اعتماده منهجًا صارمًا في تناقل الأحاديث النبوية الشريفة حتى يحفظوا الدين من أقوال الوضاع والكذابين، ويفوزوا برضى الله، ويتقربوا من رسوله (صلى الله عليه وسلم)؛ لأنهم فرسان هذا الدين، كما جاء في القول المأثور. وقد التقط مؤلفو الفهارس منهج الإسناد من رواة الحديث، فساروا على هديه. فكان طالب العلم يحرص، أثناء حديثه عن مؤلف درسه، على ربطه بصاحبه عبر سلسلة من الأسانيد.

ولضبط هذه المادة البيبليوغرافية الزاخرة بالمصادر والأحاديث والأخبار...، ولتدوين العناصر البيو-بيبليوغرافية الخاصة بالشيوخ، اتبع المفهرسون القدامى ثلاث طرائق في الترتيب هي:

1 - ترتيب حسب الشيوخ الذين درسوا عليهم. ويكون ترتيب الشيوخ إما هجائيًا، وإما حسب العلوم، وإما حسب سنة الوفاة، وإما حسب مكان اللقاء والدرس.

2 - ترتيب حسب المرويات: يكون المدخل في هذا الصنف هو اسم الكتاب المدروس، حيث ترتب الكتب إما حسب حروف المعجم وإما حسب العلوم.

3 - طريقة الجمع: تجمع هذه الطريقة بين الشيوخ والمرويات. "وعليه، تتوزع الفهرسة قسمان: أحدهما خاص بالشيوخ، والتعريف بهم، وترتيبهم، والآخر خاص بالمرويات. وفي هذه الحالة، تكون الفهرسة جامعة، تتجلى أهميتها في الاستفادة منها في شكلها المتكامل بقسميها"(11). هذه إذًا، هي طرائق التصنيف الثلاث التي اشتهرت لدى معظم مؤلفي الفهارس، بيد أنها لم تكن ملزمة للجميع؛ إذ حاد عنها بعضهم منتهجًا سبلاً أخرى، ومتبعًا طرائق جديدة.

بالموازاة مع فهارس الشيوخ، ألف العلماء المسلمون أنواعًا بيبليوغرافية جديدة، اهتمت بما أنتجه الفكر الإسلامي في شتى المجالات المعرفية. فظهرت كتب السير والطبقات والتراجم والمعاجم... كما ظهرت مؤلفات بيبليوغرافية متخصصة في العلوم والآداب والفنون. ولن أعدو الحقيقة كثيرًا إذا قلت: إن ابن النديم – صاحب الفهرست- هو رائد هذه الحركة التأليفية الإسلامية في هذا المجال، بالرغم من اعتراف هذا الأخير "في مواضع مختلفة من كتابه بأنه مسبوق إلى هذا الفن، وأن هناك أعمالاً ومحاولات سابقة عليه استفاد منها، فأوحت إليه بوضع هذا التأليف"( 12). ومهما يكن من فضل للسابق على اللاحق، يبق كتاب ابن النديم "أول ثبت ببليوجرافي إقليمي شامل لما نشر في العالم الإسلامي من كتب حتى نهاية القرن الرابع الهجري"(13). لذا، يستحق أن نقف عنده وقفة تأمل وتدبر، فندرس شكله أولاً، وننتقل لمضمونه ثانيًا، ثم نختم بمنهجه.

الفهرست لابن النديم:

تداولت المصادر أن صاحب الفهرست هو أبو الفرج محمد إسحاق بن محمد بن إسحاق الوراق المعروف بالنديم أو بابن النديم (ت. 380 هـ)، "كان واحدًا من هؤلاء الوراقين العلماء الذين جعلوا من العلم زادًا لعقولهم، ومن تجارة الكتب، ونشرها، وتحقيقها، وجمعها، وتصويبها، ومراجعتها، وسيلة لكسب قوتهم، وأسباب حياتهم"(14). لا يعرف بالتحديد تاريخ ولادته، ولا تاريخ وفاته. فموهبته لم تثر فضول كتاب التراجم آنذاك، لدرجة أن جوستاف فليجل (G, Flugel)، محقق كتابه، لم يستطع الحصول "من مراجع السير وكتب التراجم العربية والفارسية إلا على معلومات يسيرة عن حياته"(15). وأمام هذا الشح في المعلومات البيو-بيبليوغرافية الخاصة به، حاول بعضهم تحديد تاريخ تقريبي لوفاته، انطلاقًًا من تواريخ الرجال الذين ذكرهم في مؤلفه، فزعموا أنه توفي بعد سنة أربعمائة هجرية (400 هـ)، وذلك لأنه ترجم لأعلام توفوا بعد هذا التاريخ. وقد عزا الباحث شعبان عبدالعزيز خليفة سبب ندرة المعلومات حول شخصية النديم "إلى عدم تنبه كتاب التراجم إلى موهبته، وعمله العلمي العظيم، إلا بعد وفاته بفترة طويلة. ومن ثم كانت المعلومات عن حياته قد اندثرت، كما يرجع السبب جزئيًا إلى أنه كان شيعيًا معتزليًا"( 16).

هذا، ويرجع فضل تحقيق الفهرست للمستشرق الألماني جوستاف فليجل 1802 - 1870 G. Flugel ولتلميذيه يوهانس ريديجر  Johannes  Rodiger  1930 - 1845 وأوجست ميللر  Aug Muller  1892 - 1848، اللذين أتما مشروع أستاذهما بعد وفاته. وقد صدر الكتاب في عدة طبعات، ذكر منها الباحثان محمد عوني عبدالرؤوف وإيمان السعيد جلال اثنتي عشرة طبعة (12)، نوجز بعضها على النحو الآتي:

• طبعة فليجل: هي الطبعة الأم، صدرت في جزأين بمدينة ليبزج، عام واحد وسبعين وثمانمائة وألف ميلادية (1871م).

• طبعة المطبعة الرحمانية بالقاهرة: تعتمد اعتمادًا كليًا على النص العربي لطبعة فليجل، مع إضافة بعض المقالات التي سقطت من الطبعة الأولى.

• طبعة مكتبة خياط ببيروت: هي إعادة لطبعة فليجل.

• طبعة جامعة كولومبيا بنيويورك: حققها الأستاذ بيارد دودج (Bayard-Dodge)، وترجمها إلى اللغة الإنجليزية عام سبعين وتسعمائة وألف ميلادية (1970م).

• طبعة طهران: قام بتحقيقها الأستاذ رضا. وصدرت عام واحد وسبعين وتسعمائة وألف ميلادية (1971م).

• طبعة الدوحة: حققتها الدكتورة ناهد عباس عثمان.

• طبعة الجزائر/تونس: حققها مصطفى الشويمي، وقدم لها. وصدرت عام خمسة وثمانين وتسعمائة وألف ميلادية (1985م).

• طبعة بيروت: حققها الدكتور يوسف علي طويل، ونشرتها دار الكتب العلمية ببيروت عام ستة وتسعين وتسعمائة وألف ميلادية (1996م).

• طبعة دار الذخائر: صدرت عام ستة وألفين (2006م) عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة في جزأين. وقام بتحقيقها الأستاذان محمد عوني عبدالرؤوف وإيمان السعيد جلال.

حدد ابن النديم في المقدمة الموجزة التي صدر بها عمله، المرامي التي يسعى لتحقيقها من وراء تسويد وريقات كتابه، حيث قال: "هذا فهرست كتب جميع الأمم، من العرب والعجم، الموجود منها بلغة العرب، وقلمها في أصناف العلوم، وأخبار مصنفيها، وطبقات مؤلفيها، وأنسابهم، وتاريخ مواليدهم، ومبلغ أعمارهم، وأوقات وفياتهم، وأماكن بلدانهم، ومناقبهم ومثالبهم، منذ ابتداء كل علم اخترع إلى عصرنا هذا، وهو سنة سبع وسبعين وثلاثمائة للهجرة"(17). يتضح من هذا التقديم أن فهرست ابن النديم "لم يقف عند حد إحصاء الكتب، بل تجاوزه إلى الكلام في حياة المؤلفين وأخبارهم، والكلام في أصناف العلوم، وأساليب الدراسة والبحث عند العرب، وغير ذلك من شؤون الثقافة والحضارة"(18). لذلك، يمكننا التسليم بأن فهرست ابن النديم يجمع بين طياته عدة أصناف بيبليوغرافية:

  • فهو بيبليوغرافيا عامة: يرصد كل ما نشر في العالم الإسلامي من مؤلفات في مختلف صنوف المعارف والعلوم والفنون.
  • هو بيبليوغرافيا إعلامية: لأنه يترجم لطبقات المؤلفين، ويذكر معلوماتهم البيو-بيبليوغرافية: أنسابهم، وأعمارهم، وتواريخ ولادتهم، وتواريخ وفاتهم، ومناقبهم، ومثالبهم، وسيرهم العلمية...
  • هو بيبليوغرافيا إقليمية: يرصد المؤلفات التي نشرت بالعالم الإسلامي، باعتباره إقليمًا تجمع بين أبنائه وحدة المعتقد.
  • هو بيبليوغرافيا لغوية: لأنه يعرف بالكتب المنشورة بلغة الضاد، أو بتلك المنقولة إليها من لغات الأمم الأخرى.
  • هو دائرة معارف: يهتم بالعلوم وفروعها، وبالبلدان وأمصارها، وبالديانات ومعتنقيها.

وإذا أمعنا النظر في مواد الفهرست، نجد أنها صنفت وفق عشر مقالات، تتفرع كل مقالة إلى مجموعة من الفنون، باستثناء المقالة العاشرة التي لم تقسم. "وقد بلغ مجموع الفنون إذا اعتبرنا المقالة العاشرة فنًّا واحدًا؛ ثلاثة وثلاثين فنًّا"(19). والجدير بالتنبيه أن تنظيم المادة العلمية بالفهرست لم تأت اعتباطًا، بل كانت خاضعة للمنطق الثقافي المتشبع بروح الإسلام الذي كان سائدًا آنذاك. وخير مثال على ذلك، هو توقيف ابن النديم للمقالات الست الأولى على علوم الفكر العربي الإسلامي، بينما خصص المقالات الأربع الأخيرة لعلوم الفكر الوضعي. كما أنه كان "واعيًا تمامًا عندما عالج الديانات السماوية في المقالة الأولى، وعالج الديانات الوضعية في المقالة التاسعة، حتى لا تختلط تلك الاعتقادات الوضعية بالديانات السماوية"(20).

وللتعرف أكثر على تفاصيل هذا التصنيف، والوقوف عند تدقيقاته، سنعرض التقسيم الذي أورده ابن النديم بمقدمة الفهرست، والذي جاء على النحو الآتي:

المقالة الأولى: وهي ثلاثة فنون.

• الفن الأول: في وصف لغات الأمم من العرب والعجم، ونعوت أقلامها، وأنواع خطوطه، وأشكال كتاباتها.

• الفن الثاني: في أسماء كتب الشرائع المنزلة على مذاهب المسلمين، ومذاهب أهلها.

• الفن الثالث: في نعت الكتاب الذي (لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد)، وأسماء الكتب المصنفة في علومه، وأخبار القراء، وأسماء رواتهم، والشواذ من قراءتهم.

المقالة الثانية: وهي ثلاثة فنون في النحويين واللغويين.

• الفن الأول: في ابتداء النحو، وأخبار النحويين البصريين وفصحاء الأعراب، وأسماء كتبهم.

• الفن الثاني: في أخبار النحويين واللغويين من الكوفيين، وأسماء كتبهم.

• الفن الثالث: في ذكر قوم من النحويين خلطوا المذهبين، وأسماء كتبهم.

المقالة الثالثة: وهي ثلاثة فنون في الأخبار والآداب والسير والأنساب.

• الفن الأول: في أخبار الإخباريين، والرواة، والنسابين، وأصحاب السير والأحداث، وأسماء كتبهم.

• الفن الثاني: في أخبار الملوك، والكتاب، والمترسلين، وعمال الخراج، وأصحاب الدواوين، وأسماء كتبهم.

• الفن الثالث: في أخبار الندماء والجلساء والمغنيين، والصفادمة، والصفاعنة، والمضحكين، وأسماء كتبهم.

المقالة الرابعة: وهي فنان في الشعر والشعراء.

• الفن الأول: في طبقات الشعراء الجاهليين والإسلاميين ممن لحق الجاهلية، وصناع دواوينهم، وأسماء رواتهم.

• الفن الثاني: في طبقات الشعراء الإسلاميين، والشعراء المحدثين إلى عصرنا هذا.

المقالة الخامسة: وهي خمسة فنون في الكلام والمتكلمين.

• الفن الأول: في ابتداء أمر الكلام والمتكلمين من المعتزلة، والمرجئة، وأسماء كتبهم.

• الفن الثاني: في أخبار متكلمي الشيعة الإمامية، والزيدية، وغيرهم من الغلاة، والإسماعيلية، وأسماء كتبهم.

• الفن الثالث: في أخبار متكلمي المجبرة، والحشوية، وأسماء كتبهم.

• الفن الرابع: في أخبار متكلمي الخوارج، وأصنافهم، وأسماء كتبهم.

• الفن الخامس: في أخبار السياح، والزهاد، والعباد، والمتصوفة، والمتكلمين على الوساوس والخطرات، وأسماء كتبهم.

المقالة السادسة: وهي ثمانية فنون في الفقه والفقهاء والمحدثين.

• الفن الأول: في أخبار مالك وأصحابه، وأسماء كتبهم.

• الفن الثاني: في أخبار أبي حنيفة النعمان وأصحابه، وأسماء كتبهم.

• الفن الثالث: في أخبار الإمام الشافعي وأصحابه، وأسماء كتبهم.

• الفن الرابع: في أخبار داود وأصحابه، وأسماء كتبهم.

• الفن الخامس: في أخبار فقهاء الشيعة، وأسماء كتبهم.

• الفن السادس: في أخبار فقهاء أصحاب الحديث والمحدثين، وأسماء كتبهم.

• الفن السابع: في أخبار أبي جعفر الطبري وأصحابه، وأسماء كتبهم.

• الفن الثامن: في أخبار الشراة، وأسماء كتبهم.

المقالة السابعة: وهي ثلاثة فنون في الفلسفة والعلوم القديمة.

• الفن الأول: في أخبار الفلاسفة الطبيعيين والمنطقيين، وأسماء كتبهم، ونقولها وشروحها، والموجود منها، وما ذكر ولم يوجد، وما وجد ثم عدم.

• الفن الثاني: في أخبار أصحاب التعاليم والمهندسين والارثماطيقيين والموسيقيين، والحساب، والمنجمين، وصناع الآلات، وأصحاب الحيل والحركات.

• الفن الثالث: في ابتداء الطب، وأخبار المتطببين من القدماء والمحدثين، وأسماء كتبهم ونقولها وتفاسيرها.

المقالة الثامنة: وهي ثلاثة فنون في الأسمار والخرافات والعزائم والسحر والشعوذة.

• الفن الأول: في أخبار المسامرين والمخرفين والمصورين، وأسماء الكتب المصنفة في الأسمار والخرافات.

• الفن الثاني: في أخبار المعزمين والمشعوذين والسحرة، وأسماء كتبهم.

•  الفن الثالث: في الكتب المصنفة في معان شتى، لا يعرف مصنفوها ولا مؤلفوها.

المقالة التاسعة: وهي فنان في المذاهب والاعتقادات.

• الفن الأول: في وصف مذاهب الحرانية الكلدانيين المعروفين في عصرنا بالصابئة، ومذاهب الثنوية من المنانية، والديصانية، والخرمية، والمرقيونية، والمزدكية، وغيرهم، وأسماء كتبهم.

• الفن الثاني: في وصف المذاهب الغريبة الطريفة، كمذاهب الهند، والصين، وغيرهم من أجناس الأمم.

المقالة العاشرة: تحتوي على أخبار الكيميائيين، والصنعويين من الفلاسفة القدماء والمحدثين، وأسماء كتبهم.

وتضمنت مقالات الفهرست العشر مادة بيبليوغرافية غزيرة همت المؤلفات والكتاب على السواء. وقد أحصى شعبان عبدالعزيز خليفة الكتب التي ذكرها ابن النديم في مؤلفه، فوجد أنها تبلغ ستين وثلاثمائة وثمانية آلاف (8360) كتاب، أما عدد المؤلفين فقد ناهز ثمانية وثلاثين ومائتين وألفي (2238) مؤلف، "منهم اثنتان وعشرون (22) مؤلفة أنثى بنسبة 1% فقط؛ مما يكشف عن أن مجال التأليف عند المسلمين كان مجال ذكور بالدرجة الأولى"(21).

وقد كان ابن النديم حين يعرض مادة كتابه يوفيها حقها من التوصيف والتعريف. فإذا كان موضوع المادة كاتبًا، بسط اسمه كاملاً ولقبه وكنيته، وذكر أصله، وقبيلته، وسنة ولادته، وسنة وفاته إن كان لبى دعوة ربه، وتحدث عن مناقبه، ومثالبه، وفصل في علمه وشيوخه ومؤلفاته... وللتقرب أكثر من طريقته في التعريف بالمؤلفين، نسرد ترجمته لأبي عمرو الشيباني الواردة بالفهرست في الفن الثاني من المقالة الثانية، حيث يقول: "أبو عمرو، اسمه إسحق بن مرار – بكسر الميم - الشيباني، مولى لهم، وكان أبو عمرو يؤدب في أحياء بني شيبان، فنسب إليهم بالولاء، ويقال: بالمجاورة وبالتعليم لأولادهم. وكان راوية واسع العلم باللغة والشعر، ثقة في الحديث، كثير السماع... وقال ابن كامل: مات أبو عمرو في اليوم الذي مات فيه أبو العتاهية، وإبراهيم الموصلي سنة ثلاث عشرة ومائتين، وله من الكتب المصنفة: كتاب غريب الحديث، رواه عنه عبد الله بن أحمد بن حنبل..."(22).

وحينما ينتقل للحديث عن المؤلفات، فإنه يفصل في الوصف البيبليوغرافي، ويدقق في عناصره، كلما تمكن من الوصول إليها. فيذكر بيانات المسؤولية، وبيانات العنوان، وعدد النسخ، وأوجه الاختلاف بينها، ويبسط مجموعة من التبصيرات الخاصة بعدد الأوراق، وحجمها، ونوع التأليف فيها: هل هو رواية أو اختصار أو شرح أو تفسير... ثم ينتقل إلى محتوى الكتاب، وموضوعه، وأجزائه، ليختم ببعض الملاحظات والتعليقات والتصويبات. وخير أنموذجين يمكننا أن نستدل بهما على طريقته في توصيف الكتب، والتعليق عليها، هما ما جاء في تقديمه لكتاب ابن دريد(j) وكتاب محمد بن حبيب(jj)؛ حيث يقول في الأول: "...وله من الكتب: كتاب الجمهرة، في علم اللغة مختلف النسخ، كثير الزيادة والنقصان، لأنه أملاه بفارس وأملاه ببغداد من حفظه. فلما اختلف الإملاء زاد ونقص... وآخر ما صح من النسخ نسخة أبي الفتح عبدالله ابن أحمد النحوي، لأنه كتبها من عدة نسخ وقرأها عليه"(23). وجاء في الثاني: "كتاب القبائل الكبير والأيام، جمعه للفتح بن خاقان، رأيت النسخة بعينها عند أبي القاسم بن أبي الخطاب بن الفرات، في طلحى نيف وعشرين جزءًا وكانت تنقص، تدل على أنها نحو من أربعين جزءًا، في كل جزء مائتا ورقة وأكثر، ولهذه النسخة فهرست لما يحتوي عليه من القبائل والأيام بخط التسترى بن علي الوراق في طلحى نحو خمس عشرة ورقة بخط جرك، أنا أذكر جمل ذلك دون تفصيله"(24).

إن انتهاج ابن النديم لهذه الطريقة في الوصف لم تأت ترفًا، ولم يكن يقصد بها مخالفة مناهج السابقين أو مفاخرتهم؛ إنما كان يهدف من ورائها تحقيق غرض نبيل، يتمثل في خدمة البحث العلمي، وتزويد كل باحث يروم النبش في ثنايا الذاكرة الثقافية والعلمية والفنية للمسلمين بتدقيقات وتفصيلات، تخص مؤلفات تلك الحقبة ومؤلفيها. وقد عبر صاحب الفهرست – صراحة- عن هذا الهدف، حيث يقول: "...إنما غرضنا أن نورد أسماء الشعراء، ومقدار حجم شعر كل شاعر منهم، سيما المحدثين، والتفاوت الذي يقع في أشعارهم، ليعرف الذي يريد جمع الكتب والأشعار ذلك، ويكون على بصيرة فيه، فإذا قلنا: إن شعر فلان عشر ورقات، فإنا إنما عنينا بالورقة أن تكون سليمانية(*)، ومقدار ما فيها عشرون سطرًا، أعني في صفحة الورقة، فليعمل على ذلك في جميع ما ذكرته، من قليل أشعارهم وكثيره، وعلى التقريب قلنا ذلك، وبحسب ما رأيناه على مر السنين لا بالتحقيق والعدد الجزم"(25).

لقد اعتمد ابن النديم في جمعة مادة كتابه ثلاثة سبل هي: القراءة، والمشاهدة، والسماع. وقد كان في كل موضع من الفهرست يصرح بالوسيلة التي أوصلته للمعلومة. فيقول – مثلاً- في القراءة المباشرة: "قرأت بخط أبي الفتح النحوي صاحب بني الفرات، وكان صدوقًا منقرًا بحاثًا..."(26). ويقول حين يريد توثيق معلومة حصل عليها عن طريق المشاهدة: "... وله من الكتب: كتاب النوادر، رواه عنه: محمد بن الحجاج بن نصر الأنباري، رأيته، نحو مائة وخمسين ورقة..."(27). أما عن تلك التي حصل عليها عن طريق السماع، فيعبر عنها كالآتي: "خبرني الثقة أن الروم أحرقت من كتب أرشميدس خمسة عشر حملاً..."(28). إن تصريح ابن النديم بمصادر معلوماته يشي بروحه العلمية الميالة إلى التوثيق والتدقيق، التواقة إلى حفظ الأمانة العلمية. وهذا ليس غريبًا على شخص امتهن حرفة الوراقة ردحًا غير يسير من الزمان، فخبر الأمور المتصلة بالكتاب والكتابة.

ولكي نوفي منهج التأليف عند ابن النديم حقه، لا بد من الإشارة إلى ميزة ميزت مقالات الفهرست وفنونه، وهي التركيز والاختصار؛ "حيث لا يبدأ كل قسم من أقسامه بمقدمة أو خطبة كما كان معتادًا عند غالبية المؤلفين، بل يدخل مباشرة في الحديث عن الكتاب والمؤلف والمادة"(29). وقد صرح ابن النديم بذلك في مقدمته حين قال: "النفوس تشرئب إلى النتائج دون المقدمات، وترتاح إلى الغرض المقصود دون التطويل في العبارات. فلذلك، اقتصرنا على هذه الكلمات في صدر كتابنا هذا، إذ كانت دالة على ما قصدناه في تأليفه إن شاء الله فنقول، وبالله نستعين، وإياه نسأل الصلاة على جميع أنبيائه وعباده المخلصين في طاعته، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم"(30).

 

المراجع:

1 - الببليوجرافيا أو علم الكتاب. دراسة في أصول النظرية الببليوجرافية وتطبيقاتها/ شعبان عبدالعزيز خليفة.- الطبعة الثانية.- القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، 1998.- ص: 168.

2 - معاجم الشيوخ نوع من الفهارس الحديثية – كتاب معجم شيوخ ابن وهب نموذجًا/ عبدالعزيز فارح.- ضمن كتاب:  صناعة الفهرسة والتكشيف/ إعداد عبدالعزيز فارح.- وجدة: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية (سلسلة ندوات ومناظرات رقم 19)، 2002.- ص : 45.

3  - الببليوجرافيا أو علم الكتاب. دراسة في أصول النظرية الببليوجرافية وتطبيقاتها/ شعبان عبدالعزيز خليفة.- مرجع مذكور.- ص: 180.

4 - المرجع نفسه- ص: 180.

5 - فهارس علماء المغرب منذ النشأة إلى نهاية القرن الثاني عشر للهجرة: منهجها- تطورها- قيمتها العلمية/ عبدالله المرابط الترغي.- الطبعة الأولى.- تطوان: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1999.- ص: 424.

6 - المرجع نفسه.- ص: 52.

7 - المرجع نفسه.- الصفحة نفسها.

8 - المرجع نفسه.- ص:55.

9 - القاموس المحيط/مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي.- بيروت: دار الجبل.- الجزء الأول.- (باب الدال، فصل السين)، (مادة السند).- ص: 314 .

 10 -  لسان العرب/ابن منظور؛ تحقيق عبد الله علي الكبير، محمد أحمد حسب الله، هاشم محمد الشاذلي.- المجلد الثالث.- مادة (س – ن – د).- ص: 2114.

11 - فهارس العلماء ومناهجها في ترتيب المرويات: فهرسة أحمد بن العربي ابن الحاج (ت 1109) نموذجًا/الحسن حالي.- ضمن كتاب: صناعة الفهرسة والتكشيف/إعداد عبدالعزيز فارح.- مرجع مذكور.- ص: 81.

12 -  دراسات في علم المخطوطات والبحث البيبليوغرافي/أحمد شوقي بنبين.- الطبعة الأولى.- الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة (منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط)، 1993.- ص: 176.

13 - الببليوجرافيا أو علم الكتاب. دراسة في أصول النظرية الببليوجرافية وتطبيقاتها/شعبان عبدالعزيز خليفة.- مرجع مذكور.- ص: 197.

14 - أصول البحث الأدبي ومناهجه/السيد تقي الدين.- القاهرة: دار نهضة مصر للطبع  والنشر، 1984.- ص: 102.

15 - الفهرست/ابن النديم؛ تحقيق محمد عوني عبد الرؤوف، إيمان السعيد جلال.- الجزء الأول.- القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2006.- ص:59.

 16 - الببليوجرافيا أو علم الكتاب. دراسة في أصول النظرية الببليوجرافية وتطبيقاتها/شعبان عبدالعزيز خليفة.- مرجع مذكور.- ص: 196.

17 - الفهرست/ابن النديم.- مصدر مذكور.- ص: 2.

18 - دراسات في علم المخطوطات والبحث البيبليوغرافي/أحمد شوقي بنبين.- مرجع مذكور.- ص:177. 

19 - الببليوجرافيا أو علم الكتاب. دراسة في أصول النظرية الببليوجرافية وتطبيقاتها/شعبان عبدالعزيز خليفة.- مرجع مذكور.- ص: 198.

20 - المرجع نفسه.- ص: 198.

21 - الببليوجرافيا أو علم الكتاب. دراسة في أصول النظرية الببليوجرافية وتطبيقاتها/شعبان عبدالعزيز خليفة.- مرجع مذكور.- ص: 203.

 22 - الفهرست/ابن النديم.- مصدر مذكور.- الجزء الأول.- المقالة الثانية.- الفن الثاني.-  ص:68.

(*) -  هو أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية بن حشم. ولد بالبصرة سنة ثلاث وعشرين ومائتين للهجرة (223 هـ). وتوفي ببغداد سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة (321هـ).

(**) - هو أبو جعفر محمد بن حبيب بن أمية بن عمرو. كان من علماء الأنساب والأخبار واللغة  والشعر والقبائل.

 23 - الفهرست/ابن النديم.- مصدر مذكور.- الجزء الأول.- المقالة الثانية.- الفن الأول.- ص:61.

 24 - المصدر نفسه.- الجزء نفسه.- المقالة الثالثة.- الفن الأول.- ص:107.

(*) - السليمانية من السليماني، وهو نوع من الورق منسوب إلى سليمان بن عبدالملك، كان يكتب فيه على عهد الدولتين: الأموية والعباسية.

25 - الفهرست/ابن النديم.- مصدر مذكور.- الجزء الأول.- المقالة الرابعة.- الفن الثاني.- ص:159.

 26 - المصدر نفسه.- المقالة الثانية.- الفن الأول.- ص: 42.

27  - المصدر نفسه.- الجزء نفسه.- المقالة نفسها.- الفن نفسه.- ص: 46.

28 - المصدر نفسه.- الجزء نفسه.- المقالة السابعة.- الفن الثاني.- ص: 266.

29 - جهود السابقين في صناعة البيبليوغرافيا- ابن النديم نموذجًا/عبدالعزيز نميرات.- ضمن كتاب: صناعة الفهرسة والتكشيف/إعداد عبدالعزيز فارح.- مرجع مذكور.- ص: 107.

30 -  الفهرست/ابن النديم.- مصدر مذكور.- ص: 2.


عدد القراء: 1213

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-