ما يتبقى من الحرب: الحكاية والموقف في (رواية لحن ماثوركا على ميتّين)الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2019-06-05 17:10:24

غازي سلمان

العراق – بغداد

الكتاب: "لحن ماثوركا على ميّتين"

المؤلف: كاميلو خوزيه ثيلا

المترجم: علي أشقر

الناشر: دار المدى للطباعة والنشر والتوزيع   

عدد الصفحات: 361 صفحة

تاريخ النشر: 1999

صدرت هذه الرواية عام 1983، أي بعد أكثر من أربعين عامًا على انتهاء الحرب الأهلية الإسبانية سنة 1936، تلك الحرب التي شهدها الكاتب وهو في سن العشرين عامًا، مشاركًا فيها مع إحدى فصائل (الجبهة الوطنية)- اليمينية – التي قادت انقلابًا عسكريًا ضد الجمهورية الإسبانية الثانية (تأسست عام 1931 بعد انتخابات بلدية فازت فيها قوى اليسار والليبراليون والشيوعيون، حينها غادر الملك الفونسو الثالث عشر العرش، وأُعْلِنَ عن قيام الجمهورية تلك.

ولذا فإن معايشة الكاتب لجبهات الحرب وما شهده من انعكاساتها المأساوية على المجتمع الإسباني وانقسامه بين يمين فاشي منتصر، وبين يسار ديمقراطي مهزوم، قد مكّنه من أن يستوعب جيدًا، تلك النتائج على السلوك الجمعي للمجتمع الإسباني.

وفي ظل تلك المرحلة، كان الكاتب يعمل رقيبًا على المصنفات الأدبية والصحفية، ويتمتع بعلاقة صداقة وشيجة مع الجنرال فرانكو أيضًا. وهي إحدى النقاط السوداء في تاريخ حياته، والتي لم يغفرها له الكثيرون من أدباء ومثقفي العالم آنذاك، سواء الذين شاركوا في الدفاع عن اسبانيا الجمهورية فعلاً، امثال همنغواي وجورج أوريل وأندريه مارلو والشاعر الإنكليزي جون كونفورد الذي كان متطوعًا ضمن مجموعة تسمى (أنا اسبانيا) وقتل خلال الحرب، أو الذين ساندوها عن بعد، غير أن الكاتب برر عمله ذاك، إنه من أجل كسب العيش، وهو تبرير لم يشفع له في حينه، لكن يبدو أن الكاتب قد أصيب بخيبة الأمل شأنه شأن (الوطنيين) إذ ينتمي، و(الجمهوريين) على حد سواء بعدما استقوت السلطة على الشعب, فعانى من سطوة النظام حينذاك بمنع روايته (خلية النحل) في اسبانيا فاضطر إلى نشرها في الأرجنتين عام 1951. وهي رواية تنتقد الأوضاع في اسبانيا فرانكو.

اختار الكاتب – مدينة غاليسيا- وهي مسقط رأسه عام 1916، نموذجًا، وتقع إلى الشمال الغربي من اسبانيا.. مجتمع ريفي متخلف يحتكم إلى – قانون الجبل-"ضميره المجتمعي" الذي تنضوي فيه منظومة من السُّنُن الأسرية، والعلاقات الاجتماعية وفولوكلور متجذر، بحيث لا يمكن ترك تصفية الحسابات الشخصية إلى القضاء، وخصوصًا فيما يخص الثأر للقتيل، فالقاتل لابد أن يقتل، إنه مجتمع منظم وفق معاييره الأخلاقية المتوارثة، حيث الرغبات الوحشية في القتل والزنا، والممارسات الشاذة مع الحيوانات والأطفال، تصطبغ بالعفوية كسلوكيات، وعادات وممارسات يومية.. مجتمع منظم، في مواجهة فوضى الحرب التي ستلقي بظلال نتائجها وتفرضها قسرًا على طبيعة السلوك الفردي، وعلى قيم المجتمع ككل:

(كابوكساتولا كانت تروض الدجاج والأفاعي، وتجعل الثعالب ترقص -الغالوب- بفرك مؤخراتها بقرن فليفلة حار شُقّ نصفين، كل النساء مارسن الفاحشة مع كلب أو مع طفل غرير، هذه عادة من عادتهن وسن الشباب يشفع كل شيء.. أما الرجال فيبحثون عن ماعز قرناء كيما يمسكوا بها جيدًا.. هذا الذي تفرضه الطبيعة) الرواية ص27.

ينتقي الروائي (كاميلو خوسيه ثيلا) نماذجه بدقة وحرص شديدين، شخصيات تتسم بالعنف والشهوانية، قَتلَة، وقتلى مغدورين، زوجات خؤونات، خوارنة يمارسون الزنا في بيوت الدعارة عاهرات، مقاتلي الحرب المأزومين بضياع الأمل، عاهرات ومغفلين، ليحيلهم إلى عالمه الروائي، بتقنية روائية متفردة، وبلغة يتوافر فيها الشعر والنثر الجميل، تتعايش في نسيجها الفضيلة والرذيلة، والواقعية والخيال، كلٌ يروي حكايته وانطباعه وموقفه، حكايات وأحداث، غرائبية وخرافية، تتداخل مكرورة في الأزمنة والأمكنة المختلفة، في دوران لا ينتهي، فتكون الرواية رواية (أصوات) سردية مختلفة، مجموعة مونولوجات، يتصدر رويها الآنسة رامونا وادغا ولبوثان روبين وريموندوكسندلفس كشخصيات محورية، بين جدران بيت للدعارة، فليس من السهولة متابعة أحداث حكاية أو حادثة ما، لأنها تجتزئ أو تتقاطع مع أخرى، غير أن الكاتب استطاع أن ينتقل بسلاسة عبر الأزمنة والأمكنة تلك، من حدث إلى آخر ومن صوت إلى غيره، فيخلق تناغمًا مموسقًا، وإن يكن متوترًا، شيقًا أحيانًا ورتيبًا في أحيان أخرى ليوفر فرصة إعادة وصل ما تناثر من تلك الأحداث ويطمس الفرق بين ما حدث فعلاً وما يمكن أن يحدث، ويمنح تلك الحكايات برغم غرائبيتها هالة من الصدق والحقيقة.

لقد ترك الكاتب – رواته – يحكون ويتحاورون دون أن يتدخل في تشذيب منطوق سردهم، دون إقصاء لمفردات أو تعبيرات، لأنها غير مهذبة أو بذيئة، لأنها الأكثر شرعية في قاموس لغتهم حسبما يعتقد، من مثل ذِكر الأعضاء التناسلية ووصف لأحجامها، وكذا الشتائم والعبارات التي يُنطق بها في أثنا ء المجامعة:

 (ادفع… – دون مركسليدو- دون خوف) الرواية ص27.

إنها لغة تفضح عالمًا يتفاوت بين المأساة والتهكم، بين الوصف الواقعي والتخيلي والتعبيرية.. لغة تغلب عليها العفوية الفجة الحية بامتياز:

(روكه – يتمتع .. كبير.. يفك روكة أزرار بنطاله) الرواية ص17.

فثيلا لم يتوقف (عند صدم المجتمع الإسباني في الفترة الفرانكوية وما بعدها، بمفردات لم تُستخدم من قبل في الأدب لجرأتها، بل أصدر عددًا من الكُتب التي تنتقد فكرة استبعاد كلمات من اللغة لمجرد وصفها بأنها بذيئة، وأصدر قاموسًا يجمع كل الكلمات والتعبيرات الخارجة، خاصةً تلك التي تحمل دلالات جنسية، بهدف الحفاظ عليها كجزء من هوية المجتمع الإسباني في فترة بعينها….خوسيه ثيلا طبّق أفكاره بشكل عملي، وفتح بابًا لكُتّاب جيله والكُتّاب من بعده، فصارت الألفاظ النابئة التي تناسب عالم الأبطال استكمالاً لجماليات النص.) (1)

يستغرق (كاميلو خوسيه ثيلا) في تفاصيل سلوك شخوصه وهم في أتون الحرب وما بعدها، يتوقف طويلاً متأملاً اسبانيا، وهي كما أحد شخوصه يصفها – روبين لبوثان:-

(اسبانيا صارت جثة، يا موتشا، ولا أريد التفكير في ذلك، لكن يخيفني أن تكون جثة، ما: أجهله هو كم ستستغرق من الوقت كيما ندفنها…..) الرواية ص 295

فإسبانيا لم تضحَ نظامًا ملكيًا ولا جمهوريًا، بل نظاما فرانكويا، راح المنتصرون على أشلاء أحلام اسبانيا يفرضون هويتهم وفكرهم ممجدين أنفسهم ومشوهين كل ما يمت للمهزومين – الجمهوريين – بصلة، سنّوا قوانينهم التي تحرم العمل السياسي ليبقى (الفالانج "الكتائب") الحزب الوحيد الحاكم الذي أسّسه فرانكو (الكوديللو زعيم أو أب الأمة)- كما لقب نفسه.

وفي محاولة لإعادة بناء سيرته الذاتية يتوارى الكاتب (وراء القص)، خلف ثلاث شخصيات محورية في الرواية من عائلة واحدة، لتنقية مواقفه المرتبكة التي اتخذها إبان شبابه من الحرب ضد الجمهوريين ومن نظام الجنرال فرانكو في بداية سطوع نجمه، لكنه اكتشف "متأخرًا" الحقيقة المريرة التي ساقتها أحداث ما بعد الحرب. عبر تداخل شائك بين الحقيقي والوهمي، بين الواقعي والتخيلي بين العفوية الفجة والقصدية.

الشخصية الأولى هي شخصية روبين لبوثان، قارئ نهم للشعر ويكتبه أيضًا، و قد بدأ (كاميلو خوسيه ثيلا) حياته الأدبية شاعرًا وقارئًا للشعر الإسباني أيضا، هنا يتدخل صوت – الروائي متحدثًا عن روبين:

(ويقرأ روبين لبوثان ما كتبه ويصلح بعض العبارات الركيكة أو المكررة…. تذكّر الآنَ، ألان بو مرة أخرى، أفكارنا كانت بطيئة وحزينة وذكرياتنا غادرة ذاوية،..) الرواية ص 331.

والروائي كان قد اختار ذات المقطع من القصيدة لإدغار ألن بو في متن الرواية

"يفكر روبين لبوثان أحيانًا في الأحداث،":

(المذابح تنظم لإثارة خيبة الأمل وتأنيب الضمير…. ارجعي إلى التاريخ منذ الإمبراطورية الرومانية حتى يومنا هذا، ترى أن المذابح لا تسوّي ولا تحل شيئًا، وإنما تعرقل أشياء كثيرة لفترة طويلة جدًا، أحيانًا، تخنق جيلين أو أكثر وتزرع البغضاء، حيث تجري) الرواية ص 178.

(روبين: يبدو إني أخطأت خطأ كبيرًا، يا مونتشا، لعلني أنفقت وقتًا في الحكم على الأمور والاحتقار، وبذلك لا يمكن العيش أيضًا فالحياة تسير في دروب أخر، وأنا جد خائف، أخاف أكثر مما تخافين وافكر ان البشر سيظلون يديرون هذا الجنون خلال خمسين عامًا لأن ما يجري جنون ويجب التصرف بحذر مع مهرجيه الأبطال الدينيين والسياسيين لأنهم لا يفكرون ..) الرواية ص 264.

(أنا حزين يا مونتشيا، وخائف جدًا، هذا الوضع رهيب، وإذا انقلبت الحرب لصالح الوطنيين، فسوف يكون الوضع أسوأ، لا تسأليني عن السبب، لا أعرف أن أقول لك، ولا أريد أن أقوله) الرواية ص243.

يمكننا بوضوح أن نَعي جيدًا إن ما يتحدث به روبين هنا أو في صفحات أخرى من الرواية مثل إحراق الكتب والصحف التي لا تتساير مع أيديولوجية النظام، هي ليست وجهات نظر مجردة بل كان يتحدث عن وقائع تجري في واقعه آنذاك وقد عايشها الكاتب وكان يضمر آراءه فيها، منحازًا لليمين الإسباني. و قد عين رقيبًا على المصنفات الأدبية والصحف كما ذكرنا آنفًا.

والثانية هي شخصية المدفعي دون كاميلو الذي جرح في الحرب، ولد في نفس القرية التي ولد بها الكاتب (بَدرون) ويتماثل اسمه مع اسم الكاتب. وقد التحق في الحرب في ذات العمر الذي التحق به "ثيلا" وهو سن العشرين، لم يلحظ له نشاط مميز في الرواية لكنه كان رفيق حرب وابن عم لـ (ريموندوكسندلفس).. إلاّ أنه كان صاحب القرار في اختيار شخصية مَن سيأخذ بالثأر لمقتل زوج آدغا – ثيدرانسِغاده – وآفوتو – في الاجتماع العائلي الكبير.

إنْ كانت شخصية (دون كاميلو) غير مؤهلة لتأخذ دورًا محوريًا إلا إنه كان بمثابة الظلّ لشخصية ريموندوكسندولفس وهو الشخصية الثالثة التي توارى خلفها الكاتب ريموندوكسندلفس إنه شخصية مثقفة كما يصفه الكاتب في الاجتماع العائلي لاتخاذ قرار الأخذ بالثأر (ريموندوكسندلفس لا يزال محزونًا كئيبًا، ولا يخالط أحدًا، لكن ثقافته الجيدة ذات عون له..) الرواية ص327.

 إنه دائم الحزن وكثيرًا ما يتحدث بشجاعة منتقدًا الحرب ومن ثم نتائجها، وكأن الكاتب يلقي بالكلمات التي يرغب بها هو، في فم هذه الشخصية لكي ينطق بها، يتحدث ريموندوكسندلفس:

(الجريدة الرسمية أسوأ من الحرب ذاتها، قد لا يُصدق ذلك لكنه حقيقة قائمة كهيكل معبد، ولا تشك فيه، الجريدة الرسمية سلاح الجبناء الخرعين، الذين سيصبحون المنتصرين الكبار الغالبين حتى خمسين عامًا قادمة أو تزيد، أُمرٌ بمصادرة البونوغرافية الماركسية والملحدة بعامة وتدميرها (أمراض الروح تنشأ من القراءة) يلغى التعليم المدرسي المختلط لأنه يثير الاضطراب) الرواية ص 283.

(ستقع هنا جرائم كثيرة، وهي تقع بحماقة كبرى، لكن الأسوأ تقهقرنا جميعًا، سيكون تقهقر البلد، يا لبؤس إسبانيا، أسوأ هذه الانفجارات انتصار السوقية) الرواية ص 218.

لو أُفترِضَ إن نجمع تلك الشخصيات الثلاث في شخصية واحدة، حيث لا تناقض بينها، فإنها ستتقارب كثيرًا من شخصية الكاتب لكنها ستتقاطع مع سيرة حياته، في ظل النظام الفرانكوي. ولأمكننا أن ندرك أن الكاتب كان يرغب فيما لو أنه تبنى تلك الآراء في حينه. وهو أمر ربما يعرضه للتصادم مع نظام فرانكو الذي كان – ثيلا – صديقًا له.

إن تماهي الكاتب في شخصياته، يُعدُّ كشف متقدم ومهم لحياة كاميلو خوسيه ثيلا نفسه، فالحرف نسخة من خالقه في بعض الأحيان.

من بين عديد حكايات حوادث القتل، التي تزخر بها الرواية، تتفرد ثلاثة أحداث قتل:

* مقتل لاثروكودسال عام، 1920 وهو مستظلاً شجرة تين، في (مليلة) إبان الحملة العسكرية الإسبانية لاحتلال المغرب، على يد مواطن مغربي، هذه الحادثة تُروى، كذكرى، لكنها تنبئ ومنذ الصفحة الأولى عن ثيمة الرواية (الموت قتلاً)، وتشي عن قسوة الحرب في تشويه حتى التأمل الذاتي، وساهمت في شد وصال الأحداث الأخرى للرواية في إيماءة تتجاوز الحرب وما بعدها. كما ان لغة الرواية تنعطف حثيثًا بعد هذه الحادثة من أسلوب (الحكي) الغرائبي إلى لغة السرد الواقعي..

(القتيل الأخير لما يُقتل بعد، يوجد دائمًا قتيل معلق في هذه القصة التي لا تنتهي، كسلسلة متصلة من القتلى، سلسلة تحركها العطالة، ربما كان لاثروكود سالغروباس، روبيستيانوغروباس نفسه، وقد لا يكون، تلك الحرب جرت منذ أمدِ بعيد) الرواية ص 348.

[ مقتل (آفوتو) من عائلة – غاموثو- الكبيرة التي ينتمي إليها كل من – آدغا -إحدى الشخصيات الرئيسية في الرواية وأخيها- غودنثيو- الأعمى عازف لحن الماثوركا(2). وقد قتل (آفوتو) عام 1936، غدرًا على يد – موتشو- فابيان مانغيلا- ابن القحبة ذو العلامات التسع – التي تتسم بكل صفات النذالة والغدر ورقعة من جلد الخنزير على جبهته)، هذه الحادثة تَسم أحدث الرواية بتفاصيلها في دوران لا ينقطع إلا بمقتل القاتل.. ويعزف غودنثيو- - لحن الماثوركا- مرةً حزنًا على مقتل آفوتو

(هذا اللحن أهديه إلى ميت لم يبرد جسمه بعد) الرواية ص237.

ومرة أخرى سيعزفه فرحًا، لمقتل – فابيامننغيلا - موتشو

– * مقتل - فابيان مانغيلا- موتشو - في الجبل عام 1940 حيث تظل تنهش به كلاب تانيس حيًّا حتى مماته. لتزيل الرماد الذي ما فتئ يبرد عن وجه الحرب فيتكشف استمرار تأثيرها المفجع في تأطير سلوك القتل والانتقام، حين لم يكتف المنتقمون منه، بل راحت -آدغا تنبش قبره لتستخرج الجثة المتعطنة وتلقيها لخنزيرها الذي سوف توزع لحمه مثل قربان على الأقرباء – المجتمع.

( نبشت الميت الذي قتل زوجي بيدي هاتين، وساعدتني بنتي بينيثيا، لا أحد غيرها، إن الله سيغفر لي. إن سرقت منه ميتًا لأن الموتى ملك الله … كانت الديدان تتساقط من الميت، ألقيت بجثته إلى الخنزير، الذي أكَلتُهُ، فيما بعد .. وزعتُ قسمًا من اللحم على الأقرباء كيما يتذوقوه ويبلعوا أصابعهم من وراءه) الرواية ص 343.

إن الانتقام الوحشي هذا في استهلاك لحم القتيل في بطون الآخرين، "المجتمع"، و تَمَثُلُ لحم القتيل في الأجساد بمعنى تمثّلُ نمط الانتقام في النفوس كسلوك، وأخلاق وتماهيا للحدّ الفاصل بين الإنسان والحيوان، في غاليسيا، يتسق هذا مع تكييف لحن الماثوركا وعازفه (غودنثيو)  لعمليتي القتل مع حالتي الحزن العميق لمقتل قريبه "آفوتو" والفرح الغامر تنفيذ الثأر له بمقتل قاتله:

 - لم لا تنوع قليلاً ؟

غودنثيو: (لأني لا أريد ذلك، إلا ترى أن هذا اللحن لحن حداد). الرواية ص 238. 

حيث يتلاشى الفارق بين المشاعر المتناقضة بفعل إرادة العازف ورغبته في أن يكون شريكًا في الانتقام إلا أنه المطر يهطل.

(بكل سمات بدائيته، منذ أكثر من مائتي عام، على كل موجودات (غاليسيا) بلا استثناء، متساوقًا مع صوت عربات تجرها الثيران، يهطل على الجبال والبحيرات، والحيوانات، يهطل على القتلى والقتلة، على الفضيلة والرذيلة، المطر إله يرقب الناس عن كثب، لكن هذا الأمر لا يعرفه أحد، يهطل صبًّا).

 

الهوامش:

* رواية لحن ماثوركا على ميتَين للروائي الإسباني كاميلو خوسيه ثيلا ترجمة علي أشقر/ دار المدى الطبعة الاولى 1999.

1. احمد عبد اللطيف مقالة :(سلطة اللغة في مواجهة لغة السلطة)

http://ahmedlatif.blogspot.com/2012/05/blog-post.html

2. الماثوركا هي إحدى الرقصات الكلاسيكية التي أخذت مكانة ملحوظة في مجلدات الغرب، ويرجع أصلها إلى بولونيا، حيث كانت تؤدى في شكل هادئ، موزون على إيقاع ثلاثي، يتقارب أحيانًا مع فالس بطئ ثم تطورت الفكرة بعدئذ وأخذت المازوركا طابعًا خفيفًا مرحًا.


عدد القراء: 1353

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-