المحاكاة .. كلمة واحدة ودلالات متعددةالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2019-06-05 14:05:38

غسان اكويندي

المغرب

"أنا أبو قلمون        في كل لون أكون"

                                               الهمذاني

حظي كتاب فن الشعر لأرسطو بمكانة مهمة لدى الباحثين والدارسين في مجال الفكر والأدب والفن منذ اكتشافه إلى يومنا هذا، هذه المكانة التي تتجلى بوضوح في عدد اللغات التي ترجم إليها، وكذلك عدد الشروحات التي رافقته. لا شك أن نظرية المحاكاة تعد المقولة الرئيسية أو الجوهرية لهذا الكتاب، فما الذي تعنيه كلمة "محاكاة" عند هذا الفيلسوف؟

إن الجواب على هذا السؤال يحتم علينا الرجوع خطوة إلى الوراء قصد تسليط الضوء على السياقات التي ورد فيها هذا المصطلح، وذلك تحديدًا عند أفلاطون أستاذ أرسطو.

1. المحاكاة عند أفلاطون:

يرى أفلاطون أن عالمنا هذا هو مجرد محاكاة لعالم مثالي، وبالتالي فالشاعر عندما يحاكي هذا العالم فهو يبتعد بدرجتين عن الحقيقة، لأنه يحاكي ماهو مقلد أصلاً، فنصبح بذلك أمام نسخ ممسوخة ومشوهة. ويقدم أفلاطون صورة الكهف التي "خلقت التمييز الفلسفي الأساسي بين المظهر والحقيقة، وأكدت أولوية عالم الأفكار فوق عالم المحسوسات"1. ومن هنا نفهم نظرة أفلاطون الازدرائية لفن الشعر والشعراء.

إن أهم ما يمكن أن نستخلصه عند أفلاطون هو تفضيله لعالم الأفكار، وجعله فوق عالم المحسوسات، لأن هذا الأخير ليس سوى محاكاة لعالم نقي أصلي هو عالم الأفكار. فالشاعر عند أفلاطون لا تتعدى مهمته المحاكاة والتي تأتي هنا بمعنى تجسيد وعرض الأفكار وتحويلها إلى أشياء مادية ملموسة، هذا التجسيد الذي يكون بالضرورة مشوهًا، مهما كانت اللغة جيدة ومتقنة، ومهما كانت الصور الشعرية أصيلة ومبتكرة، فالّأسبقية عند أفلاطون تبقى دائمًا للفكر على حساب المادة، وهذا هو جوهر فلسفته المثالية الذي عبر عنه بـ idea” ".

2. المحاكاة عند أرسطو:

خالف أرسطو أستاذه في نظرته للمحاكاة وللفن عمومًا، ويتضح ذلك من خلال التعريف الذي قدمه للتراجيديا على أنها "محاكاة لفعل جاد، تام في ذاته، له طول معين، في لغة ممتعة لأنها مشفوعة بكل نوع من أنواع التزيين الفني"2.

إن هذا التعريف الذي يقترحه أرسطو للتراجيديا وإن كان ينم عن نظرته الايجابية للفن والشعر خصوصًا مخالفًا بذلك أستاذه أفلاطون، إلا أن استخدامه للفظة "محاكاة" هي في الواقع مطابقة تمامًا لما جاءت عليه عند أفلاطون. فلفظة "محاكاة" وبالشكل الذي جاءت به في تعريف التراجيديا تدل على أنها بمعنى تجسيد وعرض، وليست بمعنى تقليد أو تشبيه كما جاء في بعض الشروحات.

إن اقتران كلمة "محاكاة" بـ"فعل" توحي بأن المعنى المقصود منها هو التجسيد أو العرض عن طريق الفعل/ الأداء. وهذا يتوافق وينسجم تمامًا مع ما كانت تتضمنه لفظة "محاكاة" في استعمالاتها القديمة "العرض وإعادة العرض والخلق من جديد". فإذا كنا نستطيع الحديث عن محاكاة بمعنى تقليد في العرض وإعادة العرض، فإنه يصعب علينا إن لم نقل يستحيل الحديث عن التقليد في إعادة الخلق من جديد، لأن الفنان عمومًا والشاعر على وجه الخصوص ليس عليه أن يصور ما هو كائن بالضرورة، بل يتعداه إلى ما يمكن او يحتمل أن يكون، وهنا يتعسر علينا أن نضع كلمة تقليد بدل كلمة محاكاة. خصوصًا تلك الرسوم التي تنعت بالغروتيسك، والتي تجسد كائنات نصفها إنسان ونصفها الآخر إما على شكل حيوانات أو نباتات مثلاً، ما يجعلنا نتساءل عن الشكل أو النموذج الذي تمت محاكاته/تقليده في هذا الفن.

ولعل هذا الذي أذهب إليه هو ما دفع سعيد توفيق للجزم بأن "المحاكاة بمعناها الأصلي mimesis الذي يمكن أن نتلمسه عند أرسطو لا تعني التقليد immitation لأن التقليد يعني محاكاة شيء واقعي... فالمحاكاة وفقًا لمعناها الأصلي تعني تمثيلاً لحقيقة شيء ما أو شخص ما. على نحو يتم فيه اسقاط كل مظاهره الواقعية العارضة التي يمكن أن يأتي عليها في الواقع."3

أدرك أرسطو صعوبة محاكاة مفاهيم كالخير والشر والسعادة وغيرها من المفاهيم المجردة كما كان يصرح بذلك أفلاطون، ولهذا جاءت لفظة محاكاة عنده مقترنة بكلمة فعل، لأننا نستطيع في المقابل تجسيد أفعال رجل خير أو رجل شرير أو رجل سعيد...

إن إشارة أرسطو لاختلاف الفنون "إما باختلاف المادة أو الموضوع أو الطريقة"4، هي في حد ذاتها تأكيد لمعنى التجسيد في كلمة محاكاة، فالفنون تختلف باختلاف أشكال تجسيدها إلى محسوسات على أرض الواقع، لأننا لا نستطيع الحديث عن فن إلا بعد تجسيده أولاً، ثم عرضه ملموسًا ومحسوسًا أمام الآخر ثانيًا.

3. المحاكاة عند الفلاسفة المسلمين:

"إنا نجد الحاكية من الناس يحكي ألفاظ سكان اليمن مع مخارج كلامهم، لا يغادر من ذلك شيئًا، وكذلك تكون حكايته للخرساني والأهوازي والزنجي والسندي والأجناس وغير ذلك. نعم حتى تجده كأنه أطبع منهم، فإذا ما حكى كلام الفأفاء فكأنما قد جمعت كل طرفة في كل فأفاء في الأرض في لسان واحد. وتجده يحكي الأعمى بصور ينشئها لوجهه وعينيه وأعضائه، لا تكاد تجد من ألف أعمى واحدًا يجمع ذلك كله، فكأنه قد جمع طرف حركات العميان في أعمى واحد."5 

يظهر لنا من خلال هذا النص المنسوب للجاحظ أن لفظة الحاكي ومعها المحاكاة ليست غريبة أو جديدة على الثقافة العربية الاسلامية، وكذلك لفظة (mimesis ) ميامس  التي وردت في شعر حسان بن ثابت:

وأبلـغ  كل  منتخــب  هواه      رحيب الجوف من عبدالمدان

ميامس غزة ورماح غاب        خـفـاف لا  تقوم  بها  اليــدان

فكيف تعامل الفلاسفة المسلمون مع كلمة "محاكاة" أثناء ترجمتهم وشرحهم لكتاب فن الشعر لأرسطو؟

يمكن الجزم من البداية أن الفلاسفة المسلمين لم يخرجوا عما ذهب إليه كل من أفلاطون وأرسطو من أن المحاكاة هي بالأساس عرض وتجسيد لأشياء أو أشخاص أو حالات إما كما هي عليه أو أرفع أو أدنى مما هي عليه في الواقع، وهو ما تؤكده لنا ألفت الروبي قائلة: "لقد أسهم تركيز الفلاسفة على المحاكاة بمعنى التصوير الحسي في تأكيد فكرة أن المحاكاة – عندهم – ليست تقليدًا، وأنها تشكيل جمالي لهذا الواقع، يكشف عن رؤية خاصة ومتميزة له."6

وسأكتفي هنا بتقديم ثلاثة أقوال تبرز بجلاء تلك النظرة العربية الإسلامية لمفهوم المحاكاة.

قول الفارابي: "الأقاويل الشعرية هي التي تركب من أشياء شأنها أن تخيل في الأمر الذي فيه المخاطبة حالاً ما، أو شيئًا أفضل أو أخس، وذلك إما جمالاً أو قبحًا أو جلالة أو هوانا أو غير ذلك مما يشاكل كل هذه."7

قول ابن سينا: "ينبغي أن يحاكى الشيء الواحد بأمور ثلاثة أما بأمور موجودة في الحقيقة، وإما بأمور يقال أنها موجودة وكانت، وأما بأمور يظن أنها ستوجد وتظهر."8

قول ابن رشد: "والتشبيه والمحاكاة هي مدائح الأشياء التي في غاية الفضيلة، فكما المصور الحاذق يصور الشيء بحسب ما هو عليه في الوجود، حتى إنهم قد يصورون الغضاب والكسالى، مع أنها صفات نفسية، كذلك يجب أن يكون الشاعر في محاكاته يصور كل شيء بحسب ما هو عليه حتى يحاكي الأخلاق وأحوال النفس."9

إن استفادة الدرس البلاغي العربي ومعه الخطاب النقدي عمومًا حقيقة لا يمكن إنكارها، هذه الحقيقة التي تنم عنها  أقوال الفلاسفة المسلمين أثناء  تفاعلهم مع لفظة المحاكاة تفاعلاً عميقًا، انطلاقًا من مرجعيات فكرية وجمالية عربية اسلامية (الشعر العربي)، إذ اختلفت وتباينت المفردات والمصطلحات التي استعملها الفلاسفة المسلمون في تحديدهم لمصطلح المحاكاة، فجاءت عندهم بذلك التعبيرات التي استعملوها مختلفة باختلاف زوايا نظرهم للمحاكاة (التجسيد)، فعندما ننظر لها مثلاً من زاوية المبدع فهي التمثيل، وعندما ننظر إليها من زاوية المتلقي فهي التخييل الذي يأتي بمعنى التجريد، أي تحويل الصور الشعرية إلى مفاهيم مجردة وهي بذلك نقيض للتجسيد، وعندما ننظر إليها من زاوية المادة فهي  اللغة المشفوعة بوسائل التزيين وهو ما يقابل التشبيه، بمعنى استخدام الصور الشعرية الغريبة التي تعتمد أساسًا الرمز والمجاز، وحتى عندما ننظر إليها من خلال الطريقة فهي التغيير الذي يعني النظم، لأن  اللغة الشعرية أساسًا هي استخدام غير عاد للغة العادية (التقديم والتأخير والحذف...). ما يجعل المحاكاة في نهاية المطاف مصطلحًا يتميز بالدينامية والحركية إذ يشمل مختلف مراحل العملية الابداعية،  كما يتميز أيضًا بالحربائية من خلال تغطيته لعناصر العملية الابداعية.

4. المحاكاة واللعب:

يتفق أغلب الباحثين على أن قدرًا كبيرًا من اللعب هو محاكاة، وهذا القول يشي بأن هناك أشكالاً من اللعب لا تقوم على المحاكاة، فكيف نميز بينها؟

اللعب هو ظاهرة مشتركة بين الإنسان والحيوان، فمثلما نجد  طفلاً أو إنسانًا بصفة عامة يلعب، نجد كذلك حيوانًا يلعب باعتبار اللعب تصريفًا للطاقة الزائدة أولاً، ولكونه سبيلاً للهو والتسلية ثانيًا، لكن اللعب الذي يختص به الانسان وحده دون غيره هو ذلك النشاط الواعي الذي يخضع لقوانين مضبوطة وشروط معينة، بهدف أداء أدوار ووظائف محددة بدقة، قد يكون منها ما هو للتسلية فقط، كما قد يتعداها إلى وظائف تربوية أو تعليمية أو مهارية...، وبهذا نكون قد ميزنا بين اللهو واللعب، أو على الأقل بين اللعب الذي التلقائي أو العفوي وبين اللعب الواعي الذي يؤدي وظائف مقصودة لذاتها، هذا الصنف الأخير هو ما يهمنا هنا، لأنه هو اللعب القائم على المحاكاة، وهو ذاته اللعب الذي جزأه بياجي إلى جزأين هما التمثل والمواءمة، فجعل التمثل مرتبطًا بالأفكار، في حين ربط المواءمة بالتوافق بين الكائن العضوي والعالم الخارجي، فحين يغلب التمثل نتحدث عن محاكاة، أما حين تغلب المواءمة فنتحدث عن اللعب، لكنه عاد ليؤكد  على أهمية التوازن بين التمثل والمواءمة (المحاكاة واللعب) لنمو الذكاء عند الأطفال، والمقصود هنا بنمو الذكاء هو القدرة على اكتساب التجريد. فبهذا المعنى  يصبح اللعب والمحاكاة لا وسيلة للتعلم فقط، بل ومدخلاً للفن أيضًا، فالفن حسب فرويد ما هو إلا تنقية وتهذيب للعب  طالما أن الفن ما هو إلا تنقية وتهذيب لأحلام اليقظة، هاته الأخيرة التي تأتي معادلة للعب عند فرويد نفسه. وهكذا يمكن أن نفهم كيف يمكن للعب أن يكون أساسًا للجماليات وفق الطرح الذي أتى به كارل جروس، بل ويمكن كذلك أن نفهم كيف تنسجم مقولة شالر وسبنسر بأن "اللعب أصل كل الفنون"10 مع تصريح أرسطو بأن المحاكاة هي أصل كل الفنون أيضًا، دون تناقض أو تنافر بينهما. 

السؤال الآن، هل عرف أسلافنا مثل هذا النوع من اللعب القائم على المحاكاة والأداء ؟

5. المحاكاة والفرجة:

عرفت جميع الأمم والشعوب ظواهر مسرحية مختلفة، (على الأقل تلك الممارسات التي كانت تقدم على شكل طقوس دينية). فحتى الشعوب البدائية كانت لها مظاهرها الفرجوية النابعة من الرغبة في التقليد والمحاكاة، إما عن طريق راوي القبيلة، أو روايات الرجال عن حروبهم وصراعاتهم، فمثلاً تجد الرجل منهم يقف ليروي كيف تربص بطريدته، وأعد لها الفخاخ، وتغلب عليها، إلى أن ظفر بها، وهذا كله يتم أمام أنظار الآخرين وإعجابهم. ما يجعلنا أمام فرجة حقيقية. والعرب طبعًا كانوا كغيرهم لهم فرجاتهم التي تشترك فيها الإنسانية كلها، إضافة إلى فرجاتهم الخاصة التي تواءمت ومحيطهم، لأن "الفن ظاهرة إنسانية اجتماعية لابد لإنتاجها من بيئة معينة تتبع شعبًا معينًا وتنتج من أجل ذلك الشعب."11 وتأكيد ذلك يأتينا شعرًا على لسان حسان بن ثابت:12 

وأبلغ كل منتخــــب هـواه      رحيب الجوف من عبدالمدان

ميامس غزة ورماح غاب       خفاف لا  تقــــوم  بــه اليدان

واضح إذن أن هذه الفقرة ستكون مخصصة لأهم الظواهر المسرحية التي عرفها العرب، لكن قبل كل ذلك لا مناص من إبراز مفهوم الفرجة، لأن هذه الظواهر هي أولاً وأخيرًا فرجات.

الفرجـــــة:

نسجل  أولاً أن "الفرجة بمعنى التنفيس والارتياح وإزالة الكرب."13  فالفرجة بهذا المعنى كانت غاية الإنسان منذ وجوده على وجه الأرض وانتظامه في شكل جماعات، إذ لابد لهذا الإنسان من لحظات تنفيس وارتياح بعد قضاء يوم مليء بالأحداث والمصاعب بحثًا عن لقمته. وغالبًا ما كانت تتم هذه اللحظات التنفيسية والترويحية ابتداء من غياب الشمس. لكن هذه الفرجات كانت على أشكال مختلفة سواء بين الجماعات المختلفة أو حتى  على صعيد نفس الجماعة. (راوي، رقص، غناء، محاكاة الطبيعة والحيوانات...)

وبهذا نستطيع القول "أن الفرجة هي مجرد شكل تمثيلي يحاكي حضورًا معينًا."14  فما هي هذه الفرجات (الظواهر المسرحية)التي عرفها العرب؟

1. المواسم: العرب كغيرهم من الشعوب كانت لهم طقوسهم الدينية التي ينظمونها على شكل مواسم، حيث كانوا يطوفون بالكعبة. هذه الطقوس التي كانت تؤدى في شكل مواسم سنوية كانت عبارة عن فرجات، فكانت بذلك "تبرز الفرجة في الوقت ذاته الذي يتم فيه بناء المجتمع من لدن ممثلين اجتماعيين، وذلك من خلال ايحاءات ثقافية مصوغة تحيل إلى أحداث وتجارب ماضوية بطرق متأثرة باللحظة الراهنة، ولكن دائمًا بعين نحو المستقبل."15

2. الحكايات: تأتي لفظة (الحكاية) بمعنيين فهي تحمل على معنى القصة، كما تحيل على معنى المحاكاة أو التجسيد والعرض، فبالمعنى الأول تبرز أمامنا قصص الأنبياء مثلاً، أما بالمعنى الثاني فنجد عدة نصوص تظهر أمامنا لعل أبرزها حكاية أبي القاسم البغدادي.

 إذا كانت" الفرجات عبارة عن قصص يرويها الناس لأنفسهم حول أنفسهم."16، فإن أدبنا العربي يزخر بمثل هذه المرويات، التي ظلت الأجيال تتوارثها، مشافهة بالأساس، وإن كانت قد وصلتنا مكتوبة الآن. فتاريخ التدوين عند العرب معلوم. وحتى إن دونت في وقت مبكر فهذا لا ينفي أنها كانت شفهية محفوظة في الصدور، تتناقلها الألسنة في المجالس (كأخبار العرب، وسيرهم وملاحمهم...).هذا من جهة. أما من جهة أخرى فهذه الحكايات حتى في حال تدوينها، فهي تظل نصوصًا درامية قابلة للأداء، فعندما نتناول مثلاً ألف ليلة وليلة، أو كليلة ودمنة، أو حكايات الجاحظ، (البخلاء)، أو أحاديث ابن دريد، أو حكاية أبي القاسم البغدادي، إضافة إلى المقامات، فهي كلها نصوص درامية قابلة للقراءة، كما أنها قابلة للأداء والتمثيل. وخير دليل على ذلك أن جل هذه الأعمال سبق وشاهدناها كعروض درامية.

3. الميامس: تبدو لفظة ميامس مأخوذة من اللفظة اليونانية mimus التي تعني الممثل الهزلي، وقد وردت هذه اللفظة في شعر حسان بن ثابت:

وأبلـــغ  كل منتخــب هواه       رحيب الجوف من عبدالمدان

ميامس غزة ورماح غاب        خـفـاف  لا  تقوم  بها اليـدان

إن ورود هذه اللفظة عند حسان بن ثابت دليل على قدم هذه الفرجة، وهي حفلات كانت في الأصل مرتبطة بشعائر الخصب وتجدد الطبيعة، وكانت في هذا النطاق ذات وظيفة دينية.17

4. الكرج والسماجة: تأتي لفظتا كرج وسماجة بمعنى الفساد، فنقول تكرج اللبن أي فسد وتغير، ولبن سمج أي خبيث الريح نتيجة تلفه18.

أما اصطلاحًا فالكرج والسماجة لعبتان جماعيتان تقوم الأولى على ارتداء الأزياء، فيما تقوم الثانية على ارتداء الأقنعة. ويرى محمد يوسف نجم أن أداء هاتين الفرقتين "شبيه بفرق تمثيل الميم الذين انتشروا في الدولة البيزنطية منذ انهيار المسرح في القرن الثامن الميلادي"19.

5. اللعابون والمخنثون والمهرجون والمحبظون وأولاد رابية: يبدو أن هذه الألفاظ جميعًا هي تسمية لمسمى واحد. وهم أشخاص يقومون بتأدية عروض أمام جمهور، إما بشكل فردي أو جماعي. وأهم ما يميز عروضهم هي أنها تقوم على العنصر البشري لا على خيال الظل (كما يذكر ذلك موريه)، إلا أن ما يميز المخنثين عن البقية هو أداؤهم لأدوار النساء، وربما هذا هو سبب التسمية. أما أولاد رابية فلم يتم ذكرهم بشكل كبير في الكتب التي اهتمت بالفرجات العربية بسبب عروضهم التي تتسم بنوع من الكلام الفاحش والسلوكات اللاأخلاقية (كما يذكر ذلك موريه أيضًا).

6. المقامة: يقوم فن المقامة على شخصية الراوي ودوره في إقناع المتلقي، ومن هذا المنطلق يمكن اعتبارها نوعًا من الأشكال المسرحية البدائية التي تعتمد على شخصية ممثل واحد Monodram بأسلوب كوميدي ساخر يؤدي فيه الراوي) دوره أمام الجمهور في الأسواق والساحات العامة، أو في قصور الخلفاء، وتكمن براعة أداء المقامة في إقناع المتلقي وشده للعرض بأسلوب لا يمنحه فرصة الحكم الأولي على هدفها ومضمونها، بل يدعوه إلى الإصغاء حتى انتهاء المقامة، واكتمال الصورة الفنية). والمقامة بهذا الوصف هي فرجة بامتياز، هذا الاستنتاج الذي نجده عند بروكلمان حين أشار إلى أن المقامات حافلة بالحركة التمثيلية، وكذلك رأى فرانز روزنتال أن المقامات تعد بديلاً للشكل المسرحي، فقال في معرض حديثه عن مقامات الحريري"... وتصف المقامات مشاهد الحياة اليومية ومشكلاتها بأسلوب مسرحي يرد على لسان بطل المقامة الذي يجادله شخص آخر ممن يلقاهم. وكان أصحاب المقامات يفضلون فحص الأفكار الشائعة، وتصوير سمات الناس ومساوئهم وحرفهم المختلفة بطريقة ساخرة لاذعة تذكرنا بصور التمثيل بالإشارة أو الايماء الذي كان شائعا في الزمن القديم..."20

وعلى منوالهما سار آدم متز الذي لاحظ  أن الهمذاني ظهر متميزًا "بنزعة خاصة إلى الحكايات القصصية القصيرة التمثيلية التي تغلب عليها الصبغة البلاغية، وكانت ثمرة ذلك مجموعة من المقامات، منها واحدة تسمى الرصافية، وهي معرض تجتمع فيه الاصطلاحات المتعلقة بالمكدين، كما هو الحال في قصيدة أبي دلف..."21

7. صندوق الدنيا والقره كوز: صندوق الدنيا عبارة عن عرض متتابع لمجموعة من صور الأبطال والأحداث، وهذا النمط يدخل في باب التمثيل على سبيل المجاز، لأن عارض الصور يتخذ منهج المنشد أو القصاص في السرد، وتلوين الصوت.

القره كوز ويتوسل بالدمى، وهو نوع من مسرح العرائس المعروف الآن.

8. خيال الظل: يرى عبدالحميد يونس أنه من الأفضل تسميته بظل الخيال، لأن المحور في هذا الفن هو انعكاس الصورة، أي انعكاس الخيال. وخيال الظل يتوسل بالصورة والضوء معًا، ويحتاج تبعًا لذلك إلى مكان محكم يمكن أن يركز الضوء فيه على التمثيل، ومع ذلك فقد اتسم بنوع من المرونة في الحركة تجعله صالحًا إلى أن يؤدى في فناء الدار أو داخل فسطاط معين22. إن الشبه الكبير بين خيال الظل والمقامات جعلت عبدالرحمن ياغي يعقد مقارنة بينهما ليستخلص منها «جرى أسلوبها في الحوار على أسلوب المقامة، وقامت المغامرات فيها على بطل واحد، كبطل المقامات، خبير بطباع الناس على اختلاف طبقاتهم، ماهر، حاضر البديهة، بارع النكتة، يتفنن في الأساليب المختلفة».23  هذا التشابه بين المقامات وخيال الظل استشعره كذلك علي ابراهيم أبو زيد فعبر عنه قائلاً: «إن النظرة الفاحصة للتركيب الشكلي والفني للبابة تبين مدى تأثير المقامات في كتابة تمثيليات خيال الظل»24.  هذا الاخير الذي يظل في نظر هذا الباحث لونًا من التمثيل غير المباشر. لكن على العموم فإن تمثيليات خيال الظل حسب العديد من الباحثين هي أقرب الظواهر المسرحية لفن المسرح كما نعرفه نحن الآن، وهذا ما لاحظته من خلال البيتين المنسوبين لسيد أحمد البيروني:

"أرى هذا الوجود خيال ظل 

                        محركه هو الــــرب الغفــــور

فصندوق اليمين بطون حوا      

                        وصندوق الشمال هو القبور."25

فذكره لصندوق اليمين وصندوق الشمال يحيلان تماما على مفهوم cote jardin et cote cour، الذي يحدد مكان دخول وخروج الممثلين في المسرح. وهنا لا يبدو من باب الغريب أو العجيب أن نقول: إن  تمثيليات خيال  "خرجت من إسار مسرح العقل أو الأداء التمثيلي المحدود إلى رحابة المسرح الحقيقي."26

إذا كان المسرح يقوم في جوهره على مبدأ المحاكاة، فإن هذه الفرجات وبالشكل الذي كانت تقدم به لا تخلو بدورها من عنصر المحاكاة، ما يجعلها عند بعض الباحثين  فنًّا مسرحيًا خالصًا عرفه العرب كغيرهم من الأمم والشعوب، في حين يصنفها البعض الآخر في خانة الأشكال اللعبوية الشبيهة بالمسرح، فما سبب هذا الاختلاف؟

6. من المرسح إلى المسرح: إن الاعتقاد السائد بأن العرب لم يعرفوا المسرح إلا مع تجربة النقاش، حرمنا من تعرف شكل مسرحنا العربي الأول، فإذا ما نحن تأملنا جيدًا في تلك الفرجات وجدنا أنها تتوفر على كل مقومات المسرح، وأن الفرق الوحيد بينها وبين تجربة النقاش المسرحية بشكلها الإيطالي تتجلى أساسًا في اختلاف فضاء اللعب.

لا شك أن تلك الفرجات كانت تؤدى في الهواء الطلق، أي في مسارح مكشوفة لا بناء فيها وهو ما كان يعرف بالمرسح، في حين أن أداء المسرحيات بشكلها الإيطالي رافقه تحول هذه المراسح الذي نجده بمعنى مكان التنفيس والترويح واللعب إلى مسارح ببناء الجدران، رغم أن المعنى الذي نجده في جذر سرح بعيد عن ذلك القصد الذي يأتي من أجله هنا. من هنا أولاً تم الانتقال من تسمية المرسح إلى المسرح. هذه الفكرة التي تجد تأكيدها أثناء العودة إلى الأصول أو الجذور الأولى للمسرح العربي. فحين حاول المسرحيون المغاربة العودة إلى تراثهم المسرحي بحثًا عن الذات والهوية العربية أولاً، ورغبة في استعادة الاحتفالية والحميمية المفتقدتين، لم يجدوا أمامهم غير تلك الفرجات، بل صرنا نرى بعضهم يحاول التخلص من تلك الجدران المسرحية وأداء عروضه إما في خيمات أو الهواء الطلق على غرار المراسح الأولى التي مازالت أثارها قائمة في العديد من مدننا العربية، معلنة بذلك العودة إلى المرسح. هذه العودة التي لا ينبغي أن تفهم هنا على أنها عودة للتسمية، بل هي عودة للأشكال والصيغ التي عرفها المسرح خلال مسيرته الطويلة والموغلة في القدم قدم الإنسانية ذاتها.

على سبيل الختم:

إن هذه العودة للوراء ليست  مجانية أو من باب الترف الفكري، ولكن  لها ما يبررها، فهي أولاً من أجل فهم بعض القضايا التي طالما أثارت انتباهي، وشكلت نوعًا من الغموض بالنسبة لي، كمصطلح المحاكاة مثلاً التي اتضح أنه مصطلح متلون كأبي براقش في الطير، أو أبي قلمون في الثوب، أو لنقل ببساطة أنه يدخل في نطاق المشترك اللفظي. وثانيًا رغبة في قراءة تاريخ المسرح  وما غمره من تغيرات وتطور قراءة سليمة. وثالثًا سعيًا لاستيعاب واقعنا المسرحي في ظل المستجدات التي عرفتها مجتمعاتنا العربية، ورابعًا محاولة لاستشراف مصير هذا المسرح في ظل عالم العولمة وتحدياتها، إن أمكن ذلك.  

 

الهوامش:

1 - عصام قصبجي، نظرية المحاكاة في النقد العربي القديم (دراسة تطبيقية في شعر أبي تمام وابن الرومي والمتنبي)، ص 4.

2 - أرسطو، كتاب فن الشعر، ترجمة وتعليق ابراهيم حمادة، ص111.

3 - سعيد توفيق، الفن تمثيلاً (رؤيتي للفن بوصفه رؤية للمعنى)، ص 30و31.

4 - أرسطو، كتاب فن الشعر، ترجمة وتعليق ابراهيم حمادة، ص64.

5 - محمد محسن عبد الله، المسرح المحكي، ص9.

6 - ألفت كمال الروبي، نظرية الشعر عند الفلاسفة المسلمين (من الكندي حتى ابن رشد)، ص86.

7 - نفس المرجع، ص75.

8 - نفس المرجع، ص87.

9 - يوسف الإدريسي، التخييل والشعر، حفريات في الفلسفة العربية الإسلامية، ص 131.

10 - سوزانا ميللر، سيكولوجية اللعب، ص 11.

11 - عبدالعزيز بن عبدالرحمن السماعيل، استلهام التراث الشعبي في المسرح، ص 96.

12 - علي تميم، السرد والظاهرة الدرامية ص132.

13 - سالم اكويندي، المشترك في المسرح الغربي (الأنساق والسياق)، ص55.

14 - خالد أمين، المسرح ودراسات الفرجة، ص16.

15 - نفس المرجع، ص 16و17.

16 - نفس المرجع، ص 14و15.

17 - علي تميم، السرد والظاهرة الدرامية، ص31.

18 - نفس المرجع، ص41.

19 - نفس المرجع، ص46.

20 - إبراهيم السعافين، أصول المقامات، ص19.

21 - نفس المرجع ، ص19.

22 - عبدالحميد يونس، خيال الظل، ص 10و11و12.

23 - علي بن تميم، السرد والظاهرة الدرامية، ص91.

24 -  علي ابراهيم أبو زيد، تمثيليات خيال الظل، ص231.

25 - علي ابراهيم أبو زيد، تمثيليات خيال الظل، ص75.

26 - علي بن تميم، السرد والظاهرة الدرامية، ص90.

لائحة المراجع المعتمدة:

1. استلهام التراث الشعبي في المسرح قراءة أولية في التجربة الخاصة ومفهوم التراث في المسرح العربي، عبد العزيز بن عبدالرحمن السماعيل، "مجلة الراوي" العدد 28، ديسمبر 2014، جدة المملكة العربية السعودية.

2. أصول المقامات، إبراهيم السعافين، دار المناهل للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان، ط1، 1987.

3. التخييل والشعر، حفريات في الفلسفة العربية الإسلامية، يوسف الإدريسي، منشورات مقاربات، ط1، سنة 2008.

4. تمثيليات خيال الظل، علي إبراهيم أبو زيد، دار المعارف القاهرة، ط4، 1995.

5. خيال الظل، عبدالحميد يونس، الدار المصرية للتأليف والترجمة، أغسطس 1965.

6. السرد والظاهرة الدرامية (دراسة في التجليات الدرامية للسرد العربي القديم)، علي بن تميم، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 2003.

7. سيكولوجية اللعب، سوزانا ميللر، ترجمة محسن عيسى ومراجعة محمد عماد الدين اسماعيل، مجلة عالم المعرفة، عدد 120 ديسمبر 1987، مطابع الرسالة، الكويت.

8. الفن تمثيلاً (رؤيتي للفن بوصفه رؤية للمعنى)، سعيد توفيق، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط1، مصر 2017.

9. كتاب فن الشعر، أرسطو، ترجمة وتعليق إبراهيم حمادة، هلا للنشر والتوزيع، ط1، سنة 1999.

10. المسرح المحكي، محمد محسن عبدالله، تأصيل نظري ونصوص من التراث العربي، دار قباء للطباعة والنشر القاهرة، سنة 2000.

11. المسرح ودراسات الفرجة (سلسلة دراسات الفرجة 14)، خالد أمين، المركز الدولي لدراسات الفرجة، مطبعة ألطوبريس للطباعة والنشر، طنجة، ط1، 2011.

12. المشترك في المسرح الغربي (الأنساق والسياق)، سالم اكويندي، منشورات التوحيدي، ط1، سنة 2019.

13. نظرية الشعر عند الفلاسفة المسلمين (من الكندي حتى ابن رشد)، ألفت كمال الروبي، ترجمة رمسيس يونان، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع بيروت، سنة2007 .

14. نظرية المحاكاة في النقد العربي القديم (دراسة تطبيقية في شعر أبي تمام وابن الرومي والمتنبي)عصام قصبجي، دار القلم العربي للطباعة والنشر، ط1، 1980.


عدد القراء: 66

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-