أمـــام القانـون Before the Lawالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2020-05-31 22:21:42

د. مشاعل عبدالعزيز الهاجري

كلية الحقوق – جامعة الكويت - mashael.alhajeri@ku.edu.kw

قصــة بقلــم: فرانــز كافكــا1 Franz Kafka 

ترجمة: د. مشاعل عبدالعزيز الهاجري

أمام القانون، يجلس حارس البوابة. جاء رجل من الريف يبحث عن القانون، وطلب المثول أمامه، ولكن الحارس أجابه بأنه لا يستطيع الدخول في الوقت الحالي. فكر الرجل قليلا ً، ثم سأل الحارس عما إذا كان سوف يتاح له الدخول فيما بعد. "ذلك محتمل"، قال الحارس. "و لكن ليس الآن".

كانت البوابة المفضية إلى القانون مشرعة، كالعادة. و لما مشى الحارس إلى جانبها، انحنى الرجل ليرى من خلالها نحو الداخل. عندما لاحظ الحارس ذلك، ضحك قائلاً: "إذا كان الأمر مغريًا لك، فحاول الدخول. ولكن انتبه: أنا قوى، ومع ذلك فأنا أدنى الحراس مرتبةَ. فمن غرفة إلى أخرى يقف حراس آخرون، وكل منهم أقوى من الآخر. إنني لا أستطيع أن أحتمل حتى مجرد النظرة من ثالثنا".

لم يتوقع الرجل الريفي هذه الصعوبات: كان يعتقد أنه من المفترض أن يكون الدخول على القانون متاحًاً للجميع. ولكنه بينما كان ينظر الآن - عن قرب - إلى الحارس ذو الرداء المصنوع من الفرو، وإلى أنفه المعقوف الكبير ولحيته التترية السوداء النحيلة، فكر أنه من المستحسن أن ينتظر إلى أن يحصل على الإذن بالدخول.

أعطاه الحارس كرسيًا وسمح له بالجلوس على الجانب أمام البوابة. هناك، جلس الرجل أيامًا وسنين.

قام الرجل بالعديد من المحاولات للدخول، وأتعب الحارس بطلباته. كان الحارس كثيرًا ما يستجوبه باختصار، سائلاً إياه عن موطنه وعن أشياء أخرى، ولكنها كانت جميعًا أسئلة لا مبالية، من ضرب تلك التي يسألها العظماء، وفي النهاية كان دائمًا يخبره بأنه ما زال لا يستطيع السماح له بالدخول. كان الرجل قد جهز نفسه بعدة أشياء لهذه الرحلة، ولكنه أنفق كل ما يملك - حتي الأشياء الثمينة - حتى يقنع الحارس. أخذ الأخير كل شيئ، قائلاً "إنني آخذ منك ذلك حتى لا تعتقد أنك فشلت تمامًا". خلال تلك السنوات، كان الرجل يراقب الحارس باستمرار. لقد نسى أمر الحراس الآخرين، وبدا له هذا الحارس الأول العقبة الوحيدة أمامه حتى يدخل إلى القانون. كان يلعن الظروف السيئة بصوتٍ عالٍ في السنوات الأولى، ولكن مع تقدمه بالسن صار يكتفي بالهمهمة فقط.

صار الرجل يقوم بتصرفات صبيانية. فخلال السنوات الطوال التي قضاها في دراسة أحوال الحارس، تعرف عن قرب على البراغيث التي كانت تسكن ياقة ردائه المصنوع من الفرو، حتى أنه طلب من تلك البراغيث أن تساعده في اقناع الحارس.

في النهاية، ضعف بصر الرجل، فلم يكن متأكدًا إن كان الظلام يحيط به أو أن عينيه كانتا تخدعانه. و لكنه أدرك الآن أن هناك وهجًا يلمع في الظلام دون أن  يخفت، صادرًا عن بوابة القانون. لم يعد أمامه الآن زمن طويل ليعشه. قبيل وفاته، استجمع في رأسه كل تجارب حياته، فانتهت إلى سؤال واحد لم يسبق له أن طرحه على الحارس. ولما كان لم يعد بوسعه تحريك جسده المتصلب، فقد لوح إلي الحارس، الذي اضطر إلى الإنحناء، فالفرق العظيم بينهما قد غير الأمور كثيرًا إلى غير صالح الرجل.

"ما الذي ما زلت تريد أن تعرفه الآن؟" سأل الحارس. "أنك نهم". "الكل يسعى للقانون"، قال الرجل، "فكيف اتفق أنه خلال تلك السنوات العديدة لم يطلب أحد الدخول عليه عداي؟". رأى الحارس أن الرجل يحتضر، فصرخ في إذنه في محاولة للوصول إلى سمعه المتناقص"لا يمكن لأحد الدخول، لأن هذا المدخل كان مقررًا لك أنت وحدك. سو ف أغلقه الآن".

Franz Kafka -1 فرانز كافكا (3يوليو 1883 - 3 يونيو 1924): كاتب تشيكي كتب بالألمانية، رائد الكتابة الكابوسية، فقد كانت حياته مليئة بالحزن والمعاناة. يعد أحد أفضل أدباء ألمانيا في فن الرواية والقصة القصيرة. تعلم كافكا الكيمياء والحقوق والأدب في الجامعة الألمانية في العاصمة التشيكية براغ Prague)1901). عمل موظفًا في شركة لتأمين حوادث العمل. أمضى وقت فراغه في الكتابة الأدبية التي رأى فيها هدفًا لحياته. نشر كافكا القليل من الكتابات خلال حياته، معظمها – بما في ذلك روايتي "الحكم" و"الغائب" التي لم ينههما – نشرت بعد موته على يد صديقه المقرب ماكس برود، الذي لم يستجب لوصية كافكا بإحراق كل كتاباته بعد وفاته.

mashael.alhajeri@ku.edu.kw


عدد القراء: 637

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

التعليقات 1

  • بواسطة محمد تقي الدين من الكويت
    بتاريخ 2020-06-02 16:44:54

    تحية لحضرتك دكتوره على إختيار هذا النص الجميل????

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-