التجليات السياسية لما بعد الحداثةالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2019-06-05 03:43:49

د. عارف عادل مرشد

كلية الآداب - جامعة الزرقاء- الأردن

تمثل ما بعد الحداثة حركة فكرية تقوم على نقد بل ورفض الأسس التي ترتكز عليها الحضارة الغربية الحديثة، كما ترفض المسلمات التي تقوم عليها هذه الحضارة، أو على الأقل ترى أن الزمن قد تجاوزها وتخطاها، ولذا يذهب الكثيرون من مفكري ما بعد الحداثة إلى اعتبارها حركة أعلى من الرأسمالية التي تٌعتبر هي الطابع الأساسي المميز لتلك الحضارة، بل إن البعض يرون أن عصر الحداثة قد انتهى بالفعل، وأن ما بعد الحداثة تهيئ- باعتبارها مفهومًا نقديًا للفكر السابق- لقيام مجتمع جديد يرتكز على أسس جديدة تمامًا غير تلك التي عرفها المجتمع الغربي الحديث. ويبدو أن مفكري ما بعد الحداثة قد تأثروا في ذلك بأفكار بعض الفلاسفة الألمان بالذات مثل نيتشه وهايدجر اللذين كانا قد أثارا فكرة إمكان قيام أسس جديدة للفكر الإنساني الحديث والمعاصر.

فإذا كان مشروع الحداثة قد نهض على أساس الاعتقاد بإمكان معرفة الإنسان بعالم خارجي عنه، وأن العقل الإنساني هو واسطة هذه المعرفة التي يمكن نقلها إلى آخرين يمكن لهم أن يستوعبوها، وأن هذه المعرفة مفيدة، إذ يمكن ترجمتها إلى تكنولوجيات ونظم نتاج صناعي تمكن البشر من السيطرة على بيئتهم الطبيعية ومجتمعاتهم، فإن مدرسة ما بعد الحداثة ترفض كل هذه المنطلقات، وتتفاوت درجة الرفض داخل فرقها المختلفة، فمنها من يرفض كل هذه المتطلبات تمامًا، ومنها من يكتفي بأن يتخذ منها موقفاً نقدياً فحسب.

وربما لا نبعد عن الحقيقة إذا قلنا إن فلسفات (الما بعدية) على اختلافها وتنوعها كانت تعبيرًا على السخط والتمرد على التقدم التكنولوجي في المجتمعات الصناعية والرأسمالية، وعلى العقلانية الآنية التي أتت بها الحداثة الأوروبية منذ عصر النهضة وازدادت بشكل مذهل في الفترة من عام 1850 حتى 1950.

في هذا السياق، تبلور وبالأخص منذ ثمانينيات القرن المنصرم، خطاب ما بعد الحداثة، ليصل في توجهاته الجوهرية، رفضًا للكلي، ونفيًا للجدلي، وتكريسًا للنسبي واليومي مقابل الحتمي والتاريخي، وتحررًا من الزمن الخطي، وإلغاء التمايزات بين الاجتماعي والثقافي، ودحضًا للحدود الفاصلة بين الحقول المعرفية، ومراودة للحق في الاختلاف بدل التماثل، كمحاولة لإقصاء السياسات وحيدة الجانب، وتشظياً للخطاب وتصدعه، تعبيرًا عن تفكك العلاقات السائدة.

على أن مصطلح ما بعد الحداثة Post Modernism لم ينتشر هذا الانتشار الواسع، فيصبح على ألسنة الكافة، إلا بعد أن نشر المفكر الفرنسي جان فرانسوا ليوتار Jean Francois Lyotard) 1924 -1998) كتابه: La Condition Post modern والذي نٌشر باللغة الفرنسية عام 1979، وتٌرجم إلى اللغة الإنجليزية عام 1984 تحت عنوان: Condition The Post Modernism، وفي عام 1994 تٌرجم إلى اللغة العربية تحت عنوان: الوضع ما بعد الحداثي.

فليوتار يٌعتبر رائدًا لحركة ما بعد الحداثة في فرنسا، وقد لاحظ أن العالم يمر بمرحلة تتميز بما أسماه "الانفجار الاتصالي عن بعد"، وأنه يشهد تفكك المذاهب والنظريات والاتجاهات الفكرية الكبرى في المعرفة الأدبية والعلمية، ويعاني من غياب أو اختفاء أنساق المعتقدات التي تواجه الإنسان في تفكيره وقيمة وسلوكياته وعلاقاته بالآخرين، وأن هذه المظاهر كلها تٌعتبر أهم العناصر التي تميز فترة، أو مرحلة أو حتى حالة  ما بعد الحداثة.

لمدرسة ما بعد الحداثة تجليات مختلفة في الفن والأدب والعمارة، كما أن لها تجليات في العديد من العلوم الاجتماعية. وفيما يتعلق بعلم السياسة، فإن تجليات ما بعد الحداثة تنعكس في النشاط العلمي في إطار هذا الحقل، كما تنعكس في مجال النشاط السياسي كذلك، وخصوصًا في البلدان الصناعية المتقدمة. وفي مجال علم السياسة تظهر هذه الانعكاسات في الموقف في مناهج البحث، ومن نظريات علم السياسة، وأخيرًا من مكانة القيم فيه.

فمن الناحية المنهجية فقد رفضت ما بعد الحداثة إمكانية اختزال دراسة العلوم الإنسانية أو محاكاتها للعلوم الطبيعية، الأمر الذي دفعها إلى تجنب الاتجاهات السلوكية والطبيعية. وعلى عكس الفيزياء أو الكيمياء أو الأحياء، فإن العلوم الإنسانية ينبغي أن تفهم الخبرة ووجهة نظر الشخص موضوع الدراسة، إنها لا تهتم بمجرد الحقائق، ولكن بمعنى هذه الحقائق وتفسيرها للموضوعات الإنسانية.

كما ترفض هذه المدرسة أي علاقة سببية بين الظواهر، وذلك لتعدد الأسباب التي تؤثر في أي ظاهرة، وصعوبة تحديد الأسبقية الزمنية لأي من هذه الأسباب، ومن ثم استحالة معرفة أيها كان السبب المباشر لأي تطور. ولذلك فكل مناهج البحث التي اجتهد علماء السياسة في إتقانها وتطويع بعضها من علوم أخرى لا قيمة لها، وكل ما يمكن لعلماء السياسة أن يفعلوه هو دراسة النصوص السياسية Political Texts إما بقصد فضح ما تنطوي عليه من خلال تفكيكها Deconstruction أو تفسيرها دون أن يكتسب أي تفسير أي مكانة خاصة، فكل التفسيرات تتساوى في الأهمية، وهي كلها تحمل بصمات من يقوم بالتفسير، فليس هناك تفسير موضوعي وآخر غير موضوعي، أو تفسير عالم وتفسير جاهل. وهكذا تصبح دراسة السياسة هي أساسًا دراسة لغة النصوص أو الأحداث السياسية، ويتخلى دارسو السياسة عن وهم المعرفة الموضوعية بالواقع السياسي، أو الاعتقاد بإمكان التوصل إلى قواعد أو قوانين عامة يخضع لها السلوك السياسي. ويصبح أسلوب البحث الرئيسي في علم السياسة هو تحليل الخطاب إما بقصد تفكيكه أو بقصد تفسيره.

أما بالنسبة لموقف مدرسة ما بعد الحداثة من نظريات علم السياسة، فقد كان ليوتار قد عمل على إبراز السرديات الكبرى باعتبارها الوسيلة الرئيسية للسيطرة والهيمنة السياسية على المجتمعات الحديثة- وقد أبدع إدوارد سعيد في كتابه (الثقافة والإمبريالية) في إبراز دور السرديات الكبرى في السيطرة الإمبريالية الغربية على الشعوب المستعمرة باعتبارها الوسيلة الرئيسية لهذه السيطرة - فحسب تعبير ليوتار إن ما بعد الحداثة تبدأ بالميل إلى التشكك فيما يسميه بالسرديات الكبرى Grand-Narratives أو ما بعد السرديات Meta-Narratives التي ورثها الفكر الحديث عن ذلك العصر، كما أنها ترفض التسليم بوجود أي مجموعة من المبادئ أو المعتقدات أو المسميات الفكرية العامة التي تسيطر على إبداعات مفكري عصر الحداثة.

ويلخص ليوتار في كتابه السابق الذكر- الوضع ما بعد الحداثي- الفكر المابعد  حداثي بالقول أنه: «التشكيك في الأنساق الفكرية العملاقة»، والتي هي عبارة عن تفسيرات كبرى تتناول الحياة البشرية في موضوعاتها، خصوصاً ما يتعلق منها بمقولة الحرية والتحرر، التي كانت سائدة في الحياة الاجتماعية والسياسية الغربية خلال القرون الأخيرة الماضية. ومن بين هذه الموضوعات الاعتقاد الليبرالي بزيادة مستوى الديمقراطية والتطور، والفكرة الماركسية التي تحث على ثورة شاملة وتحرر طبقة العمال الكامل في مجتمع اشتراكي مستقبلي. ويرى ليوتار أن هذه الأفكار هي التي شكلت جزءًا أساسيًا من تطور الحداثة الغربية. ومن منظور ما بعد الحداثة ليست هذه الأمور إلا ضربًا من ضروب الخيال، وهي أفكار تتداولها مجموعة ما على أنها عالمية في اهتمامها وتطبيقها.

وللحيلولة دون وقوع المجتمعات البشرية مجددًا في براثن المأساة السردية الحداثية، فإن ليوتارد يؤكد ضرورة التصدي لأية محاولة للبدء في إنشاء نظرية شاملة وذلك لأن أية محاولة من هذا القبيل لن تعدو في الواقع كونها محاولة لبناء نموذج سردي جديد مسيطر سيقود كما قادت النماذج السردية الحداثية السابقة إلى حروب كونية مروعة على شاكلة الحربين الكونيتين الأولى والثانية. فالنظريات الكلية الهادفة إلى توحيد كل القصص وتقديم تفسير لكل ما يقع في محيطها لابد أن تنتج نظمًا سياسية مستبدة تلح على انتقاء ونشر القصص والحكايات العليا على أنها الحل الشافي لكل مشاكل الجماهير.

وهذه الأنساق الفكرية الكبرى تٌعد أساس كثير من المدارس الكبرى في الدراسات الاجتماعية عموماً مثل الماركسية والنظريات الليبرالية، والتي تنطوي بكل تأكيد على مقولات بالغة العمومية يفترض أنها تنطبق على البشر في كل زمان ومكان، أو على الأقل في بلدان وثقافات مختلفة.

بل يذهب البعض إلى أن مدرسة ما بعد الحداثة على هذا النحو تلغي علم السياسة ذاته، فلا قيمة له في رأيهم إذا ما اقتصر فقط على قراءة وإعادة قراءة النصوص والأحداث السياسية باعتبار الثانية، بدورها، مجرد خطاب نص لغوي.

كما أعادت ما بعد الحداثة الاعتبار إلى الجانب ألقيمي والأخلاقي، فالقيم في مدرسة ما بعد الحداثة تمارس دورًا محوريًا في علم السياسة، ولا تستطيع تحت مٌسمى العلمية أن تلقي بها جانبًا في عملية التحليل السياسي. ويذهب بعض أنصار هذه المدرسة إلى نسبية القيم، فليس هناك أساس في رأيهم لترجيح قيمة معينة على أخرى، إما لان لكل قيمة أهمية في سياق محدد، أو لانتفاء الأسس المقبولة التي يمكن على أساسها تفضيل قيمة على أخرى، فمثل هذا التفضيل هو حكم  Judgment ينفر منه معظم أنصار هذه المدرسة، وإن كان أنصار هذه المدرسة يضمون محافظين و ماركسيين مجددين وما بعديين، يفضلون قيماً معينة كالحرية أو الحد من دور الدولة أو المساواة والإخاء بين البشر، ولكنهم يتخذون هذا الموقف إما تناقضًا مع منطلقات هذه المدرسة أو تخفيفًا من حدة مقولاتها المتطرفة في هذا الشأن.

وقد تعرضت مدرسة ما بعد الحداثة لانتقادات حادة من جانب علماء السياسة الذين رأوا فيها تضييقًا لا مبرر له لمجال علم السياسة، بقصره على دراسة الخطاب السياسي أو لغة الحدث السياسي، دون محاولة استكناه مضمون أي حدث، أو الولوج إلى استخلاص قواعد عامة من ملاحظة السلوك السياسي، أو قراءة التاريخ السياسي.

كما أن مدرسة ما بعد الحداثة برفضها أي محاولة لاكتشاف أسباب أي حدث، تجعل من المستحيل تحديد المسؤولية عن الأحداث السياسية، الكبرى والصغرى، وتضع دراسة السياسة في موضع العاجز عن القيام بأي دور بناء في تصويب مسار السياسة العملية، أو اقتراح سبل الخروج من المآسي التي عرفتها الإنسانية وما زالت تعرفها حتى الأن.

ومع ذلك، لا يمكن تمامًا رفض كل مقولات هذه المدرسة، فنقدها للحداثة ينطوي على قدر كبير من الوجاهة، حتى ولو كانت لا تقدم بديلاً. كما أن مدرسة ما بعد الحداثة بأصولها الفكرية الأوروبية، والتي تمتد في الفكر الألماني والفرنسي خصوصًا، وبالمساهمات العديدة التي غذتها من تيارات فكرية متقاربة مثل ما بعد البنيوية، قد ساهمت في إخراج علم السياسة من الإطار الفكري الضيق الذي حشره فيه علماء السياسة الأمريكيون حتى أواخر السبعينات، ومن ثم أضفت عليه بعدًا أوسع، وإن كان ما يزال غربيًا إلى حد كبير.    


عدد القراء: 1235

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-