من قمة جبل قاف.. السقوط الكبير والموت الصغير لجائزة البوكرالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2019-06-05 15:58:24

د. محمد سارح العسيري

جامعة الملك سعود بن عبدالعزيز للعلوم الصحية – الرياض

ما فتئ الشيخ الأكبر والكبريت الأحمر محيي الدين بن عربي (1156 - 1240م) أن يؤثر في العالم منذ وفاته حتى وقتنا الحالي. فهذا الشاعر الإيطالي دانتي اليجيري (1256 -  1312م) يتأثر برحلة الإسراء والمعراج لابن عربي ويكتب كوميدياه الإلهية الشهيرة وكأنه يترجم كتاب "الإسراء إلى المقام الأسرى" لمحي الدين بن عربي. مما جعل بروفسور اللغة العربية في جامعة مدريد وعضو الأكاديمية الإسبانية ميغيل أسيان بلاسيوس يؤلف كتابًا أسماه "الإسلام والكوميديا الالهية" سرد فيه أوجه الشبه بين نص دانتي ونص ابن عربي بصورة مفصلة وبإسهاب، وانتهى به المطاف إلى القول بأن نص دانتي ليس عملاً أصليًا بالكامل؛ لأن دانتي وجد نصًا جاهزًا كاملاً لابن عربي اعتمد عليه بصورة كبيرة في ملحمته الشعرية الكوميديا الإلهية. ومن قرأ كتاب: "الإسراء إلى المقام الأسرى" لمحي الدين بن عربي ثم قرأ "الكوميديا الإلهية" لدانتي ثم  ختم بحثه بقراءة كتاب الدكتور بلاسيوس سيلحظ التشابه الكبير بين النصين، وهذا ما دفع بعضهم إلى اتهام دانتي بالسرقة الأدبية لنص ابن عربي.

وبعد مرور أكثر من سبعة قرون على وفاة ابن عربي نلحظ المعضلة الأدبية ذاتها تتكرر بوجود روايتين تدور أحداثهما حول حياة محيي الدين بن عربي. الرواية الأولى هي: "جبل قاف" لعبدالإله بن عرفة الصادرة عام 2002م عن دار النجاح الجديدة في الدار البيضاء، والرواية الثانية هي: "موت صغير" الصادرة عام 2016م عن دار الساقي في بيروت. المعضلة الأدبية التي نقصدها هنا هي أن رواية "موت صغير" الحائزة على الجائزة العالمية للرواية العربية البوكر 2017م تشابه أو تماثل إلى حد كبير رواية "جبل قاف" مما يجعلها -كما نعتقد- ليست نصًا أصليًا إبداعيًا، وهذا المعيار مهم جدًّا في الفوز بالجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر).

ويهمنا هنا معرفة المسوغات والمعايير التي أقنعت لجنة التحكيم بأن رواية "موت صغير" بها من الأصالة والإبداع ما يؤهلها للفوز بالجائزة؛ فتكرار الأحداث في نفس الإطار التاريخي وتطابق أسماء الشخصيات التاريخية بين الروايتين يجعلنا في حيرة في نقد الروايتين أدبيًا، وتحديدًا من جهة الأصالة والإبداع؛ فمن يقرأ رواية "جبل قاف" سيستنتج بأنها السيرة الذاتية للشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي وفي الوقت نفسه من يقرأ رواية "موت صغير" سيصل لنفس النتيجة لأن الروايتين تبدآن بولادة ابن عربي وتنتهيان بوفاة ابن عربي.

واحتكامًا لما قاله جوناثان تايلور رئيس مجلس أمناء الجائزة: "يكمن جوهر الجائزة الأدبية الناجحة في تأثيرها. يجب أن يكون هناك نقاشًا وجدالاً حولها، أن يتم نقدها بل وحتى مدحها فى بعض الأحيان". لذا يحق لنا طرح هذا الموضوع للنقاش، فهذه الحيرة التي يقع فيها القراء تستحق التوضيح من لجنة تحكيم الجائزة لوضع النقاط على الحروف وتوضيح موقفها من هذا الجدل، وذلك للحفاظ على تميز معايير الجائزة؛ فالجائزة ملتزمة بقيم الاستقلالية والشفافية والنزاهة.

وفي الوقت نفسه قد يلتمس العذر للجنة التقييم في الجائزة إذا كانت لم تطّلع على رواية "جبل قاف" لأنها كما يقول المؤلف عبدالإله بن عرفة عن روايته "لم تنل حظها من الانتشار في العالم العربي؛ لأنني لم أعمل على توزيعها". لهذا نعتقد بأنه من الواجب علينا توضيح هذا الأمر إنصافًا لجميع الأطراف ووفاء لروح ابن عربي التي ألهمت دانتي اليجيري وعبدالإله بن عرفة ومحمد حسن علوان.

ونؤكد هنا أن تساؤلاتنا موجهة للجنة التقييم ولا تعني بأي حال من الأحوال التشكيك في الأديب محمد حسن علوان؛ لأن توارد الخواطر بين الأدباء وارد جدًّا.

وفي السياق ذاته نتذكر مقولة الدكتور عبدالله الغذامي بأن "النص ابن النص"، ولا جدال في أن تلاقح النصوص وتأثر بعضها ببعض أمر مسلم به، غير أن تكرار أسماء الشخصيات والأحداث بهذا التشابه المثير للاهتمام يحتم علينا التوقف قليلاً للبحث في الأمر لإثراء النقاش في الساحة الأدبية من جهة ولتبيان هذا المشكل الذي قد يكون محيرًا لغير المختصين أمثالنا. فنحن معشر القراء محظوظون لأن الكتاب والروائيين يطالبوننا دائمًا بإبداء الرأي تجاه ما نقرأ وهذا بالضبط ما تنقله هذه الورقة. فحبنا وتقديرينا لعبدالإله بن عرفة ومحمد حسن علوان لا يقبل النقاش وبالعكس هذه الورقة نعتبرها عربون صداقة ووفاء لعمليهما.

وسأقوم في هذه الورقة بتلخيص أهم الأحداث في الروايتين ثم سأختم بذكر نقاط التشابه والالتقاء بينهما سواء من جهة الأحداث أو الشخصيات. وسأجتهد في عدم تحميل المعاني فوق ما تحتمل مع الابتعاد عن لي الأحداث لمجرد تأكيد التشابه بين الروايتين، وإنما سأحاول الاكتفاء بسرد نقاط التشابه وعدم التدخل بشكل كبير لأترك الحكم للقارئ الكريم.

ملخص عام للروايتين:

تقع رواية "جبل قاف" في 264 صفحة وقد أهدى المؤلف عبدالإله بن عرفة الرواية للشيخ محي الدين ابن عربي فيقول "إلى روح الشيخ الأكبر والكبريت الأحمر سيدي محيي الدين ابن العربي الحاتمي المغربي.."، والجدير بالذكر بأن المؤلف يستخدم كنية (ابن العربي) وليس (ابن عربي) للشيخ محيي الدين وله حججه في هذا الأمر، وهذا ليس محور البحث ولكننا نذكر بأنه عندما يقول محيي الدين ابن العربي فهو يقصد الشيخ محيي الدين ابن عربي. ومشاهد الرواية مقسمة إلى ستين مشهدًا يسميها "قافا" نسبة إلى جبل قاف، تبدأ بقاف مرسية وتنتهي بقاف ما قبل البرزخ. أما بطل الرواية فكما يقول المؤلف في تقديمه هو: الشيخ محيي الدين بن العربي الحاتمي.

والرواية الأخرى هي رواية "موت صغير" لمحمد حسن علوان، وتقع في 591 صفحة، ونلاحظ أن المؤلف يضع على الغلاف الخلفي من الكتاب نصًّا لابن عربي يقول فيه: "منذ أوجدني الله في مرسية حتى توفاني في دمشق وأنا في سفر لا ينقطع". وفي أول صفحة من الرواية يقتبس المؤلف مقولة لابن عربي يقول فيها: "إلهي ما أحببتك وحدي لكن أحببتك وحدك". وهذا ديدن الرواية حيث إنها مقسمة إلى 12 سفرًا، وكل سفر مقسم إلى أجزاء مرقمة عدديًا، ويبدأ كل جزء باستشهاد ينسبه المؤلف لابن عربي.

 وتبدأ الروايتان بذكر الأحداث السياسية المضطربة في مدينة مرسيه الأندلسية قبل ولادة ابن عربي والتي كانت تحت حكم الأمير أبي عبدالله محمد بن سعد ابن مردنيش وكان علي ابن عربي والد محيي الدين يعتبر القائد العسكري لجيش ابن مردنيش وكان شديد الولاء للحاكم، لكنه في نفس الوقت يخشى على مدينته وعائلته خصوصًا بعد ولادة ابنه محمد (محيي الدين لاحقًا) من بطش دولة الموحدين بقيادة الخليفة أبي يعقوب يوسف والذين ضربوا حصارًا على مرسيه لإخضاعها تحت سلطة دولة الموحدين أسوة بباقي أمراء شرق الأندلس. وانتهى الحصار سلميًا وفتحت المدينة أبوابها للموحدين بعدما ضاقت الأرض بما رحبت على ابن مردنيش خصوصًا بعد خذلان حلفائه وقادته العسكريين، وبعد وفاة ابن مردنيش عام 567م بايع قادة الجيش والأمراء الخليفة الموحدي واستعد علي ابن عربي للذهاب لأشبيليه للعمل في بلاط الخليفة الجديد. فتعلّم محيي الدين بن عربي في أشبيلية علوم الإسلام من قرآن وفقه وتفسير عند شيوخ المساجد المعروفين إضافة إلى تعلمه علوم السماع والفروسية.

وقد كثرت سياحة ابن عربي في الأندلس وفي بلاد المغرب فتنقل بين قرطبة ومرسية ثم إلى فاس وسبته وتلمسان وغيرها كثير. لكن سياحته هذه وبحثه عن الشيوخ والأوتاد لتثبيت قلبه تكدّرت بموت أمه نور ووالده علي، فكان لوفاتهما وقعهما الشديد على ابن عربي الذي أصبح يتيم الأب والأم. وفي عام 595م بعد خروجه من خلوته تاقت نفس ابن عربي للمشرق ولأداء فريضة الحج؛ فتجهز هو ورفاقه للسفر لمكة المكرمة عن طريق تونس فالمغرب ثم  بحرًا للإسكندرية وبيت المقدس حتى وصلوا مكة المكرمة، فقضوا فيها ما أراد لهم أن يقضوه من الوقت، وأتموا مناسكهم وطابت نفس ابن عربي بالحج. وتنتهي رحلة ابن عربي بسفره إلى دمشق حيث توفي هناك ودفن في سفح جبل قاسيون سنة 836م.

نقاط التشابه والالتقاء بين الروايتين:

نعني بنقاط التشابه هنا التكرار والتماثل في أسماء الشخصيات والأحداث، ومن الضروري التأكيد هنا على أن بعض الأحداث في الروايتين تختلف في التفاصيل لكن تبقى متشابهة في الفكرة العامة والمعنى وهذا ما يجعلنا نتساءل إن كان هذا ينفي عنها سمة الأصالة والإبداع أو لا؟.

ومن أمثلة ذلك تكرار حادثة لقاء ابن عربي بابن رشد في الروايتين، وتكرار حادثة حصار الموحدين لمدينة مرسية الأندلسية. وللتوضيح سأذكر بعضًا من هذه الأحداث المتكررة في الروايتين لأن المقام لا يسمح بذكر كامل الأحداث، وسأترك الأمر للقراء الكرام لقراءة الروايتين وملاحظة هذه الإشارات.

 الصوت الرئيس في الرواية:

أقصد هنا الشخصية الرئيسية التي تسرد أحداث الرواية، ويبدو جليًا من بداية الروايتين  بأن الأحداث هي استذكار للسيرة الذاتية لابن عربي، وحديث عن تفاصيل حياته وكأنه يسردها بنفسه. ويصرح عبدالإله بن عرفة مؤلف رواية "جبل قاف" في الإهداء بأن بطل الرواية هو الشيخ محيي الدين بن عربي. والمثير للاهتمام بأن محمد حسن علوان يذكر في بداية رواية "موت صغير" قصة الكوخ في أذربيجان وطلب محي الدين ابن عربي حبرًا وزيتًا ليبدأ بطل الرواية في سرد سيرة حياته على لسانه وهنا أقتبس ما قاله نصًّا: «بسم الله الرحمن الرحيم. قال السالك محيي الدين ابن عربي» وبهذا يتضح لنا بأن الشخصية الرئيسية في الروايتين هي محيي الدين بن عربي.

التسلسل الزمني للروايتين:

تبدأ الروايتان بما قبل ولادة ابن عربي وتذكر الأحوال السياسية المضطربة في مدينة مرسية نتيجة رفض أمير المدينة ابن مردنيش مبايعة خليفة الموحدين أبي يعقوب يوسف بن عبدالمؤمن الموحدي. ثم يتواصل السرد بذكر النتائج الوخيمة للحصار الذي ضربه الموحدون على الحالة الاقتصادية لمرسية وتشير الروايتان للحيرة التي وقع بها قائد الجند علي ابن العربي بين مبايعة الخليفة الموحدي إنقاذًا لعائلته وللمدينة أو البقاء مواليًا لابن مردنيش. يقول بن عرفة: "الأوضاع العسكرية للمدينة مضطربة جدًّا ووظيفة علي ابن العربي وهو القائد العسكري البارز لا تسمح له أن يترك مهامه إلى جانب الأمير ابن مردنيش". ولنقارن الآن ما ذكره محمد حسن علوان واصفًا الوضع السياسي لمدينة مرسية: "لم يجرؤا أن يعترضا على ما جد من أمر مرسية وهي تتردى من سيء إلى أسوأ منذ استغل ابن مردنيش الفراغ الذي وقع بين انهيار دولة المرابطين ونشوء دولة الموحدين فاستقل بمدينة مرسية ونصّب نفسه ملكًا".

نلاحظ هنا التشابه الزماني والمكاني للأحداث في الروايتين؛ فالأحداث تحدث في مدينة مرسية الأندلسية وتتطابق الشخصيات بدأ من الأمير ابن مردنيش وانتهاء بالقائد العسكري علي بن العربي. 

حصار مرسية:

يتكرر هذا الحصار المؤلم في الروايتين والذي ضربته دولة الموحدين على مرسية لإرغام ابن مردنيش على مبايعة الخليفة الموحدي وبالتالي انضمام مرسية لدولتهم. يقول محمد حسن علوان واصفًا حالة المدينة مع الحصار: "ضاق الناس به ذرعًا – يقصد ابن مردنيش- ونفد صبرهم. جرح تحالفه مع الفرنجة قلوبهم المؤمنة، وأجاعت مغامراته ضد الموحدين بطونهم الخاوية. وفوق هذا كله يرون بأعينهم تبختر جنود الفرنجة في الطرقات نهارًا وليلاً، ويسمعون بأذانهم ما يروج بينهم من بذخ ابن مردنيش داخل قصره. وتجبى الضرائب رغم الحصار بحجة وصول بضائع جديدة حين يقطع الموحدون حصارهم متى ناوشهم الفرنجة. كرهه الناس وعلم هو بكرههم فلا يكاد يخرج من قصره خشية انتقامهم". (موت صغير ص 23).

وفي السياق ذاته يقول ابن عرفه: "مر العيد والناس تترقب وتتوقع وصول الموحدين إلى مدينتهم؛ فلن تنفع الحصون المنيعة في مرسية إذا قطعوا عنهم موارد عيشهم وأتلفوا الحقول والضياع والكور التي تغذي مدينتهم وتزودهم بكل ما هم في حاجة إليه. وقد بدأ بعض المرسيين وخصوصًا الفقهاء والعلماء بقبول إمكانية أن يحكمهم الموحدون لما سمعوا عنهم من حزم وعدل وإن كان موقفهم من فقهاء الفروع لا يبشر بخير بل إنهم أحرقوا العديد منها. ومع ذلك فالعلماء لا يمكن أن يقبلوا بلجوء أميرهم ابن مردنيش الذي ترك لباس المسلمين وتشبه بالنصارى في زيهم وصار مكشوف الرأس؛ للاستعانة بالنصارى ضد المسلمين". (جبل قاف ص 28).

رسالة القشيري:

نلاحظ في الروايتين تكرار هذه القصة مع اختلاف في بعض التفاصيل، لكن الروايتين تذكر بأن رسالة القشيري كانت أول تجربة لابن عربي مع كتب المتصوفة. وسأقتبس نصًّا من رواية جبل قاف يتحدث عن هذه التجربة في وجود الشيخ يوسف الكومي والتي حدثت في جبل المنتيار، يقول ابن عربي "فقد أمرني -يقصد الشيخ الكومي- وأحد تلامذته بالخروج إلى جبل المنتيار وهو جبل عال على فرسخ من أشبيلية فخرجت والصاحب في الصباح الباكر عند فتح المدينة. وكان صاحبي يحمل رسالة القشيري ولم أكن أعلم من هو القشيري بله رسالته. فلما صعدنا الجبل وجدناه قد تقدمنا وغلامه ممسك بفرسه. فدخلنا مسجدًا في أعلى الجبل وصلينا الظهر ثم استقبلنا بعدما أمنا في الصلاة وناولني الرسالة وأمرني بالقراءة فلم أقدر أن أضم كلمة لأخرى فسقط الكتاب من يدي من أثر الهيبة، فناوله لصاحبي الذي بدأ يقرأ من أول الكتاب". (جبل قاف ص 77).

ولنقرأ الآن أحداث القصة نفسها في رواية موت صغير، حيث تبدأ أحداث القصة بوصول الشيخ يوسف الكومي من فاس إلى أشبيلية وحرص علي بن عربي والد محيي الدين بن عربي على وضع ابنه في درس الشيخ. وبعد انتهاء أحد الدروس يطلب الشيخ الكومي من محيي الدين ابن عربي و صاحبه أحمد الحريري بلقائه في جبل المنتيار، "خرجنا جميعا - يقصد نفسه و الحريري - من باب المدينة لنصل إلى جبل المنتيار قريبًا من صلاة الظهر، فصلينا في صومعة قديمة في أعلى الجبل ينام الشيخ في طرفها. وبعد الصلاة أخرج الشيخ الرسالة - رسالة القشيري - من يده وفتحت غلافها وهممت بالقراءة، ثم اعترتني رعشة فجاءة لا سبب لها. احتبست الكلمات الأولى في حنجرتي ولم أستطع دفعها أبعد منها. رفعت عيني إلى الشيخ فإذا هو أعظم شأنًا وأجل مكانة من كل صورة رأيته فيها من قبل. هممت بالقراءة مرة أخرى فزاد ارتعاشي واهتزت الأوراق في يدي حتى كدت أخلع بعضها من خيطها. حاولت مرارًا ففشلت وكأنما فقدت صوتي تمامًا، فسقط الكتاب من يدي ورفعت إلى الشيخ عينين زائغتين قد ملئتا خوفًا ورهبة. حمل الشيخ الرسالة وعلى وجهه ابتسامة طفيفة وناولها لأحمد و قال: اقرأ يا أحمد. تناول أحمد الرسالة متوجسًا مما فيها والتفت إلي بقلق، ثم استعاذ وبسمل وفتح الرسالة و بدأ يقرأ". (موت صغير ص 90).

هنا نلاحظ تشابه الأحداث بصورة عامة مع بعض الاستطراد في رواية موت صغير وهذا ما نلاحظه على مجمل أحداث الرواية.

وفاة علي بن العربي:

تسرد الروايتان هذا الحدث المؤسف بصورة حزينة، نقرأ في رواية موت صغير: "ووضعت يدي على جبينه ورحت أقرأ سورة يس. بعد مرات عديدة من القراءة أفاق أبي من غشيته ونظر إلي بعينين فيهما الحق المبين. فقلت له: يا أبي، سأذهب للجامع حتي يأتيني نعيك. وذهبت للجامع. فلما فرغت من تحية المسجد حتى كان سلوم يقف ورائي باكيًا: عظم الله أجرك يا سيدي. لقد مات الوالد. (موت صغير ص 196).

وفي السياق ذاته نلاحظ التشابه في الأحداث عند قراءة الخبر في رواية جبل قاف: "ثم ظهرت على جبينه - يقصد أباه - لمعة بيضاء تخالف لون جسده من غير سوء، لها نور يتلألأ! فشعر بها الوالد، ثم إن تلك الدمعة انتشرت على وجهه إلى أن عمت بدنه، فقبلته ووادعته و خرجت من عنده وقلت له: أنا أسير إلى المسجد الجامع إلى أن يأتيني نعيك. فقال لي: رح ولا تترك أحدًا يدخل علي، وجمع أهله وبناته، فلما جاء الظهر جاءني نعيه". (جبل قاف ص 140).

لقاء ابن عربي  بابن رشد:

نقرأ في رواية جبل قاف تفاصيل هذا اللقاء المثير على لسان بن العربي "فلما دخلت عليه – يقصد ابن رشد- قام من مكانه تعظيمًا ومحبة في لما سمعه عن فتوحاتي التي أتتني في خلوتي فضمني إليه وقال متسائلاً: نعم؟ فأجبته: نعم. فزاد فرحه بي لفهمي عنه. ثم إني لما استشعرت علة فرحه؛ قلت له منغصًا عليه فرحته الفارطة: لا. فانقبض وامتقع لونه وداخلته الريبة فيما عنده؛ ثم سألني: كيف وجدتم الأمر في الكشف والفيض الإلهي؟ هل هو ما أعطاه لنا النظر؟ فقلت له: نعم لا؛ وبين نعم ولا تطير الأرواح من موادها؛ والاعناق من أجسادها. فاصفر لونه وأخذه الأفكل؛ و قعد يحوقل وأدرك ما أشرت إليه. (جبل قاف ص 62).

يتكرر ذكر هذا اللقاء في رواية موت صغير، يقول ابن عربي واصفًا الحوار بينه وبين ابن رشد؛ "ارتفع حاجباه- يقصد ابن رشد- بإعجاب و هز رأسه قليلاً ثم قال: وهل وجدت ماتوصل إليه الفلاسفة من القوانين الطبيعية تتفق مع رؤية أهل التصوف من الأمور الكشفية؟

- نعم.

- هذا جميل...و ...

- قاطعته قبل أن يتم عبارته: ولا أيضًا.

تراجع برأسه قليلاً إلى الخلف وعقد حاجبيه باستفهام وهو يسأل: ماذا تعني؟

- أعني نعم ولا.

وكيف نعم ولا؟

نعم؛ إنها تتفق في هذا العالم كما نشهده. ولكنها لا تتفق لأن العالم لا يستمر على هذا الحال". (موت صغير ص 126).

نلاحظ هنا تكرار حالة الغموض في إجابة ابن عربي على سؤال ابن رشد وإن اختلفت تفاصيل الحوار بينهما.

رحلته في البحر:

نلاحظ هنا تكرار بعض الأحداث بتشابه مثير للاهتمام، فنقرأ في رواية جبل قاف بأن ابن عربي في رحلته لتونس عن طريق البحر رأى رجلاً يمشي فوق الماء حتى وصل إليه وخاطبه بكلام خاص، ولم تكن قدماه مبتلتين بالماء، ثم انصرف نحو مرسيه حيث يسكن الشيخ ابن خميس. وفي رحلة أخرى له في البحر إلى القاهرة كان البحر هائجًا وصرخ الأطفال والنساء في المركب تضرعًا إلى الله، فصاح ابن عربي على البحر وقال "اسكن يا بحر فإن عليك بحرًا من ولاية وعلم". (جبل قاف ص 164).

وعند النظر في الحادثة كما وردت في رواية "موت صغير" نجد أنها تذكر بأن المسافرين في المركب متجهون إلى مصر والبحر هائج، وابن عربي يقول: "اضطجعت في زاوية بين صندوقين من المتاع لعلهما يثبتاني، فانقلب أحدهما علي واعتصر إصبعين من أصابعي حتى كاد أن يبترهما. قفزت وقد أخذني الغضب ومشيت إلى حافة المركب ورحت أصرخ في البحر: اهدأ يا بحرًا من ماء، فإن عليك بحرًا من علم". (موت صغير ص 266).

نظام وابن عربي:

تتزين الروايتان بذكر قصة الحب العفيف بين ابنة الشيخ زاهر الأصفهاني ومحيي الدين بن عربي، يقول ابن عربي في جبل قاف: "وكانت له - يقصد الشيخ زاهر- طفلة هيفاء حازت أسنى المراتب وأعلى المراتب اسمها النظام بديعة حسن، جميلة سمت، لقبت بعين الشمس والبهاء، عابدة عالمة سائحة زاهدة". ويقول في موضع آخر في وصفها: "إنها من الحور العين والغيد ذوات الحسن والزين ليس لمثل مثلها نظير". (جبل قاف ص 187 - 188).

وعند الانتقال لرواية موت صغير لقراءة ما ذكر عن هذه القصة نجد أن ابن عربي يقول: "كل يوم أقضيه عند عتبة فخر النساء لعقلي، حتى قضى الله أن يكون يومًا من الأيام لقلبي. ذلك أني كنت جالسًا عند عتبتها فجاءت امرأة لم تر عيني أجمل منها تحاول أن تدخل. فتنحيت جانبا وسمعتها تقول: السلام عليك يا عمتي. فتقول فخر النساء: "أدخلي"، ويقول قلبي: "ادخلي"، فدخلت البيت والقلب في آن واحد. تلك نظام، عين الشمس والبهاء". ويقول في موضع آخر عن حبه لنظام: "أغمز لنظام وتغمزني. فنبدأ كتابًا جديدًا نعلم أنه سيستغرقنا أسبوعًا من الزمان، أسبوعًا من التحليق في جبين نظام الوضاء مثل طائر ضائع، أسبوعًا من التأمل في حسنها الأصفهاني الأصيل مثل شاعر مبتدئ، أسبوعًا من القبلات التي تتهادى في الفضاء حتى تحط على فمها مثل ورقة خريف متعبة". (موت صغير ص 311).

رسالة الفونسو للخليفة المنصور أبو يوسف الموحدي: اغتر الفونسو بانشغال الخليفة الموحدي عن الأندلس نتيجة مرضه؛ فأرسل رسالة للخليفة يتحداه ويستدعيه للقتال. فلنقرأ كيف تكررت هذه الحادثة في الروايتين. يقول ابن عرفه في جبل قاف: "وكان الفونسو لما رأى غيبة المنصور عن الأندلس وما اعتراه من المرض، اغتنم الفرصة فعاث في البلاد فسادًا واجترأ على المسلمين حتى نزل بالجزيرة الخضراء وكتب منها كتابًا للأمير يستدعيه للقتال؛ يقول فيه: باسمك الله فاطر السموات والأرض، وصلى الله على السيد المسيح، روح الله وكلمته، السيد الفصيح. أما بعد؛ فإنه لا يخفى على ذي ذهن ثاقب، ولا ذي عقل لازب، أنك أمير الملة الحنفية، كما أني أمير الملة النصرانية". وبعد حديثه عن تخاذل أمراء الأندلس يقول: "وأنتم تزعمون أن الله تعالى فرض عليكم قتال عشرة منا بواحد منكم، فالآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا، ونحن الآن نقاتل عشرة منكم بواحد منا، فلا تستطيعون دفاعًا ولا تملكون امتناعًا". ثم أورد كلامًا أكثر فيه من التبجح والفخر والخيلاء والتقعر.

فلما قرأ المنصور الكتاب أخذته غيرة الإسلام فقرأه على أشياخ الموحدين والعرب وسائر الأجناد، فقوي عزمهم على الجهاد، ثم دفع الكتاب على ولده ليرد على اللعين، فكتب على ظهره: قال الله العظيم: (ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ)؛ وأردف: الجواب ما ترى لا ما تسمع، واستشهد ببيت المتنبي:

ولا كتب إلا المشرفية عنده

        ولا رسل إلا الخميس العرمرم.. (جبل قاف ص 145).

بعد هذه المشاعر الداعية للفخر والعزة، فلنعيد إحياء هذه المشاعر بإعادة سرد الحادثة كما ذكرها محمد حسن علوان في موت صغير؛ حيث قال واصفًا المشاعر عند وصول الرسالة للخليفة الموحدي: "أيها الناس، هذه رسالة الفونسو لأمير المؤمنين، وقد أمر أن تذاع بين الناس لتسمعوا ما كتب، ثم تنظروا ما تفعلون، ثم فتح الرسالة وقرأ: أيها الخليفة، حكي لي أنك تمطل نفسك عامًا بعد عام، وتقدم رجلاً وتؤخر الأخرى؛ ولا أدري هل الجبن أبطأ بك أم التكذيب بما أنزل عليك؟ ثم حكي لي عنك أنك لا تجد سبيلاً إلى الحرب، وأنك لا يخفى عليك ما عليه رؤساء الأندلس من التخاذل والتواكل وأنا أسومهم الخسف وأسبي الذراري وأمثل بالكهول وأقتل الشباب. ولا عذر لك في التخلف عن نصرتهم وقد أمكنتك يد القدرة.

وتوقف المنادي عن القراءة فارتفعت أصوات الناس استهجانًا. وارتفعت أصوات التكبير في أنحاء متفرقة من الجمع. وتركهم المنادي يعبرون عن غضبهم قليلاً ثم رفع يده ليسمحوا له بالكلام، فخفتت الأصوات وقال لهم: أيها الناس قد سمعتم ما جاء في رسالة الفونسو إلى أمير المؤمنين. فاسمعوا الآن رد أمير المؤمنين عليه. ساد الصمت وأرهف الناس السمع. وتأخر المنادي في الكلام ليزيد من تلهفهم لسماع الرد ثم أغمض عينيه وقرأ من سورة النمل: (ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ)، فهاج الناس وماجوا مثل زيت في مقلاة ساخنة". (موت صغير ص 206).

هنا نلاحظ اختلاف السرد في رسالة الفونسو لكن نلاحظ تطابق رد أمير المؤمنين في الروايتين.

وسأكتفي بهذه الأحداث والشخصيات المتماثلة بين النصين، مع التأكيد على امتلاء الروايتين بأمثلة أخرى، مثل: أحداث انتقال المصحف العثماني من الأندلس للمغرب، وذكر كتاب ابن جبير ورحلته الشهيرة للحج. إن هذا التشابه الكبير بين الروايتين يجعلنا نتساءل عن أهمية الأصالة والإبداع في الفوز بجائزة البوكر العالمية. فقد أعلنت منسقة الجائزة "العالمية للرواية العربية" (البوكر)، فلور مونتانار في لقائها في صحيفة الحياة بتاريخ 7 أبريل 2017م بأن جودة النص المقدم ومضمونه هما المعيار الأساسي للفوز بالجائزة؛ ومما ذكر نستطيع القول بأن مضمون رواية "موت صغير" يماثل مضمون رواية "جبل قاف" وهو السيرة الذايتة للشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي وبالتالي لا نعتقد بأن معيار الجدة مع جودة النص ومضمونه قد تحقق.

ومن الأمثلة على الالتقاء والتشابه في شخصيات الروايتين: الأمير محمد ابن مردنيش، علي ابن العربي، عبدالله بن العربي، زوجة علي بن العربي نور، صهر ابن مردنيش ابن همشك، الخادم بدر الحبشي، تلميذ ابن العربي بن سودكين، زوجة محيي الدين بن العربي مريم بنت ابن عبدون، فاطمة بنت المثنى، الخليفة  يوسف الموحدي، الشيخ يوسف الكومي، الغوث أبو مدين، الشيخ أبو بكر الحصار، أحمد الحريري، الفقيه ابن جبير، الشيخ زاهر الاصفهاني، العابدة نظام الأصفهاني، أمير الحرمين يونس بن يوسف، فاطمة بنت يونس بن يوسف، محيي الدين بن الزكري، الفونسو ملك قشتالة.

ومن الأمثلة على تطابق الروايتين في ذكر الأماكن: مرسية، أشبيليه، قرطبة، مراكش، فاس، القاهرة، مكة المكرمة، دمشق، حلب، بيت المقدس، جبل المنتيار.

وعليه إذا كان الإبداع في خلق الشخصيات والحبكة الروائية ليس ضروريًا لدى لجنة التحكيم، فهل سيعتبر عملي القادم والذي أنوي فيه سرد قصة حب حدثت في قرية ماكوندو بين ديمتري كارامازوف ومدام بوفاري عملاً أصيلاً وإبداعيًا يرشح للفوز بجائزة البوكر؟!

كل الشكر والتقدير والاجلال للدكتور بدر علي المقبل والدكتور وليد عبيدالله الصبحي على الإرشاد والنقد البناء لإنهاء هذه المقالة.


عدد القراء: 1228

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

التعليقات 2

  • بواسطة فايز الزهراني من المملكة العربية السعودية
    بتاريخ 2019-06-07 22:52:32

    مقال قمه في الروعه رغم انه لم يوضح رأي جازم من قبل الكاتب في تطابق الروايتين مع خيبة امل شخصيه بخصوص رواية موت صغير حيث كنت متحمس كثيرا لقرائتها. بالتوفيق دكتورنا العزيز وفي انتظار جديدكم .

  • بواسطة محمد الشهراني من المملكة العربية السعودية
    بتاريخ 2019-06-05 22:28:51

    استمتعت كثيراً بالقصة كل الشكر د محمد ونتشوق لمقالاتك القادمة.

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-